السبت, أغسطس 15, 2026
27.4 C
Beirut

بين الهوية والشعار والواقع السياسي: لماذا لا ينتقص وصف «الكرد الإيرانيين» من كردستانية الأكراد؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

استمعت عبر منصة «تيك توك» إلى شابة كردية وجّهت خطابًا إلى خالد عزيزي، عضو قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، اعترضت فيه على استخدامه، خلال حديثه إلى قناة «إيران إنترناشيونال»، عبارتي «الكرد الإيرانيون» و«كردستان إيران».

قالت له، في ما معناه: إذا كنت تعتبر نفسك كرديًا إيرانيًا، فهذا شأنك الشخصي، لكن ليس من حقك أن تتحدث بهذه الصفة باسم شعب كردستان. وأكدت أنها لا تعتبر نفسها كردية إيرانية، بل كردية من كردستان، وأن كثيرًا من البيشمركة وأعضاء الأحزاب الكردية يرفضون وصف «الكرد الإيرانيين».

واقترحت أن يُستخدم تعبير «المعارضة الكردية الإيرانية» بدلًا من «الكرد الإيرانيين»، معتبرة أن الأحزاب الكردية تعارض الدولة الإيرانية وتسعى إلى أن تكون بديلًا منها، وأن ربط الأكراد بإيران يمنح، من وجهة نظرها، شرعية لما وصفته باحتلال كردستان. كما دعت إلى استعمال تسمية «روجھلات»، أي شرق كردستان، بدلًا من «كردستان إيران»، وتساءلت عن منطق حمل الأحزاب الكردستانية اسم الدولة التي تناضل ضد سلطتها، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب كومله الكردستاني الإيراني.

هذا الخطاب يعكس شعورًا قوميًّا كرديًّا مفهومًا، نابعًا من تاريخ طويل من الإنكار والاضطهاد والتمييز. لكنه، على الرغم من حرارة لغته، يخلط بين الهوية القومية والانتماء القانوني والجغرافي، وبين الحلم التاريخي والبرنامج السياسي، وبين مقاومة النظام الإيراني وإنكار وجود إيران بوصفها جغرافيا سياسية تضم شعوبًا وقوميات متعددة.

لست مدافعًا عن خالد عزيزي كشخص

عادة لا أدافع عن الأشخاص، بل عن الأفكار والمواقف السياسية. ولا أنفي معرفتي بالأستاذ خالد عزيزي، لكنني لست من المقربين منه، وأختلف معه في بعض طروحاته وأساليبه السياسية. ومع ذلك، أحترمه وأحرص على استمرار التواصل والعلاقة معه، لا من باب المجاملة الشخصية، بل خدمة للهدف الأسمى الذي يفترض أن يجمع القوى الديمقراطية والكردية: إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية وإقامة بديل ديمقراطي في إيران يفتح الطريق أمام حل عادل ودستوري للقضية الكردية.

ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراض على تعبير «الكرد الإيرانيين» لا يمكن حسمه بالصوت المرتفع أو بالمزايدة القومية، بل يحتاج إلى مناقشة تاريخية وسياسية هادئة: ماذا يريد أكراد إيران؟ وما البرنامج الواقعي الذي تناضل من أجله أحزابهم؟ وهل وصفهم بالإيرانيين يعني تخليهم عن كردستانيتهم، أم إنه يحدد الإطار السياسي الذي يخوضون نضالهم داخله؟

مهاباد: حين سبق أكراد إيران الجميع

لا يستطيع أحد أن يزايد على أكراد إيران في الانتماء إلى كردستان أو في التضحية من أجلها. ففي مهاباد أُعلنت، في 22 كانون الثاني 1946، الجمهورية الكردية بقيادة القاضي محمد، وكانت واحدة من أهم التجارب السياسية الكردية في التاريخ الحديث. وبعد سقوط الجمهورية، أعدم النظام الإيراني القاضي محمد شنقًا في 30 آذار 1947، فتحول إلى رمز قومي يتجاوز حدود الجزء الإيراني من كردستان.[1]

