أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم تعد أزمة سبتة مجرد حادث حدودي بين المغرب وإسبانيا، بل تحولت خلال أيام إلى اختبار سياسي وأمني للاتحاد الأوروبي، وأعادت إلى الواجهة أسئلة اعتقد الأوروبيون أنهم تجاوزوها منذ ترسيخ فضاء شنغن: هل ما زالت أوروبا فضاءً سياسياً موحداً؟ وهل تستطيع الدول الأوروبية الحفاظ على حرية التنقل في ظل تزايد الضغوط الأمنية والهجرات الجماعية والانقسامات السياسية؟ [1][2]
بدأت الأزمة مع التدفق الجماعي لآلاف المهاجرين إلى مدينة سبتة الإسبانية الواقعة على الساحل الإفريقي، في واحدة من أكبر موجات العبور التي شهدتها الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي خلال فترة زمنية قصيرة. وأدى ذلك إلى استنفار قوات الأمن الإسبانية، فيما سارعت مدريد إلى احتواء الوضع وإعادة عدد كبير من الوافدين إلى المغرب، مؤكدة أنها استعادت السيطرة على الحدود. [2]
لكن الحدث تجاوز سريعاً البعد الأمني والإنساني، ليتحول إلى أزمة أوروبية بامتياز، بعدما أعلنت الحكومة الإيطالية برئاسة جورجيا ميلوني إعادة فرض رقابة مؤقتة على القادمين من إسبانيا، مبررة القرار بضرورة حماية الأمن الوطني ومنع انتقال المهاجرين غير النظاميين داخل فضاء شنغن. [1][4]
من سبتة إلى روما… خلاف أوروبي مكشوف
اعتبرت حكومة ميلوني أن ما جرى في سبتة لا يمثل أزمة إسبانية فقط، بل ثغرة في الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي قد تسمح بانتقال موجات الهجرة إلى بقية الدول الأعضاء. ومن هذا المنطلق، أعلنت روما إجراءات رقابية استثنائية على القادمين من إسبانيا، في خطوة حملت بعداً سياسياً يتجاوز قيمتها الأمنية المباشرة. [1][4]
في المقابل، رفض رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز هذا المنطق، مؤكداً أن حكومته استعادت السيطرة على الوضع خلال أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة، وأن معظم الذين دخلوا سبتة أعيدوا إلى المغرب. وفي رسالة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، انتقد سانشيز ردود فعل بعض الحكومات الأوروبية، معتبراً أنها تستند إلى الأحكام المسبقة والأخبار الكاذبة والجهل أو المصالح السياسية، وأنها تقوض مبدأ التضامن الأوروبي الذي يفترض أن يشكل أساس الاتحاد. [3]
لم يكن الخلاف إذاً بين مدريد وروما حول إدارة حادث حدودي فقط، بل حول سؤال أكثر عمقاً: من يتحمل مسؤولية حماية أوروبا؟ وهل يحق لكل دولة أن تعود إلى حدودها الوطنية كلما شعرت بأن شريكاً أوروبياً أخفق في حماية الحدود الخارجية؟
شنغن بين النص القانوني والواقع السياسي
قام فضاء شنغن على مبدأ أساسي: إزالة الرقابة على الحدود الداخلية، مقابل حماية فعالة للحدود الخارجية وثقة متبادلة بين الدول الأعضاء. غير أن قانون حدود شنغن يسمح للدول بإعادة فرض الرقابة مؤقتاً إذا واجهت تهديداً خطيراً للنظام العام أو الأمن الداخلي، شرط أن يكون الإجراء ضرورياً ومتناسباً ومحدوداً زمنياً. [5]
لكن السنوات الأخيرة كشفت هشاشة هذه المعادلة. فقد أعادت دول أوروبية عدة فرض الرقابة خلال أزمة اللجوء عام 2015، ثم أثناء جائحة كوفيد-19، واستمرت بعض أشكال الرقابة الداخلية بعد انتهاء الظروف الاستثنائية التي بررتها.
