السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

من : “بيتي في الرابع من اب2021”!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ بدرية عيتاني

لم أشعر بقيمة بيتي حتى اليوم . كان يوم الجمعة ، عندما أنهي جلسة الأشعة سوف تقلّني السيارة من المستشفى إلى بيتي لأبقى فيه لمدة يومين ، ثم أعود . الطريق يستغرق حوالي ساعتين .
في بيتي وسائد من صنعي وضعتها في كل الأمكنة التي يمكن أن أرتاح فيها أو يرتاح غيري فيها. في المطبخ الذي ربما هو المكان الوحيد الذي أقضي فيه معظم وقتي وضعت صوفاية طويلة أصل عندما أتمدّد إلى نصف مسافتها ، يمكن أن تتسع لأفراد العائلة ، وهناك كراس بلاستيكية ، وطاولة، كمبيوتري أيضاً ، وبطانية .
في الصالون أيضاً تستطيع أن تتمدّد حيث تشاء، كما أن في زاويته ركن للأطفال ، وطاولة قصيرة أسندت عليها عشرات قصص الأطفال المصورة، قربها سلات من الألعاب . يفتح أولادي الباب -أعطيتهم مفاتحي-ويأتون فوراً إلى المطبخ حيث أكون ، يفتحون باب الفرن حيث أضع طعام اليوم ، وعندما يزداد العدد نذهب إلى الصالون، يتمدّد ابني على الصوفا ، ويسند كتفه إلى الوسادة القاسية قليلاً ، حيث يستمتع الإنسان بإسناد جسده، لكنه يبدو وكأنه أخذ المنوم فيغفو ، وبين الفترة و الأخرى يفتح عينيه ليقول: لا أدري ما بي. كأن لديك شيء في البيت يمنعني من الاستيقاظ. آسف . أتيت لنتحدث كثيراً ، ولم نتحدث .
أما غرفة النوم و التي أنام فيه في الجزء الأخير من الليل فهي مسرح للأطفال. يقفزون فوق سريري ، ويتبارون في سحب الأغطية كي يلعبوا بيت بيوت .
أتت السيارة بينما كنت أنتظرها خارج المستشفى ، وخارج المستشفى يوجد أمكنة مسقوفة ومزودة بمدافئ كهربائية، وبطانيات لمن يرغب في استعمالها ، أما أنا فلم أجلس لآنني ببساطة لا أستطيع الجلوس ، أخيراً أتت السيارة، وصاح السائق على اسمي، فتح الباب الخلفي ، وربط لي الحزام، ووضع الحقيبة في الباكاج .
في السيارة كنت أمسك بخاصرتي ولا أستطيع الاستناد إلى الخلف فذلك الثقب في خاصرتي و الذي يتدلى منه أنبوب يؤلمني لو أسندت ظهري .
الطريق طويل ، لكنه فارغ سوى من الأشجار على جانبيه، وربما تعتقد أن بيروت خالية من السّكان ، فبعد الازدحام القليل على مدخل المدينة تعتقد أنك تسير ضمن غابة .
أسند جسدي على ركبتي، ثم أعود للجلسة العاددية أشعر بالألم، و الغثيان. ليتني أصل . لم يكن يشغل تفكيري في هذه المرة سوى الوصول إلى منزلي ، و أخيراً وصلت. أول الأشياء التي فعلتها نظفت حقيبة سفري ، و غسلت ثيابي ، ثم ذهبت إلى الدّكان العربي ، اشتريت الخبز المرقد ، و الجبنة البيضاء ، ثم عملت ابريق شاي ، أكلت رغيفاً مع الشاي والجبن . نسيت أنني مريضة، لكن بدأ الفيلم اليومي بعد الطعام ، وذهبت لأحتمي بسريري ، لكن هيهات!