كما شارك الملا مصطفى البارزاني، الآتي من كردستان العراق، في الدفاع عن الجمهورية، وتولى قيادة قواتها الكردية. وقد حمل وجوده إلى جانب القاضي محمد دلالة تاريخية عميقة، إذ جسّد وحدة القضية الكردية العابرة للحدود التي رسمتها الدول، وربط بين نضال أكراد العراق ونضال أكراد إيران.[2]

كانت جمهورية مهاباد تعبيرًا واضحًا عن إرادة كردية في إدارة الذات وتقرير المصير. ولذلك، فإن من يتهم أكراد إيران أو قياداتهم التاريخية بالتخلي عن كردستان لمجرد استخدام كلمة «إيران» يتجاهل أن هؤلاء هم أنفسهم الذين قدموا واحدة من أكثر التجارب الكردية جرأة في القرن العشرين.

لكن سقوط مهاباد كشف أيضًا حدود الحلم حين لا تحميه موازين القوى. فقد تراجعت القوات السوفياتية، وفقدت الجمهورية الغطاء الذي وفر لها هامش الحركة، ثم دخلت القوات الإيرانية مهاباد وأنهت التجربة. ومنذ ذلك الوقت، بدأ الفكر السياسي الكردي يبحث، إلى جانب الحق التاريخي، عن صيغة قابلة للحياة والاستمرار.

من كردستان الكبرى إلى البرنامج الممكن

لا يعني الإيمان بكردستان الكبرى أن تحويلها فورًا إلى دولة موحدة أصبح برنامجًا سياسيًا قابلًا للتطبيق. فهناك فرق بين وحدة الشعب والهوية والتاريخ، وبين القدرة العملية على تغيير حدود أربع دول هي إيران والعراق وتركيا وسوريا.

لقد جعل تقسيم كردستان كل جزء منها يعيش داخل بنية سياسية وقانونية واقتصادية مختلفة. ولذلك تطورت الحركات الكردية وفق ظروف كل دولة، ولم يعد ممكنًا التعامل مع الأجزاء الأربعة كما لو كانت ساحة سياسية واحدة، أو كما لو أن قرار توحيدها يقع بيد الأحزاب الكردية وحدها.

بعد سقوط مهاباد، أصبح أكراد إيران أكثر واقعية في التعامل مع الجغرافيا السياسية التي يعيشون ضمنها. وفهموا أن عددهم وموقعهم وموازين القوى الإقليمية والدولية لا تسمح لهم منفردين بإسقاط الدولة المركزية وإعادة تقسيم المنطقة، وأن عليهم البحث عن تحالفات وطنية مع الفرس والبلوش والعرب والأذريين وسائر المكونات الراغبة في بناء نظام ديمقراطي.

وهذه الواقعية لم تعنِ التخلي عن القومية الكردية، بل تعني تحويلها من عاطفة عامة إلى برنامج سياسي. فالشعب الذي لا يحدد ما يمكن تحقيقه، وكيف يحققه، ومع من يتحالف، قد يحافظ على نقاء شعاراته، لكنه يخسر أرضه وناسه وفرصه التاريخية.

قاسملو: العبقرية في الجمع بين كردستان وإيران

كان الدكتور عبد الرحمن قاسملو من أبرز من فهموا هذه المعادلة. لم يكن قاسملو أقل كردستانية ممن يرفضون اليوم إضافة كلمة «إيران» إلى اسم كردستان، ولم يكن بحاجة إلى شهادة قومية من أحد. لقد قاد الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، ودافع عن حقوق الشعب الكردي، ودفع حياته ثمنًا لموقفه، عندما اغتيل في فيينا في 13 تموز 1989 خلال مفاوضات مع ممثلين عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية.[3]

لكن أهمية قاسملو لم تكن في شجاعته وحدها، بل في قدرته على صياغة مشروع يجمع بين التحرر الكردي والتغيير الديمقراطي الإيراني. وقد اختصر رؤيته في الشعار المعروف:

«الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان».

