أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
يفصل بين ذكرى معركة برغز في الثاني والثالث من آب وذكرى استشهاد جمال ساطي في السادس من آب أيام قليلة، لكن الرابط بينهما أعمق من تقارب التاريخين. فالحدثان يشكلان محطتين أساسيتين في تاريخ المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي: الأولى سبقت تأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمول» وأسهمت في صناعة المناخ السياسي والكفاحي الذي ولدت منه، والثانية أصبحت واحدة من أبرز عمليات الجبهة بعد تأسيسها.
واستذكار العمليتين اليوم لا يهدف إلى استعادة الماضي بوصفه زمناً مثالياً، بل إلى المقارنة بين مفهومين مختلفين للمقاومة: مقاومة وطنية علمانية انطلقت من لبنان ومن أجل لبنان واتجهت ببندقيتها نحو الاحتلال، ومقاومة ربطت قرار الحرب والسلم اللبنانيين بمحور إقليمي تقوده إيران، ورفعت فلسطين شعاراً كبيراً، فيما انتهت حروبها مراراً إلى تدمير لبنان وتهجير أبنائه.
برغز… معركة سبقت ولادة «جمول»
في ليل الثاني إلى الثالث من آب 1979، دارت مواجهة عنيفة في تلة برغز، ضمن المنطقة الممتدة بين حاصبيا والبقاع الغربي. وكانت التلة تشكل موقعاً استراتيجياً على محور المواجهة القريب من فلسطين المحتلة.
لم تكن جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية قد تأسست بعد؛ إذ أُعلن انطلاقها في أيلول 1982، لكن معركة برغز كانت من المحطات التي سبقت تأسيسها ومهدت لمسارها. فقد واجه مقاتلون لبنانيون وفلسطينيون ويساريون قوة إسرائيلية حاولت التقدم أو التسلل باتجاه التلة، وخاض المدافعون اشتباكاً استمر حتى نفاد ذخيرة عدد منهم.
وتحفظ الذاكرة المحلية والحزبية أسماء خمسة من شهداء برغز:
إسحاق محمد وهبي، علي فايز قاسم، حسن علي مصطفى، علي شعيب، ووديع التنوري.
قاتل هؤلاء على محور يتجه نحو فلسطين. ولم تكن العملية تبادلاً محسوباً من نوع «صاروخ مقابل صاروخ»، ولا محاولة لصناعة ما يسمى «توازن الردع» فوق رؤوس اللبنانيين. كان هناك احتلال، وكانت هناك قوة تتصدى له على خط المواجهة.
كما أن وجود مقاتلين لبنانيين وفلسطينيين في المعركة جسد تضامناً حقيقياً مع فلسطين: تضامن يواجه القوات الإسرائيلية في الميدان، لا يستخدم الشعب الفلسطيني ودماءه لتبرير مشروع نفوذ إقليمي أو لتعليق الحياة السياسية والدستورية في لبنان.
جمال ساطي… عملية نوعية في قلب جهاز الاحتلال
بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، تأسست جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وانخرط في صفوفها شيوعيون وقوميون وناصريون ومستقلون من مناطق وطوائف مختلفة.
وكان جمال ساطي، ابن بلدة كامد اللوز في البقاع الغربي، واحداً من أبناء ذلك الجيل. ولد، بحسب أكثر الروايات الحزبية تداولاً، عام 1962، وانتسب إلى الحزب الشيوعي اللبناني عام 1978، ثم انضم إلى العمل المقاوم بعد الاجتياح الإسرائيلي.
في السادس من آب 1985، نفذ ساطي عملية استهدفت مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في حاصبيا، الذي تحدده الروايات المحلية والحزبية في منطقة تلة أو نادي زغلة.