لذلك لا تكمن المشكلة القانونية في وجود استثناء يسمح بإعادة الرقابة، بل في احتمال تحوله إلى قاعدة متكررة. فكلما شعرت دولة بأن شريكاً أوروبياً لا يضبط حدوده، عادت إلى إجراءاتها الوطنية، وتراجعت الثقة التي قام عليها فضاء شنغن.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل ما زالت حرية التنقل هي القاعدة، أم أن الاستثناءات الأمنية المتراكمة بدأت تفقد شنغن معناها السياسي؟
الهجرة بين الأمن والاقتصاد
أعادت أزمة سبتة أيضاً النقاش الأوروبي حول العلاقة بين الهجرة وسوق العمل. وفي هذا السياق، أثار الجنرال الإيطالي والنائب الأوروبي روبرتو فاناتشي جدلاً عندما استحضر مفهوم كارل ماركس عن «الجيش الصناعي الاحتياطي»، معتبراً أن الهجرة غير المنظمة تخلق فائضاً من اليد العاملة يسمح لأصحاب العمل بالضغط على الأجور وإضعاف حقوق العمال. [8]
وتعود هذه الفكرة إلى المجلد الأول من كتاب «رأس المال»، حيث حلل ماركس دور فائض اليد العاملة في عملية التراكم الرأسمالي. ويرى ماركس أن وجود كتلة من العاطلين أو العمال الهشين يتيح لرأس المال الضغط على الأجور، وإضعاف القدرة التفاوضية للعمال، وزيادة المنافسة بينهم. [7]
غير أن توظيف فاناتشي لهذا المفهوم يختلف عن معناه الأصلي لدى ماركس. فماركس لم يحمل العامل الأجنبي أو المهاجر مسؤولية تراجع أوضاع الطبقة العاملة، بل حمّل النظام الاقتصادي مسؤولية استغلال الانقسام بين العمال. أما فاناتشي، فقد استخدم المفهوم داخل خطاب قومي وأمني يعتبر الهجرة الجماعية خطراً على التوازن الاجتماعي والاقتصادي للدول الأوروبية. [8][9]
وهنا تكمن المفارقة السياسية والفكرية: جنرال وسياسي محسوب على اليمين القومي الإيطالي يستعين بإحدى أشهر نظريات ماركس لنقد الهجرة وسياسات أصحاب العمل في الوقت نفسه.
وتزداد المفارقة وضوحاً في سيرة فاناتشي الشخصية، فهو متزوج من امرأة أجنبية، ومع ذلك يتبنى خطاباً متشدداً تجاه الهجرة غير النظامية. غير أن هذا التناقض الظاهري لا يلغي التمييز الذي يقيمه هو بين الهجرة القانونية والاندماج الفردي من جهة، والهجرة الجماعية غير المنظمة من جهة أخرى.
أزمة إنسانية أم أداة سياسية؟
لا يمكن اختزال ما جرى في سبتة في تدفق أمني منفصل عن محيطه السياسي. فموقع المدينة يجعلها نقطة تماس بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، كما أن ملف الهجرة استخدم مراراً في العلاقات بين دول المصدر والعبور والدول الأوروبية.
وتدفع إلى الهجرة عوامل متشابكة، تشمل الفقر والبطالة والصراعات المسلحة وعدم الاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي وتراجع فرص الحياة في دول المنشأ. كما تلعب شبكات تهريب البشر والمعلومات المتداولة عبر وسائل التواصل دوراً في تحريك أعداد كبيرة خلال فترات قصيرة.
لكن أوروبا، بدلاً من التوافق على سياسة موحدة، ما زالت منقسمة بين دول الوصول الأولى، مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان ومالطا، ودول أخرى ترفض استقبال مزيد من طالبي اللجوء، وتفضل تمويل حماية الحدود وعمليات الإعادة. وقد حاول الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء معالجة جانب من هذه الاختلالات، من خلال الجمع بين المسؤولية والتضامن، إلا أن التطبيق العملي ما زال موضع اختبار. [6]
الإرباك الذي تسببه موجات الهجرة
تحدث موجات الهجرة المفاجئة إرباكاً متعدد المستويات. فهي تضغط على أجهزة الأمن والإدارات المحلية ومراكز الاستقبال والمستشفيات والإسكان، وتخلق حالة من الخوف داخل المجتمعات الحدودية، كما تمنح الأحزاب القومية واليمينية مادة سياسية جاهزة لتعبئة الناخبين.
وتثير هذه الموجات أيضاً مشكلات قانونية معقدة، لأن الداخلين ليسوا جميعاً في الوضع نفسه. فبعضهم قد يملك حق طلب الحماية الدولية، وبعضهم مهاجر اقتصادي، وبعضهم قاصر، فيما قد يكون آخرون ضحايا اتجار بالبشر. لذلك لا يمكن التعامل معهم جميعاً بقرار أمني واحد أو بعمليات إعادة جماعية بلا فحص فردي.
