السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

عقدة تاريخية أم هاجس بروتوكولي ام فائض قوة ام أسباب سياسية، أبعدت نبيه بري عن احتفال تطويب البطريرك الحويّك؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم

أعاد غياب رئيس مجلس النواب نبيه بري عن احتفال تطويب البطريرك الماروني الراحل إلياس الحويّك طرح سؤال قديم في الحياة السياسية اللبنانية: إلى أي حد يمكن للبروتوكول أن يتحول من قواعد لتنظيم العلاقات بين المؤسسات إلى عامل يؤثر في القرار السياسي نفسه؟

في الدول المستقرة، يبقى البروتوكول في حدود اللياقة واحترام المواقع الدستورية. أما في لبنان، فقد تحول، في كثير من الأحيان، إلى جزء من الثقافة السياسية، بل إلى هاجس لدى بعض المسؤولين، بحيث أصبحت تفاصيل شكلية قادرة على ترجيح قرار بالحضور أو الغياب، أو الزيارة أو الامتناع عنها.

وتزخر الحياة السياسية اللبنانية بأمثلة معبّرة.
يروى عن الرئيس الراحل صائب سلام أنه كان يتحرج من الالتزام بالتقليد الذي يقضي بأن يفك رئيس الحكومة زر سترته عند جلوسه أمام رئيس الجمهورية وعليه ان يقفله عندما يقف أمامه، ويزاد الحرج إذا كان الرئيس زميلاً له أو أصغر منه سناً، ذلك كان يحصل في عهد الرئيس سليمان فرنجية. لكن عندما سُئل، إثر انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية عام 1982، كيف سيتصرف إذا كُلّف تشكيل الحكومة، مع رئيس من عمر ابنه، كان جوابه، وفق الرواية المتداولة: إذا اقتضت مصلحة البلاد ذلك، فمصلحة البلاد تعلو على البروتوكول.
في تلك العبارة اختصر سلام الفارق بين رجل يستخدم البروتوكول لخدمة الدولة، ورجل يجعل الدولة أسيرة للبروتوكول.

والأمثلة لا تتوقف عند هذا الحد.
سئل السيد حسن نصر الله يوماً عن سبب عدم اجتماعه بالبطريرك مار نصر الله بطرس صفير، فأجاب بأن البطريرك تحيط به ترتيبات بروتوكولية معقدة، بينما تحيط به هو ترتيبات أمنية معقدة، فحال ذلك دون اللقاء. سواء كانت هذه الرواية مقنعة أم لا، فإن النتيجة بقيت واحدة: انتصر البروتوكول على اللقاء.

أما الرئيس نبيه بري، فقد عُرف، طوال سنوات توليه رئاسة المجلس النيابي، باهتمامه البالغ بالموقع البروتوكولي لرئاسة المجلس، والبعض فسرها عقدة تاريخية. وندر أن زار الصرح البطريركي في بكركي، كما ندر ظهوره في مناسبات رأى أن ترتيباتها لا تنسجم مع مكانة الموقع الذي يشغله.

غير أن المفارقة تكمن في أن هذا التشدد البروتوكولي لم يمنعه، في مرحلة الوصاية السورية، من الانتظار مرات عدة في صالون اللواء غازي كنعان في عنجر قبل الدخول إلى لقائه، الأمر الذي يطرح سؤالاً مشروعاً: هل كان البروتوكول مبدأً ثابتاً، أم أنه كان يخضع هو أيضاً لموازين القوى؟

ومن المفارقات اللافتة أيضاً أن قادة الجيش الذين أصبحوا لاحقاً رؤساء للجمهورية، مثل إميل لحود وميشال سليمان وجوزف عون، كانوا، أثناء توليهم قيادة الجيش، يؤدون التحية الرسمية لرئيس مجلس النواب وفقاً للنظام العسكري والبروتوكول الرسمي. لكنهم، بعد انتقالهم إلى رئاسة الجمهورية، أصبحوا في الموقع الدستوري الأول في الدولة، فتبدلت قواعد العلاقة البروتوكولية بينهم وبين رئيس المجلس، ووفق ما يروى ان تلك القواعد اثرت على العلاقة مع هؤلاء الرؤساء سلباً وإيجاباً تبعاً لأمزجة حاكم برلمان ساحة النجمة.

ثم وبحسب الروايات المتداولة انه عندما اشتد الضغط السوري على رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري مستخدمين قائد الجيش آنذاك إيميل لحود، فلم يبق امام الرئيس الحريري سوى البروتوكول لمواجهة لحود، فاستدعاه إلى مكتبه في السراي الكبير وفقاً للقانون، فأدى قائد الجيش التحية لرئيس الحكومة حسب الأصول، بدوره لحود أعادها له مرات ومرات عندما اصبح رئيساً للجمهورية.

أما ميشال عون، فقد شكل حالة مختلفة، إذ لم يؤدِ التحية العسكرية لنبيه بري، لأن بري لم يكن قد أصبح رئيساً للمجلس عندما كان عون قائداً للجيش، وحين تولى بري رئاسة المجلس كان عون قد غادر المؤسسة العسكرية وأصبح شخصية سياسية مدنية، لكن بري ضمرها له، فعندما زاره عون طالباً دعمه للرئاسة كان ذلك في شهر رمضان، فاستقبله رئيس المجلس بالزي الرمضاني مرتدياً دشداشة ومشاية ومسبحة، مع ابتسامة ترمز لأمور كثيرة.
في المقابل، يقدم البطريرك مار نصر الله بطرس صفير نموذجاً مختلفاً. فعلى الرغم من تمسكه الشديد بالبروتوكول الكنسي، فإنه كسره بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، عندما توجه إلى قريطم لتقديم واجب العزاء. يومها أدرك أن اللحظة الوطنية أكبر من كل الأعراف، وأن التضامن مع اللبنانيين أهم من أي اعتبار شكلي.

وهنا يعود السؤال من جديد.
هل كان غياب الرئيس نبيه بري عن احتفال تطويب البطريرك الحويّك نتيجة قناعة بروتوكولية راسخة؟ أم أن البروتوكول لم يكن سوى عنوان يخفي أسباباً أخرى، ام ان التطورات التي استجدت على الوضع اللبناني غير كافية لسلوك آخر عند بري وعند غيره من الطبقة السياسية التي عاثت فساداً بالبلاد والعباد.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

تلازم السيادة والحل السياسي: تفكيك فخ الترتيبات الأمنية في التفاوض اللبناني!

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود تقف الدولة اللبنانية عند مفترق طرق تاريخي في إدارتها لملف...