أخباركم- أخبارنا/ مسعود محمد
بيروت تستعيد لحظة الموت… واللبنانيون لا يصدقون الوعود
في الرابع من آب 2026، لا تستعيد بيروت ذكرى انفجار عابر، بل تعود إلى لحظة بدّلت وجهها وكسرت ما تبقى من ثقة اللبنانيين بدولتهم. يعود الأهالي إلى المرفأ حاملين صور أبنائهم، فيما لا تزال الندوب ظاهرة على الأبنية والوجوه والذاكرة. ست سنوات مرّت، وتعاقبت حكومات ومسؤولون وقضاة ووعود، من دون أن يمثل أي مسؤول سياسي كبير أمام محاكمة تنتهي بحكم ومحاسبة.
المناخ الشعبي المحيط بالذكرى السادسة ليس مناخ انتظار هادئ. إنه خليط من الغضب والشك والإرهاق. بعض أهالي الضحايا ما زالوا يتمسكون بالقاضي طارق البيطار باعتباره آخر منفذ ممكن إلى الحقيقة، فيما يخشى آخرون أن يؤدي صدور القرار الظني إلى جولة جديدة من العرقلة، أو إلى تسوية سياسية تحصر المسؤولية بموظفين وإداريين، وتترك أصحاب القرار والحماية خارج قاعة المحكمة.
لم يعد اللبنانيون يكتفون بالسؤال: من أهمل؟ بل يسألون: من أدخل نيترات الأمونيوم؟ لمن كانت الشحنة؟ من قرر تفريغها في بيروت؟ لماذا بقيت في العنبر رقم 12 قرابة سبع سنوات؟ هل استُخدم جزء منها؟ من كان يسيطر فعلياً على المرفأ؟ ما سبب الحريق؟ ومن عرقل التحقيق طوال السنوات الماضية؟
إنها أسئلة لا تستطيع البيانات السياسية ولا مراسم إحياء الذكرى الإجابة عنها. وحده تحقيق قضائي مكتمل، يتبعه قرار ظني واضح ومحاكمة علنية وتنفيذ فعلي للأحكام، يمكن أن ينقل القضية من ذاكرة الفاجعة إلى دولة القانون.
التحقيق انتهى… لكن الحقيقة لم تُعلن بعد
في 30 آذار 2026، ختم المحقق العدلي القاضي طارق البيطار تحقيقاته في جريمة انفجار المرفأ، بعد مسار طويل شمل ادعاءات واستجوابات طالت نحو سبعين شخصاً من مسؤولين سياسيين وأمنيين وقضائيين وإداريين وعاملين في المرفأ. وأحال الملف إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها، قبل أن يبدأ إعداد القرار الظني المنتظر.(1)
هذا التطور يعني قانونياً أن مرحلة جمع الأدلة والاستماع إلى الشهود واستجواب المدعى عليهم أصبحت، من حيث المبدأ، وراء التحقيق، وأن الملف دخل المرحلة الأخيرة السابقة لإحالته إلى المجلس العدلي.
لكن ختم التحقيق لا يعني أن الرأي العام عرف الحقيقة. فالمعلومات الأساسية ما زالت مشمولة بسرية التحقيق، واللبنانيون لا يعرفون حتى الآن ما إذا كان البيطار قد توصل إلى تحديد المالك الحقيقي للشحنة، أو المستفيد النهائي منها، أو سبب الحريق، أو الجهة التي كانت لها مصلحة في بقاء المواد داخل المرفأ.
القرار الظني وحده سيكشف إن كان التحقيق قد نجح في إعادة بناء السلسلة الكاملة للجريمة، أم أنه توصل فقط إلى تحديد مسؤوليات مرتبطة بالإهمال والتقصير الإداري.
