أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
بعد نشر مقالي في الثالث من آب بعنوان “حين أُبيحت سنجار باسم الدين وعادت أسواق العبيد في زمن القانون الدولي”، وصلتني مجموعة من الملاحظات التي أقدّرها وأحترمها، تناولت بصورة خاصة استخدام عبارة “الإيزيديون الكرد” في الصورة المرافقة للمقال، كما وصلتني رسالة قيّمة من الصديق الدكتور كاوا عزيز توقف فيها عند الفقرة التي ورد فيها:
“يتحدث معظم الإيزيديين اللغة الكردية بلهجتها الكرمانجية، ويمتلكون منظومة دينية وتراثاً شفهياً وطقوساً ومناسبات خاصة بهم. ويُعد معبد لالش، الواقع شمال العراق، المركز الروحي الأهم في ديانتهم.”
وقد رأى بعض الأصدقاء أن هذه الصياغة قد توحي بوجود إيزيديين غير أكراد، فيما اعتبر آخرون أن وصف “الإيزيديين الكرد” في الصورة يحتاج إلى مزيد من الدقة. ولأنني أتعامل مع الكتابة باعتبارها مسؤولية علمية قبل أن تكون رأياً سياسياً، رأيت أن أوضح موقفي ومنهجي، ليس دفاعاً عن مقال، بل احتراماً للقارئ وللحقيقة الأكاديمية.
أول ما يجب التأكيد عليه أن المقال لم يكن أصلاً بحثاً في الهوية القومية للإيزيديين، ولم يكن محاولة للدخول في السجال القائم منذ سنوات حول تعريفهم القومي. الهدف الأساسي كان مختلفاً تماماً؛ فقد أردت أن أعيد تسليط الضوء على واحدة من أبشع جرائم القرن الحادي والعشرين، جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش بحق الإيزيديين في سنجار، وأن أذكّر بأن آلاف النساء والفتيات اختُطفن واستُعبدن، وأن عدداً منهن ما زال مصيره مجهولاً حتى اليوم. كما أردت أن أتناول، من زاوية فقهية وقانونية، كيفية استغلال تنظيم داعش لبعض التفسيرات المتعلقة بالرق والسبايا ومعاملة الجماعات غير الكتابية لتبرير جريمة لا يبررها دين ولا قانون ولا إنسانية.
بمعنى آخر، كان محور المقال هو الإبادة، لا الهوية.
لكن الملاحظات التي وصلتني دفعتني إلى توضيح نقطة منهجية أعتبرها أساسية في كل ما أكتب.
أنا باحث أكاديمي قبل أن أكون كاتباً سياسياً. والباحث لا يكتب دائماً ما يؤمن به، بل يكتب ما تقوله المصادر، ويعرض المدارس الفكرية المختلفة، ويصف الواقع كما هو، ثم يميز بين الوصف والتحليل وبين الرأي الشخصي.
هناك فرق كبير بين أن أصف ظاهرة أو أنقل ما يرد في الأدبيات الأكاديمية، وبين أن أعلن تبني ذلك الموقف. وعندما أتبنى رأياً سياسياً أو فكرياً، أعلنه صراحة باسمي، ولا أختبئ خلف الصياغات الأكاديمية.
ولهذا جاءت العبارة التي أشرت فيها إلى أن “معظم الإيزيديين يتحدثون اللغة الكردية بلهجتها الكرمانجية”، وهي عبارة تصف واقعاً لغوياً واجتماعياً موثقاً، ولم تكن حكماً نهائياً في مسألة الهوية القومية.
والحقيقة أن الهوية القومية للإيزيديين ما زالت موضع نقاش داخل المجتمع الإيزيدي نفسه، كما هي موضع نقاش بين الباحثين. فهناك غالبية واسعة من الإيزيديين تعرف نفسها بأنها كردية، وهناك أصوات أخرى ترى أن الإيزيدية تمثل هوية قومية مستقلة، كما توجد تعريفات أخرى ارتبطت بالسياقات السياسية والاجتماعية المختلفة التي عاشتها هذه الجماعة عبر التاريخ.
ومن هنا، فإن الباحث الجاد لا يستطيع أن يتجاهل وجود هذا النقاش، ولا أن يقدم إحدى المقاربات باعتبارها الحقيقة الوحيدة المطلقة.
أما موقفي الشخصي، فلم يكن يوماً سراً، ولا أجد سبباً لإخفائه.
أنا أعتبر الإيزيديين من أقدم مكونات الشعب الكردي، بل أذهب أبعد من ذلك، فأرى أنهم يمثلون أحد أهم الجذور التاريخية والحضارية للكرد، وأن الحفاظ على ديانتهم وتراثهم الشفهي وطقوسهم عبر قرون طويلة جعلهم يحملون جزءاً مهماً من الذاكرة التاريخية الكردية. وهذا رأي سياسي وفكري أتحمل مسؤوليته الكاملة، لكنه لم يكن موضوع المقال، ولم يكن الهدف من نشره.
كان هدفي، وما زال، أن يبقى الثالث من آب يوماً لتذكر الضحايا، لا مناسبة للدخول في سجالات جانبية.
فالنساء اللواتي بيعن في أسواق النخاسة لا يسألن اليوم عن الجدل الدائر حول الهوية، والأطفال الذين اختطفوا ودربوا قسراً على القتال لا تعنيهم هذه التصنيفات، والعائلات التي ما زالت تبحث عن بناتها وأبنائها تنتظر العدالة قبل أي شيء آخر.
لهذا كتبت المقال، ولهذا أكتب هذا التوضيح.
فقد نختلف في قراءة التاريخ، وقد نختلف في تعريف الهوية، لكن يجب ألا نختلف على إدانة الإبادة الجماعية، ولا على حق الضحايا في العدالة، ولا على واجب إبقاء هذه الجريمة حية في الذاكرة الإنسانية حتى لا تتكرر مرة أخرى.