أحياناً تسأل نفسك ما نفع الحياة مع كل ذلك الألم، تتمنى الموت، لكن لا تستطيع استحضاره ، يأتي ابني ، يجلس على الكرسي إلى جانب سريري . يسألني ماذا بإمكانه أن يساعد ، و لا أستطيع الرّد فقد بلغ منّي التعب ذروته، وبدا على وجهي ملامح الموت . أمسك ابني بيدي، ورأيته يكتب رسالة على الموبايل ، بعد دقائق حضرت ابنتي ، في لحظة انتهى الأمر ، ولم ينته الوجع، صرخت ابنتي ماما، و الدموع في عينيها ، ثم تماسكت ، وقالت لي: هي نوبة سوف تنتهي ، ناولتني المورفين ، خبّرت المستشفى، طلبوا منها أن تقيس حرارتي ، فإن كانت تحت 38 فإن الأمر طبيعي . غفوت دقائق ، شعرت بالتّحسن ، طلبت من ابني و ابنتي أن يذهبا للعناية بعوائلهما وعندما أحتاج سوف أخبرهما.
في الثانية عشر منتصف الليل لففت نفسي ببطانية، جلست على كرسي في الشرفة ، نظرت إلى السماء ، رأيت القمر أكبر مما كنت أراه ، و الصمت يوحي أنك تعيش في مدينة ليس فيها سكان لولا أنك ترى المقاعد الخشبية الفارغة في الحديقة أمامك . سوف أكسر ذلك الصمت ، وسوف أسهر وحيدة بين تلك الأشجار النّائمة . تذكرت الجبن والخبز، أنزلت معي الشاي والجبن و الخبز. سوف آكل كثيراً. جلست عل مقعد خشبي قرب بركة فيها رمل من أجل أن يلعب الأطفال فيه . رن هاتفي ، كان ابني. قلت له : أرغب في النوم ، أرجو أن لا تخبّرني حتى الصباح.
مشيت على حواف شجيرات البيري ” التوت البري”، قطعت بعض الأغصان الصغيرة ، غرستها في بركة الرمل على شكل طريق، ثم أتيت ببعض العيدان ، فصنعت كوخاُ، قطفت من الزهر البري ، ووضعته على حواف الكوخ، أصبحت الساعة الثانية ليلاً ، ولا زال لليل ساعات حتى ينجلي . صعدت إلى بيتي ، تناولت المهدّئ ، أردت أن ينقضي الليل ، فقمت بعجن القليل من الطحين ، ثم صنعت سبع فطائر ، لكن الليل لم ينته ، و أنا الآن مع المهدئات أفضل.
وضعت فنجان قهوة على الطاولة ، فتحت الكمبيوتر ، جلست نصف جلسة على الصوفاية في المطبخ ، لم أستطع الكتابة، ففتحت الراديو على البي بي سي ، وتناولت شفّة من فنجان القهوة ولم أشعر بعدها. غفوت بينما إذاعة البي بي سي تعيد الأخبار وتكرّرها. استيقظت في السادسة . كان نوماً لطيفاً . أخرجت الفطائر من الفرن، غلفتهم ، فأنا لا آكل الفطائر هذه، فقط أولادي يأكلونها . نزلت مسرعة و إلى طريق الغابة . . …
وتذكرت انفجار بيروت وكم من العائلات تشردت وانا تشردت معهم..
بيتي سترتي طار بالانفجار واصبح البيت ذكريات وكل شيء فيه طار بفعل الانفجار واصبحت شريدة لا حول ولا قوة لي…
اريد بيتي واريد ان اعرف من هو المسبب بتحطميه.انا الان احتضر ولكن ساجمع قواي واخذ المروفين وانزل الى مرفأ بيروت لعلي
اجد بقايا منزلي .

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

تلازم السيادة والحل السياسي: تفكيك فخ الترتيبات الأمنية في التفاوض اللبناني!

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود تقف الدولة اللبنانية عند مفترق طرق تاريخي في إدارتها لملف...