وتشير شهادات رفاقه إلى أن التحضير للعملية شمل مراقبة الهدف ودراسة التدابير الأمنية المحيطة به، وأن ساطي أبلغ رفاقه بعزمه على الوصول إلى المقر وتفجيره. وتروي هذه الشهادات أن أحد المسؤولين العسكريين حاول إقناعه بتأجيل التنفيذ حفاظاً على حياته، إلا أنه أصر على إتمام المهمة.
وبحسب الرواية الحزبية، جرى شراء بغل من منطقة مشغرة وتجهيزه بكمية كبيرة من المتفجرات، ثم تنكر ساطي بلباس رجل مسن وقاده باتجاه مقر الحاكم العسكري، مستفيداً من طبيعة الحركة المدنية والزراعية في المنطقة لتجاوز الحواجز والإجراءات الأمنية.
وتتحدث روايات الرفاق عن حمولة قاربت أربعمائة كيلوغرام من المتفجرات، وعن مقتل عدد من الضباط الإسرائيليين، يصل في بعض الروايات إلى ثمانية. لكن هذين الرقمين يستندان أساساً إلى الذاكرة الحزبية والشهادات الشفوية، ولم أعثر على وثيقة إسرائيلية أو تقرير صحافي مستقل من يوم العملية يسمح بالجزم بهما.
الثابت أن جمال ساطي استشهد في السادس من آب 1985 خلال العملية التي استهدفت مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في حاصبيا، وأن اسمه أصبح من أبرز أسماء شهداء «جمول».
وكانت العملية واضحة الهدف والاتجاه: مقاوم لبناني يتقدم نحو مركز عسكري للاحتلال ويفجره. لم يكن الهدف بلدة لبنانية، ولا مؤسسة من مؤسسات الدولة، ولا خصماً سياسياً داخلياً، ولم تكن العملية جزءاً من مفاوضات إقليمية تُستخدم فيها الحدود اللبنانية ورقة ضغط.
مقاومة علمانية من أجل لبنان
كانت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية مقاومة علمانية بالمعنى السياسي والوطني للكلمة. لم تسأل المقاتلين عن طوائفهم، ولم تجعل المقاومة امتيازاً لجماعة دينية أو مذهبية، ولم تربط شرعية السلاح بعقيدة طائفية أو بولاية سياسية خارج حدود لبنان.
جمعت «جمول» لبنانيين من اتجاهات مختلفة على هدف محدد: تحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي.
وكان التضامن مع فلسطين جزءاً أصيلاً من هذا المشروع، لكنه لم يكن بديلاً عن لبنان. لم يقل هؤلاء إن حماية فلسطين تتطلب تدمير الدولة اللبنانية أو مصادرة قرارها، ولم يحولوا الجنوب إلى قاعدة دائمة لخدمة مفاوضات دولة إقليمية.
في برغز، كان الاتجاه نحو فلسطين. وفي حاصبيا، كان الهدف مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي. وفي الحالتين، كانت المقاومة تتحرك باتجاه الاحتلال، لا تعيد الاحتلال والحرب والدمار إلى القرى اللبنانية.
من «بيت العنكبوت» إلى وعد اجتياح الجليل
بعد الانسحاب الإسرائيلي من معظم جنوب لبنان عام 2000، وقف حسن نصرالله في بنت جبيل وقال إن إسرائيل، رغم امتلاكها السلاح النووي وأقوى سلاح جوي في المنطقة، «أوهن من بيت العنكبوت». وتحولت العبارة لاحقاً إلى ركن أساسي في خطاب حزب الله عن هشاشة المجتمع والدولة الإسرائيليين.
ولم يتوقف الخطاب عند الحديث عن هشاشة إسرائيل. فقد كرر نصرالله في سنوات لاحقة أن حزب الله يمتلك القدرة على دخول الجليل، وأن إسرائيل تدرك هذه القدرة. كما تحدث عن إمكان الرد في شمال فلسطين المحتلة والجليل والجولان.