وفي المقابل، لا تستطيع أي دولة أن تتجاهل أثر الدخول الجماعي غير المنظم على أمنها وقدرتها على الاستيعاب. ومن هنا تنشأ المعضلة الأوروبية: كيف يمكن حماية الحق في اللجوء من دون تحويل الحدود إلى ممرات مفتوحة؟ وكيف يمكن ضبط الحدود من دون تحويلها إلى مناطق تُعطل فيها القواعد الإنسانية والقانونية؟
أوروبا المنقسمة في عالم الحروب
لا يمكن فصل أزمة سبتة عن السياق السياسي الأوسع الذي تعيشه القارة. فالاتحاد الأوروبي يواجه خلافات حول الحرب الروسية على أوكرانيا، وحجم الدعم العسكري والمالي لكييف، والعلاقة المستقبلية مع موسكو.
وفي ملف غزة، ظهرت انقسامات واضحة بين دول أوروبية أكثر قرباً من إسرائيل، وأخرى تدفع نحو وقف الحرب والاعتراف بالدولة الفلسطينية واتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الحكومة الإسرائيلية.
أما في التعامل مع إيران، فتتباين الحسابات الأوروبية بين المخاوف الأمنية والملف النووي والعلاقات الاقتصادية والتبعية للموقف الأميركي. وتظهر هذه الملفات مجتمعة أن الاتحاد الأوروبي لا يمتلك دائماً سياسة خارجية موحدة، رغم وجود مؤسسات مشتركة وبيانات تصدر باسمه.
وهذا التباعد لا يعني أن أوروبا تفككت، لكنه يكشف أن الاتحاد يظل أكثر تماسكاً في الاقتصاد والتشريع منه في السياسة الخارجية والأمن والهجرة.
هل ما زالت هناك أوروبا؟
ما زالت هناك أوروبا قانونية ومؤسساتية واقتصادية قوية. ما زالت السوق الموحدة قائمة، وما زالت المفوضية والمجلس والبرلمان والمحكمة الأوروبية قادرة على إصدار القرارات والقوانين.
لكن أوروبا السياسية تبدو أقل تماسكاً. فعندما تقع أزمة كبرى، تتحرك الحكومات وفق حساباتها الوطنية، وتقدم مصالح ناخبيها وأمنها الداخلي على فكرة المسؤولية المشتركة.
أزمة سبتة كشفت هذه الفجوة بوضوح. إسبانيا رأت نفسها دولة حدودية تواجه ضغطاً استثنائياً وتستحق التضامن، بينما رأت إيطاليا أن عليها حماية نفسها من نتائج أزمة لم تتسبب بها. وكل طرف تحدث باسم أوروبا، لكن كلاً منهما قدم تعريفاً مختلفاً للمصلحة الأوروبية.
وتكشف الأزمة أيضاً أن شنغن ليست مجرد اتفاق تقني يسمح بالسفر بلا جوازات بين الدول، بل هي تعبير عن مستوى من الثقة السياسية. وعندما تنهار هذه الثقة، تعود الحدود حتى لو بقيت الاتفاقية قائمة قانونياً.
أوروبا بين الوحدة والتفكك البطيء
لا يبدو أن الاتحاد الأوروبي مقبل على انهيار سريع، لكن الخطر يكمن في تفكك بطيء يتم من خلال تراكم الاستثناءات الوطنية: رقابة حدودية مؤقتة تتجدد، وسياسات هجرة منفصلة، وخلافات حول الحروب، وتراجع التضامن بين دول الشمال والجنوب والشرق والغرب.
وقد يستمر الاتحاد اقتصادياً وقانونياً، لكنه يتحول تدريجياً إلى إطار لإدارة المصالح، بدلاً من أن يكون مشروعاً سياسياً موحداً.
فالتفكك لا يحتاج دائماً إلى انسحاب رسمي من الاتحاد. قد يبدأ عندما تتوقف الدول عن الثقة بعضها ببعض، وعندما يصبح القرار الوطني هو المرجع الأول في كل أزمة، بينما تستخدم المؤسسات الأوروبية لتنسيق الحد الأدنى فقط.
أزمة سبتة مرآة لأزمة أوسع
ليست أزمة سبتة سبباً في انقسام أوروبا، بل مرآة لهذا الانقسام. فقد كشفت هشاشة سياسة الهجرة المشتركة، وسرعة عودة الحدود الوطنية، وصعوبة التوفيق بين الأمن وحقوق الإنسان، وبين الحاجة الاقتصادية إلى العمالة والخوف السياسي من المهاجرين.