لم يضع قاسملو الديمقراطية لإيران في مواجهة كردستان، ولم يعتبر الانتماء السياسي إلى إيران نفيًا لكردستانيته. بل فهم أن القضية الكردية لن تُحل في ظل نظام استبدادي مركزي، وأن بناء الديمقراطية في إيران شرط أساسي للاعتراف بالشعب الكردي وحقوقه.[4]

وفي الوقت نفسه، لم يُذب كردستان في مشروع ديمقراطي إيراني فضفاض، بل حدد لها حقًا سياسيًا واضحًا هو الحكم الذاتي. أي إنه جمع بين البعدين: تغيير طبيعة الدولة الإيرانية وتغيير علاقة كردستان بهذه الدولة.

وعندما استخدم قاسملو تعبير «كردستان إيران» أو أضاف الحزب في عهده الصفة الإيرانية إلى اسمه، لم يكن يمنح شرعية لاضطهاد كردستان، بل كان يحدد الجغرافيا السياسية التي ينطبق عليها برنامجه. وكان يميز مرحليًا بين كردستان الموجودة داخل حدود إيران وبين سائر أجزاء كردستان، من دون أن ينكر وحدة الشعب الكردي أو حقه التاريخي في تقرير مصيره.[5]

هذه ليست خيانة للحلم الكردستاني، بل عبقرية في تحويله إلى سياسة. فالقائد الحقيقي لا يكتفي بوصف الوطن الذي يحلم به، وإنما يحدد الطريق الذي يستطيع شعبه أن يسلكه للوصول إلى حقوقه.

عبدالله مهتدي: الشراكة الإيرانية ليست تنازلًا

يمثل عبدالله مهتدي نموذجًا واضحًا لاستمرار هذا التفكير الواقعي. فهو يطرح نفسه قائدًا كردستانيًا إيرانيًا، ويدافع في الوقت نفسه عن حقوق أكراد إيران وعن ضرورة العمل المشترك مع بقية المكونات والقوى المعارضة لإقامة نظام ديمقراطي علماني تعددي ولا مركزي.

وقد عبّر مهتدي في مواقفه ومقابلاته المعلنة عن السعي إلى إيران حرة وديمقراطية وعلمانية، تعترف بحقوق القوميات والمكونات المختلفة. كما أكد أن أكراد إيران يريدون حقوقًا سياسية وقومية وثقافية ولغوية متساوية داخل إيران ديمقراطية تعددية وغير تمييزية، وأن التعاون مع سائر القوى الإيرانية ضرورة لتحقيق الانتقال السياسي.[6]

يمكن الاختلاف مع مهتدي في بعض مواقفه وتحالفاته وتقديراته، لكن لا يمكن اتهامه بأنه يجهل معنى كردستان أو يتنازل عنها لمجرد أنه يبحث عن شراكة مع القوى الإيرانية الأخرى.

هو يدرك أن أكراد إيران، مهما بلغت قوة أحزابهم وتنظيماتهم، لن يتمكنوا وحدهم من إسقاط النظام وبناء الدولة البديلة. كما يدرك أن البديل إذا تشكل من دون مشاركة كردية فاعلة، فقد يعيد إنتاج المركزية القومية ذاتها بوجه جديد.

لذلك، فإن وجود الكرد داخل مشروع المعارضة الإيرانية ليس ذوبانًا، بل معركة سياسية من أجل فرض الاعتراف بهم شركاء مؤسسين في الدولة المقبلة، لا أقلية تنتظر من الأكثرية أن تمنحها بعض الحقوق.

خالد عزيزي: الدخول إلى المعادلة بدل الوقوف خارجها

ينطلق خالد عزيزي، مع اختلاف نمط تفكيره وأسلوبه عن عبدالله مهتدي، من قاعدة مشابهة: لا يمكن حل القضية الكردية بمعزل عن مستقبل إيران كلها.

إن استعماله تعبير «الكرد الإيرانيين» لا يعني بالضرورة أنه يقدم الهوية الإيرانية على الهوية الكردية، بل قد يعني أنه يتحدث عن الأكراد الموجودين داخل حدود الدولة الإيرانية، ويميزهم سياسيًا وجغرافيًا عن أكراد العراق وتركيا وسوريا.

كما أن حديثه إلى وسائل الإعلام بصفته ممثلًا لحزب كردستاني إيراني لا يجعله ممثلًا لكل فرد كردي، ولا أظنه يدّعي ذلك. فهو يمثل حزبه وخطه السياسي وقسمًا من المجتمع الكردي، شأنه شأن قادة بقية الأحزاب. ويمكن لأي كردي أن يرفض موقفه أو ينتقد لغته، لكن لا يمكن نزع الشرعية عنه لمجرد استخدام مصطلح تتضمنه تسمية حزبه وبرنامجه السياسي.

شغل خالد عزيزي موقع الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لسنوات، وظهر في مواقفه ومقابلاته بوصفه مسؤولًا ومدافعًا عن تغيير النظام الإيراني وعن ضرورة حضور الأكراد في رسم البديل السياسي.[7]

المشكلة ليست في أن يدخل خالد عزيزي أو غيره إلى المعادلة الإيرانية، بل في الشروط التي يدخلون بها: هل يدخلون تابعين لقوى مركزية ترفض الحقوق الكردية، أم شركاء يفرضون الاعتراف الدستوري بالقومية الكردية والفيدرالية أو الحكم الذاتي واللغة والتمثيل السياسي؟

هذا هو السؤال الحقيقي، لا مجرد السؤال عما إذا كان قد قال «الكرد الإيرانيين» أو «كردستان إيران».

قاسملو ومهتدي وعزيزي: ثلاثة أساليب وواقعية واحدة

لا يجوز وضع قاسملو ومهتدي وعزيزي في مرتبة تاريخية واحدة؛ فقاسملو قائد تاريخي دفع حياته ثمنًا لمشروعه، وترك تراثًا فكريًا وسياسيًا يتجاوز حزبه ومرحلة قيادته. أما مهتدي وعزيزي فهما شخصيتان سياسيتان معاصرتان يمكن تقييم تجربتيهما ونقد مواقفهما وتحالفاتهما ونتائج عملهما.

لكن ما يجمع الشخصيات الثلاث هو إدراك أن القضية الكردية في إيران لا تعيش في فراغ، وأن تحقيق الحقوق الكردية مرتبط بطبيعة النظام الذي سيحكم إيران، وبقدرة الأكراد على بناء شراكة متكافئة مع الشعوب والقوى الأخرى.

قاسملو عبّر عن ذلك من خلال الربط بين الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان. ومهتدي يعبّر عنه بالدعوة إلى إيران ديمقراطية علمانية تعددية ولا مركزية، تعترف بحقوق القوميات والمكونات. أما عزيزي فيعمل على تثبيت الحزب الديمقراطي طرفًا في المعارضة الإيرانية وفي النقاش حول مستقبل الدولة.

قد تختلف اللغة والمرحلة والظروف، لكن القاعدة واحدة: لا يمكن حل القضية الكردية من دون تغيير النظام الإيراني، ولا يجوز تغيير النظام الإيراني من دون ضمان دستوري واضح لحقوق الشعب الكردي.

خطر الشعبوية القومية

من حق كل كردي أن يعتبر نفسه كردستانيًا فقط، ومن حقه أن يرفض الهوية الإيرانية نفسيًا أو قوميًّا. لكن لا يحق لأحد أن يحول اختياره الشخصي إلى معيار لتخوين الآخرين أو إلى أداة لإلغاء تاريخ الأحزاب الكردية.

المطالبة بعدم استخدام اسم إيران مطلقًا قد تبدو أكثر ثورية، لكنها لا تقدم جوابًا عن الأسئلة الفعلية: ما شكل الدولة البديلة؟ كيف ستُحمى كردستان؟ من سيعترف بحقوقها؟ وما القوى التي يستطيع الأكراد التحالف معها؟ وكيف يمكن منع قيام دكتاتورية مركزية جديدة بعد سقوط الجمهورية الإسلامية؟

بعض القوميين المتطرفين، إلى جانب قوى وأحزاب طارئة على الحياة السياسية الكردية الإيرانية، يحاولون استغلال حساسية الهوية من أجل المزايدة على أصحاب التاريخ الفعلي في القضية. وهم يعتقدون أن رفع السقف اللفظي يكفي لاكتساب الشرعية، وأن اتهام الآخرين بالتنازل يمكن أن يحل محل تقديم برنامج سياسي واقعي.