جوزاف عون: صدور القرار أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل
في الذكرى السادسة، رفع رئيس الجمهورية جوزاف عون سقف الموقف الرسمي، داعياً القضاء إلى إصدار القرار الظني، ومعتبراً أن صدوره «أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها أكثر». كما جدد التزام الدولة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، مؤكداً أن العدالة آتية.(2)
أهمية هذا الموقف لا تكمن في عباراته وحدها، بل في صدوره عن رئيس الجمهورية بعد سنوات كانت خلالها السلطة السياسية تتعامل مع التحقيق إما بالصمت، وإما بإعلان الدعم النظري له، بينما كانت المؤسسات عاجزة عن تنفيذ مذكرات المحقق العدلي بحق مسؤولين نافذين.
لكن تصريح الرئيس يضع رئاسة الجمهورية نفسها أمام اختبار واضح: هل سيبقى الدعم خطاباً يقال في ذكرى الانفجار، أم سيتحول إلى موقف دستوري وسياسي يحمي القضاء عندما تبدأ الأسماء والتهم بالظهور؟
فالمرحلة الأصعب لا تسبق القرار الظني، بل تبدأ بعد صدوره. عندها ستظهر قدرة الدولة على تنفيذ مذكرات التوقيف ومنع السفر وإحضار المتهمين، وعلى مواجهة أي رفض سياسي أو أمني للمثول أمام المجلس العدلي.
وزير العدل: فككنا العقد وأهالي الضحايا سيعرفون الحقيقة
وزير العدل عادل نصار قال إن الحكومة تمكنت من «فك العقد» التي كانت تعترض تحقيقات انفجار المرفأ، وإن أهالي الضحايا سيعرفون الحقيقة. كما أكد أن الملف يحظى باهتمام الحكومة، وأن التحقيق وصل إلى مرحلة قضائية متقدمة بعد ختم القاضي البيطار تحقيقاته وإحالته إلى النيابة العامة التمييزية.(3)
كلام وزير العدل أكثر تحديداً من العبارات التقليدية عن استقلال القضاء، لأنه يعترف ضمناً بأن التحقيق كان محاصراً بعقد سياسية وقضائية ومؤسساتية، وأن تغيير المناخ الحكومي ساهم في إزالة جزء منها.
لكن عبارة «فك العقد» تحتاج إلى ترجمة عملية. فالعقدة لم تكن إجرائية فقط، بل تمثلت في رفض مسؤولين المثول أمام القاضي، وفي استخدام دعاوى الرد والمخاصمة لتعطيل التحقيق، وفي منع الأجهزة القضائية والأمنية من التعاون مع البيطار، وفي إطلاق جميع الموقوفين في الملف عام 2023.
لذلك، لا يمكن اعتبار العقد قد فُككت نهائياً إلا عندما تثبت الحكومة أن الأجهزة التابعة للدولة ستنفذ كل ما يصدر عن القضاء، بصرف النظر عن هوية المتهم أو موقعه أو الحزب الذي يحميه.
ماذا تعني الحكومة الجديدة بالنسبة إلى التحقيق؟
أحدث انتخاب جوزاف عون وتشكيل حكومة نواف سلام وتعيين عادل نصار وزيراً للعدل تحولاً في البيئة السياسية المحيطة بالقضية. لم تعد الحكومة تتعامل مع تحقيق المرفأ باعتباره عبئاً يجب احتواؤه، بل أعلنت أن استقلال القضاء والمحاسبة من أولوياتها.
الأهم أن النيابة العامة والأجهزة القضائية عادت إلى التعاون مع القاضي البيطار بعد مرحلة الصدام المفتوح التي بلغت ذروتها في كانون الثاني 2023، عندما ادعى النائب العام التمييزي السابق غسان عويدات على البيطار، ومنع الأجهزة من تنفيذ إجراءاته، وأطلق سراح جميع الموقوفين في القضية.
إزالة هذا الحصار سمحت باستئناف الاستجوابات واستكمال التحقيق وختمه. وهذا إنجاز لا يمكن تجاهله، لكنه لا يشكل بعد دليلاً على اكتمال التحول.
الحكومة الجديدة ستُحاكم سياسياً وأخلاقياً عند أول مواجهة فعلية بين القضاء وأحد مراكز النفوذ. فإذا نفذت المذكرات بحق الجميع، تكون قد دشنت مساراً جديداً. أما إذا بدأت المساومات عند اقتراب التحقيق من مسؤولين محميين، فستكون قد أعادت إنتاج الدولة القديمة بخطاب جديد.
من أدخل النيترات؟ السؤال الذي لا يجوز دفنه
المعروف أن سفينة «روسوس» وصلت إلى مرفأ بيروت في تشرين الثاني 2013، وأن شحنتها من نيترات الأمونيوم أُفرغت لاحقاً في العنبر رقم 12، حيث بقيت حتى انفجارها في 4 آب 2020.
لكن معرفة اسم السفينة ومسارها والجهات المسجلة على أوراقها لا تكفي. فالقضية الأساسية هي تحديد المالك الاقتصادي الحقيقي للشحنة والمستفيد النهائي منها، وما إذا كانت بيروت مجرد محطة اضطرارية كما قيل، أم أنها كانت وجهة مقصودة ضمن عملية تجارية أو أمنية أكثر تعقيداً.
كما يجب معرفة من طلب تفريغ الشحنة، ومن وافق عليه، ومن قرر تخزينها، ولماذا فشلت كل محاولات بيعها أو إعادة تصديرها أو إتلافها، رغم المراسلات المتكررة التي تبادلتها إدارة المرفأ والجمارك والقضاء والأجهزة الأمنية.
إن عدم القدرة على تحديد المستفيد النهائي من الشحنة سيترك فجوة مركزية في التحقيق. فلا يكفي أن نعرف من أهمل إزالة المواد، إذا لم نعرف لمن كانت ولماذا وصلت إلى لبنان ومن كانت له مصلحة في بقائها.
وفي أيلول 2025، أوقفت السلطات البلغارية إيغور غريتشوشكين، مالك السفينة، بناء على طلب مرتبط بالتحقيق اللبناني، قبل أن ترفض محكمة بلغارية تسليمه إلى لبنان. وقد أدى ذلك إلى خسارة فرصة مهمة لاستجواب شخص أساسي في مسار السفينة والشحنة.(4)
من فجّر المرفأ؟ بين سبب الحريق ومسؤولية التخزين
لا يزال سبب الحريق الذي سبق الانفجار من أكثر أجزاء القضية غموضاً. لم يصدر حتى الآن قرار قضائي معلن يحدد ما إذا كان الحريق ناتجاً عن أعمال صيانة أو تلحيم، أو عن خطأ عرضي، أو عن فعل متعمد، أو عن سبب آخر.
لكن عدم تحديد من أشعل الحريق لا يلغي المسؤولية عن الكارثة.
قانونياً، هناك فارق بين المسؤولية المباشرة عن إشعال النار، والمسؤولية عن إبقاء مواد شديدة الخطورة وسط منطقة مأهولة، مع العلم بطبيعتها وإمكان انفجارها. وقد تقوم الجريمة بفعل إيجابي، كما قد تقوم بالامتناع عن أداء واجب قانوني كان من شأنه منع النتيجة.
كل مسؤول تلقى تقريراً عن النيترات، وفهم طبيعة الخطر، وامتلك صلاحية التحرك، ثم امتنع عن اتخاذ إجراء جدي، قد يكون موضع مساءلة بحسب مستوى علمه وسلطته وعلاقته السببية بالنتيجة.
غير أن التكييف القانوني ليس واحداً للجميع. فقد تكون مسؤولية بعضهم إدارية أو وظيفية، بينما قد تصل مسؤولية آخرين إلى التسبب بالوفاة أو القصد الاحتمالي إذا ثبت أنهم توقعوا إمكان وقوع كارثة وقبلوا بالمخاطرة أو تجاهلوا الخطر بصورة واعية.
