السبت, أغسطس 15, 2026
27.4 C
Beirut

3 آب 2014: حين أُبيحت سنجار باسم الدين وعادت أسواق العبيد في زمن القانون الدولي

نشرت في

بقلم: مسعود محمد

في الثالث من آب/أغسطس 2014، لم يشن تنظيم داعش هجوماً عسكرياً عادياً على قضاء سنجار، بل بدأ حملة منظّمة استهدفت اقتلاع الإيزيديين من أرضهم والقضاء عليهم بوصفهم جماعة دينية متميزة. قتل التنظيم الرجال، وخطف النساء والأطفال، وفصل العائلات، ودمّر المزارات، وفرض على آلاف المدنيين الهرب إلى جبل سنجار، حيث حوصروا تحت الشمس القاسية من دون ماء أو غذاء أو دواء.

لم تكن الجريمة انفجاراً عابراً للعنف، بل مشروعاً أيديولوجياً استند إلى تصنيف ديني للإيزيديين، وإلى إعادة إحياء أحكام السبي والرق و«ملك اليمين». وبذلك اجتمعت في سنجار جريمتان: محاولة إبادة جماعة دينية، وإعادة الإنسان إلى مرتبة السلعة التي تُباع وتُشترى، في زمن كان فيه القانون الدولي قد حظر العبودية والإبادة والاغتصاب والاستعباد الجنسي حظراً قاطعاً.

من هم الإيزيديون؟

الإيزيديون جماعة دينية قديمة من سكان بلاد ما بين النهرين، يتركز وجودها التاريخي في سنجار وشيخان وبعشيقة وبحزاني في شمال العراق، مع تجمعات أخرى في سوريا وتركيا وأرمينيا وجورجيا، إضافة إلى جاليات واسعة في أوروبا.

يتحدث معظم الإيزيديين اللغة الكردية بلهجتها الكرمانجية، ويمتلكون منظومة دينية وتراثاً شفهياً وطقوساً ومناسبات خاصة بهم. ويُعد معبد لالش، الواقع شمال العراق، المركز الروحي الأهم في ديانتهم.

يؤمن الإيزيديون بإله واحد وبأن الله أوكل تدبير العالم إلى سبعة ملائكة، يتقدمهم طاووس ملك. وقد أدى سوء فهم هذه العقيدة، ولا سيما رمزية طاووس ملك، إلى اتهام الإيزيديين زوراً بعبادة الشيطان. وتحول هذا الاتهام عبر التاريخ إلى ذريعة لتكفيرهم واضطهادهم وشن حملات متكررة ضدهم.

وعلى الرغم من تأثر الموروث الإيزيدي بالبيئة الدينية والحضارية المحيطة به، فإن الإيزيدية ليست فرعاً من الإسلام ولا من المسيحية أو اليهودية، بل ديانة مستقلة ذات هوية خاصة. وقد جعلها هذا الموقع خارج التصنيفات الدينية التقليدية عرضة لاضطهاد الجماعات التي لا تعترف بحق الإنسان في الاعتقاد خارج إطار الأديان التي تصنفها «كتابية».

فجر الإبادة في سنجار

مع ساعات الفجر الأولى من يوم 3 آب 2014، اجتاحت قوات داعش البلدات والقرى الإيزيدية في منطقة سنجار. انهارت خطوط الدفاع بسرعة، ووجد عشرات الآلاف من المدنيين أنفسهم أمام خيارين: الوقوع في قبضة التنظيم أو الهرب نحو جبل سنجار.

فرّت العائلات بما كانت ترتديه، وترك الناس منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم خلفهم. وصل عشرات الآلاف إلى الجبل، حيث حوصروا أياماً في ظروف إنسانية كارثية. مات أطفال ومسنون نتيجة العطش والجوع والحرارة والمرض، بينما وقع آلاف آخرون في قبضة التنظيم.

كان عناصر داعش يفصلون الأسر عند الحواجز ومراكز الاحتجاز. يُعزل الرجال والمراهقون عن النساء والأطفال، ثم يُطلب من الرجال اعتناق الإسلام وفق تفسير التنظيم، ومن يرفض يُقتل في كثير من الحالات. ونُفذت عمليات إعدام جماعية، ودُفنت جثث الضحايا في مقابر جماعية اكتُشف عدد كبير منها بعد استعادة المنطقة.