لكن الأكثر تشددًا في اللغة ليس دائمًا الأكثر إخلاصًا في العمل، كما أن من يرفض اسم الدولة لا يكون بالضرورة أقدر على تغييرها.

ولقد شاهدنا في التجربة السورية كيف رُفعت شعارات كبرى، بينما انتهى جزء من القوى الكردية إلى الارتهان للحسابات الدولية والإقليمية. قاتل المقاتلون الأكراد تنظيم «داعش» وقدموا آلاف الضحايا، ثم جرى التعامل معهم من جانب قوى دولية باعتبارهم شريكًا عسكريًا مرتبطًا بمرحلة محددة من الحرب على التنظيم.

وعندما تغيرت المصالح والظروف، تصاعد الضغط من أجل دمج القوات الكردية في مؤسسات الدولة السورية، من دون أن تتبلور بعد ضمانات دستورية نهائية وكاملة للحقوق القومية والسياسية للكرد. وفي الوقت نفسه، بقيت مناطق مثل عفرين ورأس العين خارج سيطرة كثير من سكانها الأصليين، وسط تقارير حقوقية وثقت الاعتقالات والانتهاكات والاستيلاء على الممتلكات والتهجير وصعوبة العودة.[8]

ولهذا يجب أن يتعلم أكراد إيران من التجارب المحيطة بهم: لا يكفي أن تكون قوة عسكرية يحتاج إليها الآخرون في مرحلة معينة، بل يجب أن تكون قوة سياسية لها مشروع وتحالفات وضمانات وموقع ثابت داخل النظام البديل.

«المعارضة الكردية الإيرانية» لا تحل الإشكال

اقترحت الشابة استخدام عبارة «المعارضة الكردية الإيرانية» بدلًا من «الكرد الإيرانيين». لكن هذا التعبير نفسه يتضمن الصفة الإيرانية التي تعترض عليها.

ثم إن «المعارضة الكردية الإيرانية» تصف الأحزاب والتيارات المعارضة، ولا تصف جميع السكان الأكراد في إيران. فليس كل كردي عضوًا في المعارضة، وليس كل من يعيش في كردستان منتميًا إلى حزب سياسي.

أما مصطلح «روجھلات»، أي شرق كردستان، فهو تسمية قومية كردية مشروعة ومعبرة عن وحدة كردستان في الوعي الكردي، ويمكن استخدامها في الخطاب الثقافي والقومي والسياسي. لكن استخدامها لا يلغي الحاجة إلى مصطلحات تحدد الواقع القانوني والجغرافي القائم، خصوصًا عند مخاطبة الرأي العام الدولي أو الحديث عن برنامج دستوري لدولة ما بعد الجمهورية الإسلامية.

يمكن القول «شرق كردستان»، ويمكن القول «كردستان إيران» أو «كردستان الإيرانية» بحسب السياق، من دون أن يكون أحد المصطلحين خيانة والآخر شهادة وطنية.

المشكلة ليست في الاسم وحده، بل في المضمون الذي نحمله إليه.

هل الحزب الذي يعارض إيران يجب أن يحذف اسمها؟

ليس صحيحًا أن الحزب الكردي، لأنه يقاوم النظام الإيراني، يجب أن يلغي اسم إيران من تعريفه. فهذه الأحزاب لا تحارب وجود الناس أو الجغرافيا المسماة إيران، بل تحارب نظامًا سياسيًا استبداديًا وسياسة قومية مركزية تنكر حقوق الأكراد.

هناك فارق بين الدولة بوصفها مجتمعًا سياسيًا متعدد القوميات، وبين النظام الذي يسيطر عليها. إسقاط الجمهورية الإسلامية لا يعني محو إيران عن الخريطة، بل إعادة تأسيسها على قاعدة جديدة.

عندما يحمل حزب اسم «الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني» أو «حزب كومله الكردستاني الإيراني»، فهو يحدد ساحة عمله ويميز نفسه عن الأحزاب الكردستانية العاملة في العراق وتركيا وسوريا. ولا يعني ذلك أنه يعترف بحق النظام في قمع كردستان.