بهذا الخطاب، قيل للبنانيين على مدى سنوات إن الحزب لا يملك فقط قدرة ردع إسرائيل، بل يستطيع نقل الحرب إلى داخلها، ودخول شمال فلسطين، وإسقاط نظرية الجيش الإسرائيلي القادر على حماية حدوده.
لكن الامتحان الحقيقي جاء عندما دخلت غزة معركة وجودية تجاوزت كل الحدود، وتعرض شعبها لواحدة من أكثر الحروب دموية وتدميراً في تاريخه الحديث.
يومها لم يتحقق وعد دخول الجليل. ولم تنتقل الحرب البرية الشاملة إلى شمال فلسطين كما أوحت الخطب السابقة. اختار الحزب ما سماه «جبهة إسناد»، مع تبادل محدود ومحسوب للنيران، فيما كان نصرالله نفسه يؤكد في بداية الحرب أن احتمال التوسع قائم من دون إعلان الدخول في حرب شاملة.
المشكلة ليست في أن الحزب تجنب حرباً شاملة منذ اليوم الأول؛ فقد يكون تجنبها قراراً عقلانياً إذا كان الهدف حماية لبنان. المشكلة أن الحزب كان قد بنى شرعيته العسكرية طوال سنوات على خطاب معاكس: إسرائيل واهنة، والجليل قابل للدخول، والحرب المقبلة ستجري في أرضها، وسلاح الحزب يحمي لبنان ويصنع توازناً يمنع إسرائيل من التوسع.
حين انقض «بيت العنكبوت» على لبنان
ما حدث لاحقاً كشف المسافة بين الخطاب والقدرة الفعلية.
فبدلاً من أن يدخل حزب الله شمال فلسطين كما وعد، دخلت إسرائيل عميقاً في لبنان بنيرانها واستخباراتها وطائراتها. واستطاعت اغتيال قيادات الصف الأول في الحزب، وصولاً إلى حسن نصرالله نفسه، كما ألحقت دماراً واسعاً بالجنوب والضاحية والبقاع، ودفعت أعداداً هائلة من اللبنانيين إلى النزوح.
وبدلاً من أن يظهر «بيت العنكبوت» عاجزاً عن تحمل الحرب، بدا لبنان هو الطرف الأكثر هشاشة أمام التفوق العسكري الإسرائيلي، وغياب الدولة، وانفراد حزب مسلح بقرار فتح الجبهة وتحديد شروطها.
هنا ينبغي التمييز بين الإدانة الكاملة للعدوان الإسرائيلي، وبين مساءلة الحزب الذي اتخذ قرار إشراك لبنان في الحرب من دون تفويض من الدولة والشعب. فإسرائيل مسؤولة عن القتل والتدمير والاحتلال، لكن هذه المسؤولية لا تلغي حق اللبنانيين في السؤال عن القرار الذي وضع قراهم وبيوتهم وأرزاقهم في قلب المواجهة.
لقد انقض «العنكبوت» الذي قيل إنه أوهن البيوت على الجنوب، فدمر قرى، وهجر أهلها، ووسع احتلاله وضرباته، بينما لم يتحقق الوعد بدخول الجليل ولم تُحمَ غزة ولم يُمنع تدمير لبنان.
هل كانت فلسطين مشروع تحرير أم غطاءً للتمدد الإيراني؟
تكشف النتيجة أن فلسطين لم تكن، في تجربة حزب الله، مشروع تحرير مستقلاً تقوده مصلحة فلسطينية ولبنانية مشتركة، بقدر ما تحولت إلى عنصر مركزي في خطاب محور إقليمي تقوده إيران.
فالسلاح الذي قيل إنه خُصص لتحرير فلسطين استُخدم في مراحل مختلفة داخل لبنان، وفي الحرب السورية، وفي حماية موقع إيران الإقليمي ونفوذها التفاوضي. أما قرار فتح الجبهة أو تهدئتها، فبقي مرتبطاً بحسابات المحور، لا حصراً بحاجة غزة ولا بمصلحة لبنان.