كما كشفت التناقض بين خطاب أوروبي يتحدث عن التضامن، وممارسة وطنية تجعل كل دولة تبحث عن حماية نفسها أولاً.
إن معالجة الهجرة لا يمكن أن تقوم على فتح الحدود بالكامل، كما لا يمكن أن تقوم على الأسوار وعمليات الإعادة وحدها. المطلوب سياسة تجمع بين حماية الحدود الخارجية، وتسريع دراسة طلبات اللجوء، وإعادة من لا يملكون حق البقاء، وفتح مسارات قانونية للعمل والهجرة، ومحاربة شبكات التهريب، وتوزيع المسؤولية بين الدول الأوروبية.
سؤال لم يعد من الممكن تأجيله
أعادت أزمة سبتة طرح سؤال لم يعد من الممكن تأجيله: هل ما زال الاتحاد الأوروبي اتحاداً سياسياً، أم أصبح مجموعة دول تتعاون عندما تتفق مصالحها، وتعود إلى حدودها الوطنية عندما تواجه الخطر؟
رد إيطاليا، وغضب إسبانيا، واستدعاء فاناتشي لماركس، والجدل حول شنغن، كلها عناصر تكشف أن أزمة الهجرة لم تعد ملفاً إنسانياً أو أمنياً منفصلاً، بل أصبحت جزءاً من الصراع على تعريف أوروبا نفسها.
هل أوروبا فضاء حقوق وقانون وتضامن؟ أم أنها سوق موحدة تحرسها حدود وطنية متزايدة الصلابة؟ وهل يمكن لقارة منقسمة حول أوكرانيا وغزة وإيران أن تصوغ سياسة واحدة تجاه المهاجرين القادمين من الجنوب؟
لم تسقط شنغن بعد، ولم يتفكك الاتحاد الأوروبي. لكن ما جرى في سبتة أظهر أن الوحدة الأوروبية ليست حقيقة نهائية، بل مشروع يحتاج إلى ثقة سياسية متجددة. وإذا استمرت الدول في مواجهة كل أزمة منفردة، فقد تبقى مؤسسات أوروبا قائمة، فيما تتراجع الفكرة التي قامت عليها.
⸻
المصادر والمراجع
[1] Reuters، تقرير حول قرار إيطاليا إعادة فرض الرقابة على القادمين من إسبانيا على خلفية أزمة سبتة، 31 تموز/يوليو 2026.
https://www.reuters.com
[2] Reuters، تقرير حول دخول آلاف المهاجرين إلى سبتة وتطورات الأزمة الحدودية، 30 تموز/يوليو 2026.
https://www.reuters.com
[3] Cadena SER، تقرير عن رسالة بيدرو سانشيز إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي وانتقاده ردود بعض الحكومات الأوروبية، 1 آب/أغسطس 2026.
https://cadenaser.com
[4] ANSA، تغطية الموقف الإيطالي وتصريحات حكومة جورجيا ميلوني بشأن أمن الحدود وشنغن، تموز/يوليو وآب/أغسطس 2026.
https://www.ansa.it
[5] European Commission، القواعد القانونية الخاصة بإعادة فرض الرقابة المؤقتة على الحدود الداخلية في فضاء شنغن.
https://home-affairs.ec.europa.eu/policies/schengen/schengen-area/temporary-reintroduction-border-control_en
[6] European Commission، الميثاق الأوروبي بشأن الهجرة واللجوء وآليات المسؤولية والتضامن بين الدول الأعضاء.
https://home-affairs.ec.europa.eu/policies/migration-and-asylum/pact-migration-and-asylum_en
[7] Karl Marx، Capital: A Critique of Political Economy، المجلد الأول، الفصل الخامس والعشرون: القانون العام للتراكم الرأسمالي، ويتضمن مفهوم «الجيش الصناعي الاحتياطي».
[8] Il Foglio، مادة حول استدعاء روبرتو فاناتشي مفهوم ماركس عن «الجيش الصناعي الاحتياطي» في مناقشة الهجرة وسوق العمل، حزيران/يونيو 2026.
https://www.ilfoglio.it
[9] Adnkronos، تصريحات روبرتو فاناتشي بشأن الهجرة وأزمة سبتة والسياسة الإسبانية، تموز/يوليو 2026.
https://www.adnkronos.com



