السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

بين تصريح نعيم قاسم وذاكرة السوريين… هل يضحّي أحمد الشرع بدماء السوريين تحت ضغط تركي؟ وهل صرح نعيم بطلب إيراني؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

في أول موقف علني من نوعه منذ سقوط نظام بشار الأسد، أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أنه لا يمانع عقد لقاء علني مع القيادة السورية الجديدة “في الوقت الذي يكون مناسباً بتقدير الجانبين”. وأضاف أن سوريا المستقرة سند للبنان، كما أن لبنان المستقر سند لسوريا، معرباً عن أمله في أن تنعم سوريا بالاستقرار ووحدة الأراضي وخروج القوات الأجنبية.

لكن هذا التصريح يفتح باباً أكبر من مجرد الحديث عن لقاء سياسي. فهو يفرض سؤالاً أخلاقياً قبل أن يكون سؤالاً سياسياً: هل يكفي أن يعلن حزب الله استعداده للحوار، أم أن عليه أولاً أن يعتذر للشعب السوري عن سنوات من الدم والدمار؟

كنا ننتظر من نعيم قاسم أن يخرج إلى السوريين باعتذار واضح وصريح. أن يعترف بأن حزب الله لم يدخل سوريا لحماية مقام أو لمكافحة الإرهاب كما ادعى، بل أصبح جزءاً أساسياً من آلة الحرب التي ساهمت في إطالة عمر النظام السابق، وفي تدمير المدن والقرى، وفي تهجير ملايين السوريين، وفي حصار أحياء كاملة حتى الموت جوعاً، وفي معارك القصير والقلمون والزبداني ووادي بردى وحلب وريف دمشق وغيرها من المناطق التي ما زالت آثار الحرب فيها شاهدة على تلك المرحلة.

لقد فقد عشرات آلاف السوريين حياتهم، واعتقل وعذب مئات الآلاف، ونزح ولجأ الملايين، بينما كان مقاتلو حزب الله يقاتلون إلى جانب قوات النظام والميليشيات المدعومة من إيران. ولذلك فإن أي حديث عن فتح صفحة جديدة لا يمكن أن يتجاوز ذاكرة الضحايا ولا أن يقفز فوق العدالة والمحاسبة.

حزب يبحث عن مخرج

توقيت هذا التصريح ليس عابراً. فحزب الله يعيش واحدة من أصعب مراحله السياسية والعسكرية والمالية. فشبكات الإمداد التي كانت تمر عبر سوريا تعرضت لتغييرات جذرية، والحدود لم تعد كما كانت، والنفوذ الإيراني في المشرق يواجه ضغوطاً غير مسبوقة، فيما يزداد الحصار الإقليمي والدولي على الحزب.

في هذا السياق، يبدو الحزب باحثاً عن منفذ يعيد من خلاله وصل ما انقطع مع دمشق، وبالتالي إعادة فتح نافذة باتجاه إيران واستعادة جزء من العمق الاستراتيجي الذي فقده بعد سقوط النظام السابق.

لكن السؤال هو: هل يدرك حزب الله طبيعة سوريا الجديدة؟

فالقيادة السورية الحالية بنت جزءاً كبيراً من شرعيتها على رفض الحقبة السابقة، وعلى تحميل إيران والميليشيات التابعة لها، وفي مقدمتها حزب الله، مسؤولية جانب كبير من المأساة السورية. ولذلك فإن أي تقارب مع الحزب لن يكون مجرد خطوة دبلوماسية، بل سيكون اختباراً حقيقياً لمصداقية الخطاب الذي قامت عليه السلطة الجديدة.

هل طلبت إيران… فبادر نعيم؟

لا يمكن الجزم بأن تصريح نعيم قاسم جاء بطلب مباشر من إيران، إذ لا توجد معطيات معلنة تثبت ذلك. لكن من الصعب أيضاً فصل هذا الموقف عن طبيعة العلاقة العضوية التي تربط حزب الله بطهران، حيث لطالما شكّل الحزب أحد أهم أدوات السياسة الإقليمية الإيرانية. ومن هذا المنطلق، يبدو منطقياً طرح السؤال: هل جاء التصريح ضمن محاولة إيرانية لفتح نافذة جديدة نحو دمشق بعد خسارة النفوذ الذي وفره نظام الأسد؟ فإيران تدرك أن أي استعادة لخطوط التواصل والإمداد عبر سوريا تمر حكماً عبر تحسين العلاقة مع القيادة السورية الجديدة، وقد يكون حزب الله أول من يحاول كسر الجليد. إلا أن نجاح هذه المحاولة يبقى مرهوناً بقرار دمشق، التي تدرك أن أي انفتاح على الحزب ستكون له كلفة سياسية وأخلاقية أمام شعب دفع ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب.

هل تلعب تركيا دور الوسيط؟

لا يمكن تجاهل احتمال وجود متغير إقليمي جديد. فقد ترددت في الأشهر الأخيرة معلومات عن وجود قنوات تواصل غير مباشرة بين تركيا وحزب الله في إطار ملفات أمنية وإقليمية معقدة. كما أن أنقرة تعيد رسم أولوياتها الاستراتيجية في المنطقة في ظل التنافس المتصاعد مع إسرائيل، التي باتت تراها، بعد إضعاف النفوذ الإيراني، المنافس الإقليمي الأكثر تأثيراً.

وفي مثل هذا المشهد، قد ترى بعض الدوائر التركية أن إبقاء قنوات التواصل مع مختلف القوى، بما فيها حزب الله، يخدم مصالحها الإقليمية ويمنحها أوراقاً إضافية في أي ترتيبات مستقبلية.

غير أن الانتقال من وجود قنوات تواصل أو وساطات محتملة إلى القول بوجود مشروع لتحالف جديد أو إعادة تأهيل كاملة للحزب يبقى أمراً لا تدعمه معطيات معلنة حتى الآن، ويظل في إطار التحليل السياسي وليس الوقائع المثبتة.

اختبار أحمد الشرع

يبقى السؤال الأكثر حساسية موجهاً إلى الرئيس السوري أحمد الشرع.

هل يمكن للقيادة السورية الجديدة أن تفتح صفحة مع حزب الله من دون أن تطالب باعتذار، أو اعتراف بالمسؤولية، أو مسار للعدالة الانتقالية يحفظ كرامة الضحايا؟

وهل تستطيع أن تضع يدها في يد تنظيم قاتل إلى جانب النظام السابق في واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ المنطقة، من دون أن تخسر جزءاً من الرصيد الأخلاقي والسياسي الذي اكتسبته بعد سقوط الأسد؟

إن السوريين الذين دفعوا أثماناً باهظة لا ينتظرون صور المصافحات بقدر ما ينتظرون الحقيقة والعدالة. فالسياسة قد تفرض الحوار بين الخصوم، لكن المصالحة الحقيقية لا تبدأ باللقاءات، بل بالاعتراف، والاعتذار، وتحمل المسؤولية.

ويبقى السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة: هل ستنتصر ضرورات السياسة الإقليمية، وربما الضغوط التركية إن وجدت، على ذاكرة السوريين، أم ستبقى دماء الضحايا هي السقف الذي لا يمكن تجاوزه مهما تبدلت التحالفات؟

في الخلاصة، تبدو إيران، الباحثة عن مخرج بعد الحرب التي استهدفت نفوذها وأضعفت أذرعها الإقليمية، معنية بإعادة فتح أي نافذة ممكنة نحو سوريا. وقد يكون تصريح نعيم قاسم محاولة أولى لاختبار استعداد دمشق، لا مبادرة لبنانية مستقلة تماماً عن الحسابات الإيرانية.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...

سلسلة تعيينات باسم خامنئي: هل بدأت عملية إعادة بناء السلطة من داخل السلطة ام نفذ انقلاب ابيض؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات...