أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
اتهم الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم السلطة السياسية بأنها “كانت عوناً لإسرائيل بدل أن تكون عوناً لسيادة لبنان”، داعياً في الوقت نفسه إلى الحوار والوحدة الوطنية، ومؤكداً تمسك حزبه بخياراته. كما أعلن استعداده للقاء علني مع القيادة السورية الجديدة عندما يرى الطرفان أن الظروف مناسبة.
الرد جاء سريعاً من رئيس الحكومة نواف سلام، الذي اعتبر أن من يتهم الدولة بخدمة إسرائيل “يتحدث وكأن اللبنانيين بلا ذاكرة”، مؤكداً أن أكبر خدمة قدمت لإسرائيل كانت من خلال إدخال لبنان في “حروب إسناد عبثية”، والانفراد بقرار الحرب والسلم، وربط لبنان بمحاور خارجية، ومشدداً على أن السيادة لا تكون إلا بقرار واحد، ودولة واحدة، وجيش واحد.
لكن، بين كلام نعيم قاسم ورد نواف سلام، يبقى السؤال: هل يكفي تبادل البيانات السياسية بعد كل ما عاشه لبنان؟
الجواب: لا.
فلم يعد يكفي الرد على خطاب حزب الله بخطاب مقابل، بل يجب مواجهة اللبنانيين بحقائق المرحلة التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه.
لقد احتفظ حزب الله بسلاحه خارج إطار الدولة لعقود، وحوّل نفسه إلى صاحب القرار الفعلي في ملفات الحرب والسلم، وأقام معادلة جعلت مؤسسات الدولة عاجزة عن ممارسة كامل صلاحياتها.
وفي عام 2008 استخدم الحزب سلاحه في الداخل اللبناني خلال أحداث السابع من أيار، في واحدة من أخطر المحطات التي كرست استخدام القوة العسكرية في الصراع السياسي الداخلي.
ثم اتخذ منفرداً قرار التدخل العسكري في سوريا، مخالفاً سياسة النأي بالنفس التي أعلنتها الدولة اللبنانية، وشارك إلى جانب نظام بشار الأسد في معارك تركت آثاراً كارثية على الشعب السوري، وأسهمت في تعميق الانقسام العربي والدولي حول لبنان، وربطت البلاد أكثر بالمشروع الإقليمي الإيراني.
كما جرّ الحزب لبنان إلى مواجهات عسكرية متكررة مع إسرائيل من خارج قرار الدولة، وكان آخرها حرب “الإسناد”، التي انتهت بدمار واسع في الجنوب، وتهجير مئات الآلاف من اللبنانيين، وخسائر اقتصادية هائلة، فيما بقيت أجزاء من الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وعلى الصعيد الداخلي، يرى خصوم الحزب وعدد كبير من المحللين أن تغطيته لتحالفاته السياسية، ورفضه المساس بمنظومة الحكم التي حكمت البلاد لسنوات، أسهما في حماية طبقة سياسية متهمة بالفساد، وفي تعطيل أي إصلاحات بنيوية، وهو ما اعتبر أحد العوامل التي عمّقت الانهيار المالي والاقتصادي الذي أصاب لبنان.
كذلك، واجه الحزب على مدى سنوات اتهامات من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والعربية بالارتباط بشبكات تهريب مخدرات وغسل أموال عابرة للحدود، وهي اتهامات ينفيها الحزب باستمرار، لكنها كانت سبباً في فرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة به، وأثرت على صورة لبنان وعلاقاته المالية والاقتصادية.
أما على المستوى السياسي، فما زالت أصابع الاتهام تتجه إلى الحزب في عدد من الاغتيالات السياسية التي شهدها لبنان منذ عام 2005، بينما ينفي الحزب مسؤوليته عنها، رغم صدور قرار من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان باتهام عناصر قيادية في الحزب بالجريمة، في وقت لا تزال فيه بعض هذه الملفات موضع ملاحقات وتحقيقات وأحكام قضائية دولية.
لهذا كله، لم يعد يكفي أن يرد رئيس الحكومة على خطاب نعيم قاسم بخطاب سياسي، بل المطلوب إعادة بناء الدولة على قاعدة واضحة: لا سلاح خارج الشرعية، ولا قرار بالحرب أو السلم خارج المؤسسات الدستورية، ولا حماية لأي منظومة تعلو على القانون.
إن لبنان يحتاج اليوم إلى أكبر مظلة عربية ودولية لدعم الجيش اللبناني وتمكينه من بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وإلى استكمال مسار العدالة في كل الملفات العالقة، وإلى دولة لا يخضع قرارها لأي سلاح أو محور خارجي.
فالسيادة ليست شعاراً يُرفع في الخطب، بل ممارسة تبدأ عندما يصبح قرار الدولة فوق الجميع، ويصبح كل من يمارس السلطة أو يحمل السلاح خاضعاً للدستور والقانون وحدهما.