أما النساء والفتيات والأطفال، فقد جرى نقلهم إلى مراكز احتجاز داخل العراق وسوريا. فُصل الأطفال الذكور عن أمهاتهم، وأُخضع بعضهم للتدريب العسكري والتلقين العقائدي، بينما تعرضت النساء والفتيات للبيع والاستعباد والاغتصاب والزواج القسري.

أكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة أن داعش ارتكب إبادة جماعية بحق الإيزيديين، من خلال القتل والاستعباد الجنسي والتعذيب والنقل القسري ومنع الولادات ونقل الأطفال من جماعتهم إلى جماعة أخرى، ضمن نية واضحة لتدمير الجماعة الإيزيدية كلياً أو جزئياً.[1]

الإيزيديات بين الخطف وأسواق النخاسة

كانت النساء والفتيات الإيزيديات في قلب المشروع الإجرامي لداعش. لم يكن اغتصابهن نتيجة تجاوزات فردية أو فوضى رافقت الحرب، بل جزءاً من نظام منظم وضعه التنظيم لإدارة الأسر والسبي والاستعباد.

سُجلت أسماء النساء وأعمارهن وحالتهن الاجتماعية، ثم صُنّفن ووُزعن ونُقلن بين العراق وسوريا. أُقيمت لهن أسواق بيع، كما جرى عرض بعضهن داخل شبكات مغلقة تابعة لعناصر التنظيم. وكان من الممكن بيع المرأة الواحدة مرات متكررة أو منحها هدية لأحد المقاتلين أو نقلها من شخص إلى آخر.

تعرضت فتيات، بعضهن في سن الطفولة، للاغتصاب المتكرر والضرب والتعذيب والحبس والتجويع والتهديد بقتل أفراد أسرهن. وأُجبرت بعض المختطفات على تناول وسائل لمنع الحمل، بينما أجبر أخريات على الزواج من مقاتلين أو على تغيير أسمائهن ودينهن وهويتهن.

أما الأطفال الذكور، فقد نُقل عدد منهم إلى معسكرات تدريب، حيث عمل التنظيم على محو ذاكرتهم الدينية والعائلية وتحويلهم إلى مقاتلين تابعين له. وهكذا لم يستهدف داعش أجساد الإيزيديين فقط، بل حاول تفكيك روابطهم العائلية والدينية والثقافية وإعادة تشكيل أطفالهم وفق عقيدته.

تشير البيانات التي نشرتها مؤسسات إيزيدية معنية بتوثيق الجريمة إلى أن آلاف الإيزيديين تعرضوا للخطف، وأن أكثر من ألفين وخمسمئة شخص ظلوا في عداد المفقودين حتى مطلع عام 2026، مع اختلاف الأرقام بصورة محدودة بين الجهات بسبب صعوبة التوثيق واحتمال وجود مفقودين غير مسجلين رسمياً.[2]

وراء كل رقم أم تنتظر ابنتها، وامرأة لا تعرف مصير أطفالها، وطفل عاد بعد سنوات وهو عاجز عن تذكر لغته أو اسم قريته. وبعض المختطفات ربما ما زلن محتجزات تحت هويات جديدة، أو موجودات في مخيمات ومناطق متفرقة، أو نُقلن خارج العراق وسوريا. كما يُخشى أن تكون أخريات قد قُتلن ودُفنّ في أماكن لم تُكتشف بعد.

الإسلام والديانات غير الكتابية

يتطلب فهم الذريعة التي استخدمتها داعش التوقف عند التمييز الذي عرفه الفقه الإسلامي التقليدي بين أتباع الديانات الكتابية وأتباع الديانات الأخرى.

منح الفقهاء اليهود والمسيحيين، بوصفهم من «أهل الكتاب»، وضعاً قانونياً خاصاً داخل الدولة الإسلامية التاريخية. واختلفوا بشأن إدخال جماعات أخرى، مثل المجوس، في أحكام أهل الكتاب أو معاملتهم معاملة مشابهة. كما تعددت اجتهاداتهم بشأن الشعوب التي لا تنتمي إلى اليهودية أو المسيحية أو لا تمتلك كتاباً سماوياً معترفاً به وفق التصنيف الفقهي التقليدي.

لم يكن موقف الفقه الإسلامي من هذه الجماعات واحداً في جميع العصور والمذاهب. فقد تبنى بعض الفقهاء اجتهادات أكثر اتساعاً، قبلت العهود والأمان والجزية والتعايش مع جماعات دينية مختلفة، بينما تبنى آخرون مواقف أكثر تضييقاً. كما أن الممارسة السياسية للدول الإسلامية لم تتطابق دائماً مع الآراء الفقهية النظرية، بل خضعت للمصلحة والواقع وتوازنات المجتمعات المتعددة.

غير أن وجود اجتهادات مختلفة لا يلغي حقيقة أن بعض المدونات الفقهية القديمة تضمنت تمييزاً بين أهل الكتاب وغيرهم، وربطت الحروب القديمة بأحكام الأسر والسبي والرق. وقد وجدت الجماعات المتطرفة في هذه الأحكام مادة جاهزة يمكن اقتطاعها من سياقها التاريخي وإعادة توظيفها في العصر الحديث.

اعتبرت داعش الإيزيديين جماعة غير كتابية، ورفضت منحهم حتى الوضع الذي منحه فقهاء تقليديون لليهود والمسيحيين. وبنت على ذلك تقسيمها الإجرامي: قتل الرجال الذين يرفضون اعتناق الإسلام، واسترقاق النساء والأطفال، والاستيلاء على الأموال والممتلكات باعتبارها غنائم.

لكن تحويل التصنيف الفقهي التاريخي إلى حكم يسمح بإبادة جماعة دينية في العصر الحديث يتجاهل تطور الدولة والقانون والعلاقات الدولية ومفهوم المواطنة، كما يتناقض مع مبدأ حرية الدين والضمير ومع حق الإنسان في الحياة والكرامة. ولا يمكن لاجتهاد وُلد في ظروف الحروب والإمبراطوريات القديمة أن يعلو على حق الإنسان المعاصر في ألا يُقتل أو يُستعبد بسبب معتقده.

إن مأساة الإيزيديين تثبت أن النقاش حول الديانات «غير الكتابية» ليس نقاشاً لغوياً أو نظرياً بريئاً دائماً. فعندما تتحول التصنيفات الدينية إلى مراتب تحدد حق الجماعة في الحياة، يصبح الطريق مفتوحاً أمام التكفير والتمييز والإبادة.

الإسلام والعبودية: تنظيم لم يصل إلى الإلغاء

ظهر الإسلام في القرن السابع الميلادي ضمن عالم كانت العبودية فيه مؤسسة اقتصادية واجتماعية وقانونية واسعة الانتشار. لم تكن العبودية خاصة بشبه الجزيرة العربية، بل عرفتها الإمبراطوريات والمجتمعات القديمة، ومارستها شعوب تنتمي إلى أديان وحضارات مختلفة.

لم يبتكر الإسلام العبودية، لكنه لم يصدر أيضاً تحريماً عاماً وصريحاً يلغيها بصورة نهائية. فقد أقر الفقه الإسلامي التقليدي وجود الرقيق وملك اليمين، ونظم أحكامهما، مع دعوة النصوص الإسلامية إلى تحرير العبيد في حالات متعددة، وجعل العتق كفارة عن بعض المخالفات، والحضّ على حسن معاملتهم.

فتح الإسلام أبواباً للتحرير وقيّد بعض الممارسات، لكنه لم يغلق الباب القانوني أمام الرق الناتج، خصوصاً، عن الأسر في الحروب وفق النظام السائد آنذاك. ولذلك بقيت أبواب الرق والسبي وملك اليمين حاضرة في كتب الفقه، كما استمر امتلاك العبيد وتداولهم في مجتمعات إسلامية قروناً طويلة.

ولا يصح اختزال تاريخ العبودية بالإسلام وحده، فهي ظاهرة عالمية مارستها دول ومجتمعات مسيحية وإسلامية ووثنية وغيرها، واستفادت منها إمبراطوريات أوروبية وعربية وأفريقية وآسيوية. لكن هذه الحقيقة لا تبرر إنكار أن الفقه الإسلامي التقليدي اعترف بالعبودية ونظمها، ولم يصل إلى تحريم قطعي شامل يلغيها من أساسها.