ماذا سيقول القرار الظني؟
القرار الظني ليس حكماً بالإدانة، لكنه الوثيقة التي يحدد فيها المحقق العدلي الوقائع التي يعتبرها ثابتة، والأدلة التي يستند إليها، والتهم المنسوبة إلى كل مدعى عليه، والأشخاص الذين يرى وجوب محاكمتهم أمام المجلس العدلي.
ويُفترض أن يعالج القرار مستويات متعددة من المسؤولية: أصحاب السفينة والشحنة والوسطاء، الجهات التي أدخلت المواد وفرغتها وخزنتها، مسؤولي المرفأ والجمارك، الأجهزة الأمنية والعسكرية، القضاة الذين عالجوا الملف، والوزراء ورؤساء الحكومات الذين بلغتهم المعلومات أو التقارير.
كما يُنتظر منه أن يحدد ما إذا كانت القضية قائمة على سلسلة من الإهمال المؤسسي فقط، أم أن الأدلة تكشف تدخلاً جرمياً أو حماية مقصودة أو استفادة منظمة من المواد.
وتكمن أهمية القرار في أنه سينقل القضية من دائرة التسريبات والاتهامات السياسية إلى نص قضائي معلل يمكن مناقشته والطعن في استنتاجاته ضمن حدود القانون، لا عبر الحملات والتهديدات وتعطيل المؤسسات.
هل أصبح صدور القرار قريباً فعلاً؟
إجرائياً، أصبح القرار أقرب من أي وقت مضى. فقد ختم البيطار التحقيق وأحال الملف إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء المطالعة قبل صياغة قراره.
لكن التقديرات التي تحدثت عن صدوره خلال أشهر أو في تموز 2026 لم تتحقق حتى بداية آب. وهذا التأخير لا يعني بالضرورة عودة التعطيل، فقد يكون مرتبطاً بضخامة الملف وعدد المدعى عليهم وتعقيد المطالعة القانونية. إلا أنه يفسر نفاد صبر أهالي الضحايا، ويبرر مطالبة رئيس الجمهورية بعدم تأجيله أكثر.
لا يوجد موعد قانوني مضمون يمكن الجزم به، لكن الملف تجاوز المرحلة التي كان فيها التحقيق معلقاً بلا أفق. نحن اليوم أمام قرار يُكتب أو يُستكمل إعداده، لا أمام تحقيق متوقف.
ومع ذلك، لا يجوز تحويل عبارة «القرار قريب» إلى وعد جديد مفتوح. بعد ست سنوات، أصبح من حق أهالي الضحايا أن يعرفوا ما الذي يؤخر صدوره، وأن تُنجز الإجراءات بعيداً عن أي ضغط أو مساومة.
القرار ليس عدالة… ما لم تبدأ المحاكمة
بعد صدور القرار الظني، يُحال الملف إلى المجلس العدلي، حيث تبدأ المحاكمة. وهنا ينتقل العبء من المحقق العدلي إلى الدولة بكامل مؤسساتها.
القضية لا تضم حالياً موقوفين، بعد إطلاق سراح جميع الموقوفين بقرار النائب العام التمييزي السابق عام 2023. لذلك ستكون مسألة تنفيذ مذكرات التوقيف أو إحضار المتهمين من أبرز تحديات المرحلة المقبلة.
قد يرفض بعض المتهمين المثول، أو يعودون إلى التذرع بالحصانات النيابية والوزارية، أو الدفع بأن محاكمتهم تدخل في صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. وقد تحاول القوى السياسية تصوير القرار على أنه استهداف طائفي أو تصفية حسابات.
لكن الجرائم العادية لا تتحول تلقائياً إلى أعمال وزارية محصنة لمجرد أن مرتكبها كان وزيراً. والقضاء سيكون مطالباً بالتمييز بين المسؤولية السياسية عن إدارة الوزارة والمسؤولية الجزائية الشخصية عن أفعال أو امتناعات أدت إلى الجريمة.
إذا لم تنفذ الدولة مذكرات القضاء، فلن تكون المشكلة في القرار الظني، بل في انهيار سلطة القانون أمام أصحاب النفوذ.
لا عدالة بمحاكمة الموظفين الصغار
الخطر الأكبر هو الوصول إلى تسوية قضائية أو سياسية تحمل موظفين صغاراً وعمالاً في المرفأ المسؤولية، بينما تنتهي سلسلة المحاسبة عند أبواب المسؤولين السياسيين والأمنيين.
لا يمكن للحارس أو الموظف الإداري أن يكون وحده مسؤولاً عن بقاء مئات الأطنان من المواد الخطرة لسنوات. ولا يمكن تجاهل من كانوا يملكون السلطة القانونية والأمنية، ومن تلقوا تقارير صريحة، ومن امتنعوا عن اتخاذ قرار، ومن منعوا التنفيذ أو وفروا الحماية.
المسؤولية في الجرائم المؤسسية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى. تبدأ بمن تعامل مباشرة مع المواد، لكنها لا تنتهي قبل الوصول إلى صاحب القرار وصاحب المصلحة ومن امتلك القدرة على منع الكارثة.
وإذا انتهى القرار إلى اتهام الحلقة الأضعف وحدها، فسيكون قد وثق جزءاً من الإهمال، لكنه لن يكون قد كشف بنية الجريمة.
ما الإشارات التي تقود إلى السؤال عن حزب الله؟
منذ الساعات الأولى للانفجار، وُضعت فرضيات تتعلق بحزب الله في التداول السياسي والإعلامي. استند بعضها إلى النفوذ الأمني والسياسي الذي كان الحزب يمتلكه في لبنان، وإلى الاتهامات المتكررة بسيطرته غير المباشرة على مرافق حدودية وحساسة، وإلى قضايا سابقة في دول أوروبية ارتبطت فيها عناصر أو شبكات محسوبة عليه بحيازة نيترات الأمونيوم.
كما عزز الشكوك موقف الحزب العدائي من مسار التحقيق عندما اقترب القاضي البيطار من مسؤولين سياسيين وأمنيين. فقد قاد الحزب حملة للمطالبة بتنحية البيطار، واتهمه بالتسييس والاستنسابية، وتصاعدت المواجهة معه وصولاً إلى شلل التحقيق لسنوات.(5)
هذه الوقائع تبرر طرح الأسئلة والتحقيق في الفرضيات، لكنها لا تشكل بذاتها دليلاً قضائياً على ملكية الحزب للشحنة أو تخزينها أو التسبب بانفجارها.
حتى اليوم، لم يصدر قرار قضائي لبناني يثبت أن حزب الله استورد نيترات المرفأ، أو استخدمها، أو كان مسؤولاً عن الحريق أو الانفجار. والفارق كبير بين الاشتباه السياسي والدليل الجزائي.
لكن وجود هذا الفارق لا يعني منع السؤال. على العكس، لا قيمة لتحقيق يستثني فرضية بسبب قوة الجهة المعنية أو سلاحها. المطلوب ليس اتهام حزب الله مسبقاً، بل التأكد من أن التحقيق فحص كل الخيوط المتصلة بالشحنة والمرفأ، ولم يتوقف عند حدود مرسومة سياسياً.
إذا ثبتت علاقة حزب الله… ماذا سيكون وضعه؟
إذا أثبت القرار الظني والمحاكمة، بأدلة قضائية قابلة للمناقشة، أن أفراداً من حزب الله أو أجهزة تابعة له كانت لهم علاقة باستيراد الشحنة أو امتلاكها أو تخزينها أو استخدام جزء منها أو حمايتها، فإن القضية ستنتقل جذرياً من ملف إهمال إداري إلى ملف جرم منظم.
المسؤولية الجزائية تقع أولاً على الأشخاص الذين ارتكبوا الأفعال أو أمروا بها أو ساهموا فيها أو أخفوا أدلتها. ولا تعني إدانة أحد المنتمين إلى حزب ما إدانة الحزب كله تلقائياً. لكن إذا ثبت أن الأفعال نُفذت بقرار تنظيمي، أو لمصلحة الحزب، أو بواسطة بنيته الأمنية والعسكرية، فسيصبح البحث في مسؤولية القيادة والجهات الآمرة والحامية أمراً لا يمكن تجنبه.
وقد تشمل التهم، تبعاً لما تثبته الأدلة، الاشتراك الجرمي، والتدخل أو التحريض، وإخفاء مواد خطرة، والقتل القصدي أو القصد الاحتمالي، وعرقلة العدالة، وإخفاء الأدلة أو التأثير في الشهود. ولا يمكن تحديد الوصف النهائي قبل معرفة الوقائع التي سيعتمدها القضاء.
سياسياً، سيواجه الحزب أزمة شرعية غير مسبوقة. فالادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان سيتعرض لانهيار جوهري إذا ثبت أن جهازاً تابعاً له ساهم في تخزين مواد أدت إلى تدمير جزء من العاصمة أو حمى المسؤولين عنها.
أما داخلياً، فقد تتصاعد المطالبة بنزع سلاحه، ووضع مرافق الدولة كلها تحت سلطة الأجهزة الشرعية، ومحاسبة المسؤولين عنه من دون غطاء طائفي أو حكومي. وقد تنشأ أيضاً مطالبات بحظر أنشطة أو مؤسسات يثبت استخدامها في الجريمة، لكن أي إجراء بحق الحزب ككيان يحتاج إلى أساس قانوني وقرار صادر عن السلطات المختصة، ولا يقع تلقائياً بمجرد توجيه اتهام إلى بعض أفراده.
دولياً، قد يؤدي الإثبات القضائي إلى توسيع العقوبات على شخصيات ومؤسسات مرتبطة بالحزب، وإلى فتح مسارات قضائية في دول يحمل ضحايا الانفجار جنسياتها، ولا سيما إذا ظهرت صلات مالية أو تجارية أو عمليات نقل مرت عبر أراضيها.
وقد تواجه الدولة اللبنانية نفسها مسؤولية دولية أو مطالبات بالتعاون القضائي، خصوصاً إذا ثبت أن مؤسسات رسمية كانت تعلم بوجود نشاط غير مشروع وامتنعت عن منعه أو ساهمت في تغطيته.
أما إذا لم يثبت التحقيق أي علاقة للحزب بالشحنة أو الانفجار، فيجب احترام قرينة البراءة وعدم تحويل الاتهام السياسي إلى حقيقة بديلة عن القضاء. لكن ذلك لا يلغي مساءلة الحزب السياسية عن دوره في مهاجمة المحقق العدلي والمطالبة بتنحيته والمساهمة في خلق مناخ أدى إلى تعطيل التحقيق.
الحقيقة لا تُجزّأ والعدالة لا تقبل التسوية
قد يصدر قرار يحدد مسؤولية من أبقى النيترات في المرفأ، لكنه لا يحدد المستفيد النهائي منها. وقد يكشف مسار التخزين، لكنه لا يحسم سبب الحريق. وقد يسمي عشرات المسؤولين، ثم تعجز الدولة عن إحضارهم إلى المحكمة.
في كل واحدة من هذه الحالات، نكون قد حصلنا على جزء من الحقيقة، لا على العدالة الكاملة.
العدالة تتطلب الإجابة عن ثلاث مجموعات مترابطة من الأسئلة: من أدخل المواد ولمن كانت؟ من أبقاها وحماها ومنع التخلص منها؟ ومن تسبب بالحريق والانفجار أو سمح بوقوعهما مع علمه بالخطر؟
كما تتطلب متابعة الأموال والشركات والوسطاء والجهات المستفيدة داخل لبنان وخارجه، وعدم إغلاق الملف عند الحدود الإدارية للمرفأ.
لا يجوز اختزال القضية في الإهمال قبل فحص احتمال وجود فعل متعمد أو مصلحة جرمية. وفي المقابل، لا يجوز تبني فرضية سياسية بوصفها حقيقة قبل أن تثبتها الأدلة. مهمة القضاء أن يتحرك بين هذين الحدين: ألا يخشى التحقيق مع الأقوياء، وألا يدين أحداً بلا دليل.
ست سنوات… والامتحان يبدأ الآن
بعد ست سنوات، لم يعد السؤال ما إذا كان التحقيق سيتحرك. لقد تحرك واكتمل، بحسب المعطيات القضائية المعلنة. السؤال هو ماذا سيقول القرار الظني، ومتى سيصدر، ومن سيجرؤ على تنفيذه.
تصريح الرئيس جوزاف عون بأن القرار أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل، وإعلان وزير العدل عادل نصار أن الحكومة فككت العقد وأن أهالي الضحايا سيعرفون الحقيقة، يرفعان مسؤولية العهد والحكومة إلى أعلى مستوى.
من الآن فصاعداً، لن يكون مقبولاً تحميل القضاء وحده مسؤولية التأخير. السلطة التنفيذية مطالبة بحماية التحقيق وتنفيذ المذكرات، ومجلس النواب مطالب بعدم تحويل الحصانات إلى ملاجئ، والأجهزة الأمنية مطالبة بالطاعة للقانون لا للزعامات.
وإذا اقترب التحقيق من حزب أو جهاز أو زعيم، فالمعيار يجب أن يبقى واحداً: الدليل أولاً، ثم المحاكمة العادلة، ثم الحكم والتنفيذ.
فإما أن تكون الذكرى السادسة بداية تفكيك منظومة الإفلات من العقاب، وإما أن يتحول القرار الظني، مهما كان مهماً، إلى وثيقة أخرى تحتفظ بها دولة تعرف أسماء المسؤولين لكنها لا تملك شجاعة محاسبتهم.
أهالي الضحايا لا ينتظرون التعاطف. بيروت لا تحتاج إلى مزيد من أكاليل الزهور. لبنان يحتاج إلى دولة تقول من أدخل النيترات، ومن حماها، ومن عطل التحقيق، ثم تضع جميع من تثبت مسؤوليتهم أمام المحكمة، مهما كانت طوائفهم ومناصبهم وأحزابهم وأسـلحتهم.
المراجع والهوامش
(1) المعلومات القضائية المنشورة بشأن ختم المحقق العدلي طارق البيطار تحقيقاته في 30 آذار 2026، وإحالة الملف إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء المطالعة، والتقارير التي أشارت إلى أن التحقيق شمل نحو سبعين شخصاً. (Tahrir Institute)
(2) بيان رئيس الجمهورية جوزاف عون في الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، ودعوته إلى إصدار القرار الظني باعتباره ضرورة لم يعد ممكناً تأجيلها، وتأكيده أن العدالة آتية. (Facebook)
(3) تصريحات وزير العدل عادل نصار بشأن اهتمام الحكومة بملف المرفأ، وتمكنها من فك العقد أمام التحقيق، ووعده بأن أهالي الضحايا سيعرفون الحقيقة. (Instagram)
(4) تقارير توقيف مالك سفينة «روسوس» إيغور غريتشوشكين في بلغاريا عام 2025، ثم رفض القضاء البلغاري طلب تسليمه إلى لبنان. (Reuters)
(5) التقارير المتعلقة بالعراقيل السياسية والقضائية التي واجهت التحقيق، وحملة حزب الله للمطالبة بتنحية القاضي طارق البيطار، وعودة التحقيق بعد التغيرات السياسية وتعاون مؤسسات الدولة مع المحقق العدلي. (arabnews.com)