ولو حُذفت كلمة إيران من اسم الحزب، فلن تتغير الحدود ولا موازين القوى ولا طبيعة الصراع. الأهم هو برنامجه: هل يطالب بحق تقرير المصير؟ هل يطالب بالفيدرالية أو الحكم الذاتي؟ هل يضمن المساواة القومية واللغوية؟ وكيف يتصور علاقة كردستان بالمركز؟

تجربة أكراد العراق: عراقيون وكردستانيون

ينبغي لأكراد إيران أن يدرسوا تجربة أكراد العراق بعناية. فالقوى السياسية الكردستانية العراقية لم تعتبر الاعتراف بالانتماء إلى العراق نفيًا لهويتها الكردية. بل أكدت معادلة واضحة: نحن عراقيون وكردستانيون في الوقت نفسه.

ومن خلال هذه المعادلة، لم يدخل أكراد العراق إلى بغداد أفرادًا هامشيين، بل دخلوا إليها باعتبارهم ممثلي إقليم معترف به دستوريًا وشركاء في تأسيس النظام الجديد. وقد اعترف الدستور العراقي لعام 2005 بإقليم كردستان وسلطاته القائمة إقليمًا فيدراليًا، وأصبح الأكراد جزءًا أساسيًا من المعادلة السياسية الاتحادية، كما تولت شخصيات كردية رئاسة الجمهورية في مرحلة ما بعد عام 2003.[9]

صحيح أن التجربة العراقية تعاني أزمات كبيرة، وأن الدستور لم يطبق كاملًا، وأن الخلافات بين بغداد وأربيل لا تزال عميقة، لكن أحدًا لا يستطيع القول إن اعتراف الأكراد بعراقيتهم ألغى كردستانيتهم.

على العكس، لقد دخلوا إلى قلب الدولة وتمكنوا من تثبيت جزء أساسي من حقوقهم لأنهم جمعوا بين الهوية الكردستانية والمشاركة في إعادة بناء العراق.

وهذا هو الدرس: الانتماء القانوني إلى دولة ما لا يلغي الهوية القومية، بشرط أن تقوم الدولة على الشراكة لا على الصهر، وعلى الفيدرالية والديمقراطية لا على الإنكار والقوة.

رسالة إلى الأكراد الإيرانيين

أيها الإخوة الأكراد الإيرانيون، لقد أعطيت قضيتكم جزءًا كبيرًا من حياتي، وناضلت معكم ودافعت عن حقوقكم، وفاءً لدماء القاضي محمد والدكتور عبد الرحمن قاسملو والدكتور صادق شرفكندي وفؤاد مصطفى سلطاني والدكتور جعفر، ولسائر شهداء الحركة الكردية.

أقول لكم، بصفتي واحدًا منكم ومن موقع المحبة لا الوصاية: لا تسمحوا للشعارات الشعبوية بأن تخدعكم، ولا تجعلوا الخلاف على المصطلحات يهدم الجسور بينكم وبين القوى التي تحتاجون إليها لتحقيق التغيير.

لا تسمحوا لأحد بأن يقنعكم أن الديمقراطية لإيران تعني التخلي عن كردستان. فالديمقراطية الحقيقية هي المدخل إلى الاعتراف بوجودكم وحقوقكم، وليست بديلًا منها.

ولا تسمحوا، في المقابل، للقوى الإيرانية المركزية بأن تستخدم شعار الديمقراطية لتأجيل حقوقكم أو تذويب هويتكم أو مطالبتكم بالتضحية أولًا وانتظار الحلول إلى أجل غير معلوم.

قولوا بوضوح: نحن أكراد وكردستانيون، ونحن أيضًا جزء مؤسس من الدولة التي نريد إعادة بنائها على أسس ديمقراطية وفيدرالية. نريد إسقاط النظام، لا لكي تستبدل إيران دكتاتورية دينية بدكتاتورية قومية أو ملكية أو عسكرية، بل لكي تصبح دولة جميع شعوبها ومواطنيها.

الخلاصة: الهوية لا يحميها حذف الكلمات

ليس خالد عزيزي ممثلًا حصريًا لجميع أكراد إيران، ولا عبدالله مهتدي، ولم يكن حتى قاسملو يدّعي أنه الناطق الوحيد باسم كل كردي. لكل حزب جمهوره وبرنامجه وشرعيته وحدود تمثيله.