لا يعني ذلك إنكار تضحيات مقاتلي الحزب أو سقوط شهداء له في مواجهة إسرائيل. لكنه يعني الفصل بين شجاعة الأفراد وبين المشروع السياسي الذي يحدد أين ومتى ولماذا يستخدم سلاحهم.
المقاومة الوطنية اللبنانية قاتلت من أجل وطنها، وفي تضامنها مع فلسطين اتجهت نحو القوات الإسرائيلية. أما مشروع حزب الله، فقد وضع لبنان في خدمة استراتيجية إيرانية أوسع، واستُخدمت فلسطين لتبرير بقاء سلاح يتجاوز الدولة ويمنح طهران موقعاً متقدماً على المتوسط والحدود مع إسرائيل.
وهذا هو الفارق الأساسي: شهداء برغز وجمال ساطي لم يقاتلوا لتوسيع نفوذ دولة خارجية، ولم يطلبوا من اللبنانيين التسليم بقيادة دينية أو عسكرية مرتبطة بعاصمة أخرى. حملوا السلاح في مشروع وطني علماني، وكان الاحتلال الإسرائيلي هو العدو المباشر والهدف المحدد.
مشروع تحرير حقيقي أم إدارة دائمة للصراع؟
كان معيار نجاح عملية جمال ساطي الوصول إلى مقر الحاكم العسكري وضربه. وكان معيار معركة برغز منع القوة الإسرائيلية من السيطرة على التلة ومواصلة التقدم.
أما في خطاب «توازن الردع» الحديث، فقد أصبح مجرد استمرار إطلاق النار إنجازاً بحد ذاته، حتى عندما تكون النتيجة تدمير القرى اللبنانية ونزوح سكانها وبقاء الاحتلال قادراً على فرض شروطه.
المقاومة الحقيقية لا تقاس بعدد الصواريخ في المخازن، ولا بعدد الخطب والوعود، بل بقدرتها على تحرير الأرض وحماية الناس وتقوية الدولة.
فإذا أدى السلاح إلى إضعاف الدولة، وتهجير الناس، وتدمير الأرض التي يزعم حمايتها، وتحويل فلسطين إلى شعار يخدم مشروعاً إقليمياً، يصبح من حق اللبنانيين أن يسألوا: هل ما زال هذا مشروع مقاومة، أم أصبح إدارة دائمة لصراع تحتاج إليه إيران لتعزيز موقعها، بينما يدفع لبنان الكلفة؟
درس برغز وجمال ساطي
إن الوفاء لشهداء برغز ـ إسحاق محمد وهبي، وعلي فايز قاسم، وحسن علي مصطفى، وعلي شعيب، ووديع التنوري ـ وللشهيد جمال ساطي، لا يكون بمجرد رفع صورهم أو تكرار الشعارات.
الوفاء لهم يكون باستعادة المعنى الذي قاتلوا من أجله: وطن حر، وأرض محررة، ودولة سيدة، ومقاومة لا تتحول إلى سلطة فوق الدولة ولا إلى ذراع لدولة أخرى.
لقد قاتل شهداء برغز على طريق فلسطين، ونفذ جمال ساطي عمليته في قلب مقر الاحتلال. لم يحتاجوا إلى وعد دائم بدخول الجليل، ولم يقولوا إن إسرائيل «أوهن من بيت العنكبوت» ثم يتركوا العنكبوت يدمر قراهم.
كانت فلسطين بالنسبة إليهم قضية تحرر حقيقية، وكان لبنان وطناً يستحق الحماية، لا ورقة تفاوض ولا ساحة رسائل.
وهذا هو الفارق بين مقاومة وطنية توجه سلاحها إلى الاحتلال، ومشروع إقليمي يستخدم فلسطين لتبرير السلاح، ثم يترك لبنان وحيداً أمام نتائج الحرب.