استمرت صور من العبودية وتجارة الرقيق في عدد من البلدان ذات الغالبية المسلمة حتى العصر الحديث، قبل أن تلغيها الدول تدريجياً بفعل التحولات الداخلية والضغوط الدولية ونشوء الدولة الوطنية الحديثة. ولم يكن الإلغاء نتيجة حكم فقهي موحد، بل جاء غالباً عبر قوانين وقرارات سياسية واتفاقيات دولية جعلت امتلاك الإنسان للإنسان فعلاً مجرّماً.

كيف أعادت داعش إحياء أحكام السبي؟

لم تخف داعش اعتمادها على بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالسبي وملك اليمين. أصدرت منشورات وفتاوى داخلية حاولت من خلالها تنظيم بيع الإيزيديات وتوزيعهن واستغلالهن جنسياً. واستخدمت مفردات دينية مثل «السبي» و«ملك اليمين» و«الغنيمة» لتغطية ما كان، في حقيقته، اختطافاً واتجاراً بالبشر واغتصاباً واستعباداً جنسياً.

لم يكن الأمر مجرد سوء فهم عابر للدين، بل اختياراً أيديولوجياً واعياً لأشد الآراء التاريخية قسوة، وإصراراً على إسقاطها على عالم مختلف جذرياً. وقد تعامل التنظيم مع النساء بوصفهن ملكية تنتقل من مقاتل إلى آخر، ومنح عناصره سلطة البيع والشراء والاحتجاز والاستغلال الجنسي.

تكمن خطورة خطاب داعش في أنه لم يقدم جرائمه باعتبارها انتهاكاً للدين، بل باعتبارها إحياءً لما سماه «سنة متروكة». وهنا تظهر ضرورة المواجهة الفكرية الصريحة: لا يكفي القول إن داعش لا تمثل الإسلام، من دون مراجعة النصوص والتفسيرات التي استندت إليها، وشرح تاريخيتها، وإعلان سقوط أحكام الرق والسبي وملك اليمين بصورة لا تحتمل الالتباس.

لقد مرت الإنسانية بتحولات قانونية وأخلاقية عميقة، ولم يعد مقبولاً إخضاع البشر لنظام قانوني يعود إلى عصور الإمبراطوريات والحروب المفتوحة. وكل خطاب يترك باب الاسترقاق موارباً، ولو نظرياً، يسمح للمتطرفين بالعودة إليه متى امتلكوا القوة والسلاح.

العبودية في القانون الدولي لحقوق الإنسان

يقف القانون الدولي الحديث على النقيض الكامل من مفهوم امتلاك الإنسان للإنسان. فقد عرّفت اتفاقية الرق لعام 1926 العبودية بأنها حالة أو وضع شخص تمارس عليه بعض أو جميع السلطات المرتبطة بحق الملكية، وألزمت الدول بمنع تجارة الرقيق والعمل على القضاء على العبودية بجميع أشكالها.[3]

وأكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 أنه لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، وأن الرق وتجارة الرقيق محظوران بجميع صورهما.[4]

ثم جاءت الاتفاقية التكميلية لإبطال الرق وتجارة الرقيق والمؤسسات والممارسات الشبيهة بالرق لعام 1956، فوسعت نطاق الحماية ليشمل ممارسات مثل عبودية الدين والقنانة وبعض صور تزويج النساء أو نقلهن من دون حق حقيقي في الرفض، وتسليم الأطفال بقصد استغلالهم.[5]

كما حظر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الرق والاتجار بالرقيق والاستعباد والسخرة. ويُعد حظر العبودية من القواعد الأساسية في القانون الدولي التي لا يجوز للدول تعليقها حتى في حالات الحرب أو الطوارئ العامة.

لا يحتاج إثبات العبودية الحديثة إلى وجود وثيقة ملكية مكتوبة أو سوق علنية. يكفي أن يمارس الجاني على الضحية سلطات تشبه سلطات المالك، مثل احتجازها ومنعها من المغادرة وبيعها ونقلها والتحكم في جسدها وعملها وعلاقاتها وإجبارها على تقديم خدمات جنسية.

وبهذا المعنى القانوني، كانت الإيزيديات مستعبدات فعلاً، لأن داعش عاملتهن كملكية قابلة للبيع والنقل والهبة، وسلبهن حريتهن وسيطر على أجسادهن وحركتهن ومصيرهن.

الحماية في القانون الدولي الإنساني

القانون الدولي الإنساني هو مجموعة القواعد التي تنظم سلوك أطراف النزاعات المسلحة، وتحمي الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال أو توقفوا عن المشاركة فيه.

وتحظر المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الاعتداء على الحياة والسلامة الجسدية، والتعذيب، وأخذ الرهائن، والمعاملة القاسية والمهينة بحق الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية.[6]

كما تحظر قواعد القانون الدولي الإنساني الاغتصاب والاستعباد الجنسي والإكراه على البغاء وسائر أشكال العنف الجنسي. ولا يفقد المدني حقه في الحماية بسبب دينه أو قوميته أو جنسِه، ولا يجوز اعتبار النساء غنائم حرب تحت أي ذريعة.

وحتى لو ادعى تنظيم مسلح أنه يخوض حرباً دينية أو يقيم دولة وفق شريعته، فإنه لا يكتسب حقاً في قتل المدنيين أو خطفهم أو استرقاقهم. فالحظر الدولي لا يقوم على اعتراف الجاني بالقانون، بل على طبيعة الأفعال المرتكبة وعلى الحماية المقررة للإنسان.

الاستعباد الجنسي بوصفه جريمة ضد الإنسانية

يصنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الاستعباد جريمة ضد الإنسانية عندما يُرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين. كما يصنف الاغتصاب والاستعباد الجنسي والإكراه على البغاء والحمل القسري وغيرها من أشكال العنف الجنسي جرائم ضد الإنسانية في الظروف نفسها.[7]

وقد تشكل هذه الأفعال أيضاً جرائم حرب عندما تكون مرتبطة بنزاع مسلح. ويُقصد بالاستعباد ممارسة سلطة من السلطات المتصلة بحق الملكية على شخص، بما في ذلك ممارسة تلك السلطة في سياق الاتجار بالبشر، ولا سيما النساء والأطفال.

تنطبق هذه العناصر بصورة واضحة على ما فعلته داعش بالإيزيديات: فقد احتُجزن ونُقلن وبِعن وأُهدي بعضهن إلى مقاتلين، وحُرمن من حرية الحركة، وأُجبرن على العلاقات الجنسية والخدمة المنزلية، وتعرضن للعنف والتهديد لمنعهن من الهرب.

جريمة إبادة لا تقتصر على القتل

تعرّف اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 الإبادة بأنها أفعال تُرتكب بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية كلياً أو جزئياً.[8]

ولا تقتصر الإبادة على القتل الجماعي، بل تشمل إلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بأفراد الجماعة، وإخضاعهم لظروف معيشية يراد بها تدميرهم، وفرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة، ونقل أطفالها قسراً إلى جماعة أخرى.

استهدف داعش الإيزيديين بسبب هويتهم الدينية تحديداً. قتل الرجال، واستعبد النساء، وفصل الأطفال عن أسرهم، وفرض تغيير الدين، ودمر المزارات، وحاول منع الجماعة من الاستمرار والتكاثر والحفاظ على ذاكرتها. ولذلك لم تكن الجرائم مجرد سلسلة من الاعتداءات المنفصلة، بل أجزاء مترابطة من مشروع إبادة جماعية.

أين المفقودات الإيزيديات؟

بعد سقوط المناطق التي كانت خاضعة لداعش، جرى تحرير أو استعادة آلاف الإيزيديين، لكن مصير أعداد كبيرة بقي مجهولاً. وتعقّد البحث بسبب مقتل بعض الأسرى، ونقل آخرين بين مدن ودول مختلفة، واستخدام أسماء ووثائق مزورة، ووجود أطفال فقدوا ذاكرتهم أو لا يعرفون أسماء عائلاتهم الأصلية.

كما أن بعض النساء قد يترددن في الكشف عن هوياتهن بسبب الصدمة أو الخوف أو الوصمة الاجتماعية، بينما قد تكون أخريات محتجزات داخل أسر أو شبكات اتجار بالبشر. وقد يكون بعض الأطفال قد تربوا سنوات داخل عائلات مرتبطة بالتنظيم وأصبحوا لا يعرفون شيئاً عن أصولهم الإيزيدية.

لا يجوز إغلاق ملف المفقودين لمجرد انهيار سيطرة داعش المكانية. فاختفاء الضحية لا ينتهي بانتهاء المعركة، ومسؤولية البحث والكشف عن المصير وإعادة الأطفال والنساء إلى عائلاتهم مسؤولية قانونية وإنسانية مستمرة.

يتطلب ذلك إنشاء قاعدة بيانات موحدة، وإجراء فحوص الحمض النووي، وفتح المقابر الجماعية وفق المعايير الجنائية، والتعاون بين العراق وسوريا ودول أخرى، والتحقيق في شبكات الاتجار، ومراجعة ملفات النساء والأطفال الموجودين في المخيمات ومراكز الاحتجاز.

عدالة ناقصة وذاكرة مهددة

أصدرت محاكم وطنية في بعض الدول، ولا سيما في أوروبا، أحكاماً ضد أفراد من داعش على خلفية جرائم ارتُكبت بحق الإيزيديين، ووصلت بعض الأحكام إلى توصيف الأفعال بوصفها إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.

لكن عدد الذين حوكموا على أساس الجرائم الدولية لا يزال محدوداً مقارنة باتساع الجريمة وعدد الضحايا. كما أن انتهاء مهمة فريق التحقيق الأممي لتعزيز المساءلة عن جرائم داعش «يونيتاد» في العراق عام 2024 أثار مخاوف جدية بشأن حفظ الأدلة واستمرار التحقيقات وضمان استخدامها في محاكمات عادلة.[9]

لا تكفي محاكمة عناصر التنظيم بتهم الانتماء إلى جماعة إرهابية، لأن هذه التهمة وحدها لا تعكس طبيعة ما ارتُكب بحق الضحايا. المطلوب هو توثيق القتل والاغتصاب والاستعباد والإخفاء القسري وتجنيد الأطفال وتدمير الهوية الدينية، ومحاكمة المسؤولين عنها بوصفها إبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

الاعتراف وحده لا يعيد الحياة إلى سنجار

إن الاعتراف بالإبادة خطوة أساسية، لكنه لا يكفي ما لم يتحول إلى سياسة للعدالة والعودة والإعمار. ما زال كثير من الإيزيديين نازحين عن مناطقهم، وما زالت سنجار تعاني ضعف الخدمات والدمار والتنافس بين القوى المسلحة والسياسية.

العودة الآمنة لا تعني إعادة العائلات إلى بيوت مهدمة وقرى تفتقر إلى المدارس والمستشفيات وفرص العمل. إنها تتطلب ضمان الأمن، وإعادة بناء المؤسسات، وتعويض الضحايا، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للناجين، وحماية النساء من الوصمة، وإعادة الأطفال إلى التعليم والحياة الطبيعية.

كما يجب إشراك الإيزيديين أنفسهم، ولا سيما الناجيات وعائلات المفقودين، في القرارات المتعلقة بمستقبل سنجار والعدالة والتعويضات. فلا يجوز أن يتحولوا مرة أخرى إلى موضوع تتفاوض عليه القوى السياسية من دون حضورهم.

في ذكرى الثالث من آب

الثالث من آب ليس مجرد ذكرى عراقية أو إيزيدية. إنه يوم يكشف مدى السرعة التي يمكن أن يتحول بها التكفير إلى إبادة، والنص التاريخي إلى سلاح، والمرأة إلى غنيمة، والطفل إلى مشروع مقاتل، عندما تجتمع العقيدة المتطرفة مع القوة المسلحة وانهيار الدولة وصمت العالم.

لم تكن الإيزيديات ضحايا «ممارسات قديمة» وقعت خارج القانون. لقد تعرضن للاغتصاب والاستعباد والاتجار بالبشر في زمن تحظر فيه القوانين الدولية هذه الأفعال حظراً مطلقاً. وكانت الجريمة أكثر فظاعة لأن مرتكبيها لم يخجلوا منها، بل كتبوها ونظموها وقدموا لها تبريراً دينياً.

إن الوفاء للضحايا يبدأ باستخدام الأسماء الصحيحة: ما حدث لم يكن زواجاً، بل اغتصاباً؛ ولم يكن انتقالاً للنساء، بل اتجاراً بالبشر؛ ولم يكن سبياً مشروعاً، بل استعباداً؛ ولم تكن حرباً عادية، بل إبادة جماعية.

ويبقى السؤال الذي يجب ألا يتوقف: أين النساء والفتيات والأطفال الإيزيديون المفقودون؟

حتى يُعرف مصير آخر مفقودة، وتُفتح آخر مقبرة جماعية، ويُحاسب المسؤولون، وتعود العائلات بأمان إلى أرضها، ستظل جريمة الثالث من آب مستمرة في حياة الناجين، وسيظل العالم مديناً للإيزيديين بعدالة لم تكتمل.

الهوامش والمراجع

[1] مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، تقرير: لقد جاؤوا ليدمروا: جرائم داعش ضد الإيزيديين، 2016؛ وتقارير اللجنة اللاحقة بشأن استمرار آثار الإبادة والبحث عن المفقودين.

[2] مؤسسة الإيزيدي الحر، بيانات المفقودين والناجين من الإبادة، تحديث شباط/فبراير 2026. تقدر المؤسسة عدد الإيزيديين الذين لا يزالون مفقودين بأكثر من 2528 شخصاً، مع ضرورة التعامل مع الرقم بوصفه تقديراً متغيراً بحسب عمليات التحقق والعثور على ناجين أو التعرف إلى رفات الضحايا. (Free Yezidi Foundation⁠)

[3] عصبة الأمم، اتفاقية الرق، الموقعة في جنيف في 25 أيلول/سبتمبر 1926، ولا سيما المادة الأولى المتعلقة بتعريف العبودية، والمادة الثانية المتعلقة بمنع تجارة الرقيق والعمل على إلغاء الرق. (UN Human Rights Office⁠)

[4] الجمعية العامة للأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، القرار 217 ألف، 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، المادة الرابعة.

[5] الأمم المتحدة، الاتفاقية التكميلية لإبطال الرق وتجارة الرقيق والمؤسسات والممارسات الشبيهة بالرق، جنيف، 7 أيلول/سبتمبر 1956، ولا سيما المادة الأولى. (UN Human Rights Office⁠)

[6] اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، المادة الثالثة المشتركة المتعلقة بحماية الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية؛ واللجنة الدولية للصليب الأحمر، قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي المتعلقة بحظر الرق والاغتصاب وسائر أشكال العنف الجنسي.

[7] المحكمة الجنائية الدولية، نظام روما الأساسي، المادة السابعة، ولا سيما الفقرتان 7(1)(ج) و7(1)(ز)، وعناصر الجرائم المتعلقة بالاستعباد والاغتصاب والاستعباد الجنسي. (icc-cpi.int⁠)

[8] الأمم المتحدة، اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، المعتمدة في 9 كانون الأول/ديسمبر 1948، المادة الثانية.

[9] مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القرار 2379 لعام 2017، المنشئ لفريق التحقيق لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش؛ وتقارير الأمم المتحدة المتعلقة بانتهاء ولاية الفريق في العراق في أيلول/سبتمبر 2024 وحفظ الأدلة التي جمعها.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

سورية.. كم كانت متطوّرة.. قراءة في تاريخ الحياة الحزبية والديمقراطية في سورية

أخباركم - أخبارنا بقلم: نجم الدين الخريطالأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد وعضو الكتلة...

ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت .. القرار الظني يقترب… فهل تقترب العدالة من أصحاب النفوذ والسلاح؟

أخباركم- أخبارنا/ مسعود محمد بيروت تستعيد لحظة الموت… واللبنانيون لا يصدقون الوعود في الرابع من آب...

مجلس الحقوق والحريات يدعو إلى رفع الحصانة عن عدنان فيحان على خلفية محاكمة محاولة اغتيال الناشط ضرغام ماجد

بغداد – أخباركم / أخبارنا دعا مجلس الحقوق والحريات في العراق إلى رفع الحصانة عن...