لكن من الظلم اختزال تاريخ قادة وأحزاب كاملة في كلمة استخدموها لوصف جغرافيا نضالهم، أو اتهامهم بمنح الشرعية للاحتلال لأنهم قالوا «الكرد الإيرانيين» أو «كردستان إيران».

الهوية الكردية أقوى من أن يمحوها وصف جغرافي، وكردستان لا تختفي لأن حزبًا أضاف كلمة إيران إلى اسمه. وفي المقابل، لا تتحرر كردستان بمجرد حذف كلمة إيران من الخطابات.

ما يحمي الهوية هو التنظيم والمؤسسات والثقافة واللغة والقوة السياسية والتحالفات المتكافئة والبرنامج الواقعي. وما يحقق الحقوق ليس الشعار الأكثر حدة، بل المشروع الأقدر على تحويل التضحيات إلى مكاسب دستورية وسياسية ثابتة.

لقد فهم قاسملو هذه المعادلة حين جمع بين الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان. ويفهم مهتدي وعزيزي، كل بطريقته، أن الأكراد لن يحموا مستقبلهم بالانعزال عن بقية مكونات إيران، بل بالمشاركة في تأسيس البديل وفرض حقوقهم داخله.

يمكننا أن نختلف معهم، وأن ننتقدهم، وأن نطالبهم بمواقف أكثر وضوحًا وصلابة، لكن لا يجوز أن نلغي واقعيتهم السياسية باسم قومية لا تقدم لشعبها سوى الشعارات.

فكردستان تحتاج إلى الحلم، نعم، لكنها تحتاج أيضًا إلى العقل السياسي الذي يعرف كيف يحوّل الحلم إلى حق، والحق إلى دستور، والدستور إلى مؤسسات تحمي الإنسان والأرض والهوية.

المراجع

[1] دائرة المعارف الإيرانية «إنسيكلوبيديا إيرانيكا»، مادة «القاضي محمد»؛ والمعهد الكردي في بروكسل، دراسة «جمهورية مهاباد الكردية».

[2] المعهد الكردي في بروكسل، «جمهورية مهاباد الكردية»؛ ودراسات تاريخية عن جمهورية مهاباد ودور الملا مصطفى البارزاني في قواتها.

[3] دائرة المعارف الإيرانية «إنسيكلوبيديا إيرانيكا»، مادة «عبد الرحمن قاسملو»؛ والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، السيرة الرسمية للدكتور عبد الرحمن قاسملو.

[4] مؤسسة عبد الرحمن برومند لحقوق الإنسان في إيران، سيرة عبد الرحمن قاسملو؛ والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وثائق وبرنامج الدكتور عبد الرحمن قاسملو.

[5] دائرة المعارف الإيرانية «إنسيكلوبيديا إيرانيكا»، مادة «عبد الرحمن قاسملو»، ولا سيما ما يتعلق بإضافة اسم إيران إلى تسمية الحزب خلال مؤتمره الثالث عام 1973.

[6] مقابلات عبدالله مهتدي، الأمين العام لحزب كومله الكردستاني الإيراني، بشأن مستقبل إيران وحقوق الكرد، المنشورة خلال عامي 2025 و2026؛ والموقع الرسمي لحزب كومله.

[7] معهد واشنطن الكردي، مقابلة مع خالد عزيزي، الأمين العام السابق للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، 30 تموز 2019؛ ووثائق وتصريحات الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني.

[8] منظمة هيومن رايتس ووتش، تقرير «كل شيء بقوة السلاح: الانتهاكات والإفلات من العقاب في شمال سوريا الخاضع للسيطرة التركية»، 29 شباط 2024؛ وتقرير المنظمة عن استمرار الاعتقال والابتزاز والانتهاكات في شمال سوريا، 14 أيار 2025.

[9] دستور جمهورية العراق لعام 2005، ولا سيما المادتان 116 و117 المتعلقتان بالنظام الاتحادي والاعتراف بإقليم كردستان وسلطاته القائمة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...

سلسلة تعيينات باسم خامنئي: هل بدأت عملية إعادة بناء السلطة من داخل السلطة ام نفذ انقلاب ابيض؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات...