أخباركم – أخبارنا
بقلم: نجم الدين الخريط
الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد وعضو الكتلة الوطنية السورية
نشرت صحيفة «النور» في عددها (1207) الصادر يوم الأربعاء 22 تموز/يوليو 2026 افتتاحية بعنوان «الحريات الديمقراطية وحرية تشكيل الأحزاب.. الضامن الرئيسي لعدم عودة الاستبداد».
تشير الافتتاحية إلى أن وجود الأحزاب وتعددها وحجمها ومدى فاعليتها في الحياة السياسية لأي بلد، يعد من أهم معايير قياس مستوى الحريات والتطور السياسي. وأتفق تماماً مع ما جاء فيها، غير أن ما استوقفني بصورة خاصة هو الفقرة الأخيرة التي تقول:
«ما يشير إليه، وما يصرّح به، موالون للسلطة الحالية من تهميش، وربما تسفيه، للحياة السياسية وحرية تشكيل الأحزاب، يصب، عن قصد أو دون قصد، في إعادة تشكيل الاستبداد».
عندها تساءلت: إلى أي عصر ينتمي هؤلاء الذين يرفضون وجود الأحزاب، وينكرون أهميتها ودورها في الحياة السياسية؟
قادني هذا السؤال إلى استحضار كتاب قرأته قبل سنوات، صدر عن دار الفن الحديث بدمشق عام 1963 بعنوان «هل تلتقي الأحزاب؟»، ويضم إجابات نخبة من رجال السياسة والاقتصاد والفكر في سورية على سؤالين رئيسيين:
- هل تعتقدون أن قيام الأحزاب يمكن أن يرسي قواعد ديمقراطية ثابتة تنهض عليها الحياة السياسية في سورية؟
- وهل هناك خطوط عريضة يمكن أن تلتقي عندها الأحزاب لخدمة القضايا الوطنية؟
وقد أوضحت الدار في مقدمة الكتاب أن فكرة إصداره جاءت مع توجه الحكومة آنذاك لإصدار قانون للأحزاب، معتبرة أن البلاد كانت مقبلة على «حياة حزبية جديدة تتفتح في ظل ديمقراطية وارفة بعد الفترة المظلمة التي خيمت على بلادنا».
وكان المقصود بالفترة المظلمة سنوات الوحدة السورية ـ المصرية، حين صدر قرار حل الأحزاب السياسية. فالتزمت بعض الأحزاب القرار، بينما رفضته أحزاب أخرى، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي السوري، الذي واصل نشاطه سراً، ودفع ثمناً باهظاً من الاعتقالات والتعذيب والملاحقات، واستشهد عدد من كوادره، وفي مقدمتهم الشهيد فرج الله الحلو.
بعد تلك المرحلة، عاد النقاش حول قانون الأحزاب ليحتل مكانة مركزية في الحياة العامة، وهو ما يعكس حجم الاهتمام الذي أولته سورية آنذاك لقضية التنظيم السياسي والديمقراطية.
واليوم، وبعد أكثر من ستين عاماً، يبدو المشهد مختلفاً بصورة مؤلمة. ففي الوقت الذي أصبحت فيه السياسة جزءاً أساسياً من إدارة الدول الحديثة، وصناعة التشريعات، ووضع الخطط الاقتصادية والتنموية، وإدارة العلاقات الدولية، وتُدرّس في الجامعات ويختص بها الباحثون والأكاديميون، ما زلنا نسمع أصواتاً تقلل من شأن الأحزاب السياسية، وكأننا نعود إلى عصور ما قبل الدولة الحديثة.
إن سورية، بعد كل ما مرت به من تجارب مريرة مع أنظمة الحكم الفردي، أحوج ما تكون إلى حياة سياسية تعددية، تقوم على حرية التنظيم، وتتيح للأحزاب أن تعبر عن مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، بما يرسخ أسس الديمقراطية الحقيقية.
ويستهل الكتاب بكلمة لرئيس الوزراء الأسبق خالد العظم، أحد أبرز رجالات الجمهورية الأولى، يقول فيها:
«قيام الأحزاب أمر طبيعي في بلد ينشد الديمقراطية والتمكين لها، لأنه لا حياة ديمقراطية عملياً من غير قيام أحزاب سياسية».
وكان العظم يتحدث عن مرحلة ما بعد الوحدة، علماً بأن الحياة الحزبية في سورية تعود إلى ما قبل ذلك بعقود طويلة.
ففي عام 1919 تأسس حزب الاستقلال العربي، ثم حزب الاتحاد السوري على خلفية اتفاقية سايكس ـ بيكو، وفي عام 1920 تأسس حزب الشعب، وفي عام 1924 تأسس الحزب الشيوعي السوري، ثم ظهرت الكتلة الوطنية عام 1928، وتأسس الحزب القومي السوري عام 1932، وتوالى بعد ذلك ظهور تيارات وأحزاب قومية وإسلامية وليبرالية ويسارية واشتراكية.
وقد أسهم هذا التنوع السياسي في ازدهار الحياة الثقافية والفكرية، وانعكس على الأدب والشعر والمسرح والفنون والموسيقا.
وشهدت سورية بين عامي 1954 و1958 واحدة من أكثر مراحلها ازدهاراً على مستوى الحياة الدستورية والحريات العامة والانتخابات البرلمانية. إلا أن سنوات الوحدة شهدت محاولة إلغاء الأحزاب والمؤسسات الديمقراطية بالقوة، فتراجعت الحياة السياسية والفكرية، قبل أن يدخل البلد، منذ عام 1963، مرحلة هيمنة الحزب الواحد وما رافقها من احتكار للسلطة، وتقييد للحريات، وغياب للديمقراطية، وما ترتب على ذلك من نتائج كارثية.
ومن خلال التجربة السورية وتجارب الشعوب الأخرى، يمكن استخلاص جملة من الحقائق الأساسية:
أولاً: لا يتحقق الاستقرار الحقيقي إلا في ظل الديمقراطية التي تضمن مشاركة جميع مكونات الشعب.
ثانياً: الديمقراطية هي الطريق الوحيد لتقدم سورية وازدهارها في مختلف المجالات.
ثالثاً: لا يمكن بناء نظام ديمقراطي من دون أحزاب سياسية حرة وفاعلة، لأنها الإطار الطبيعي لتنظيم المجتمع وتمثيل مصالحه.
رابعاً: كل نظام يمنع قيام الأحزاب ويصادر الحياة السياسية، محكوم في النهاية بالفشل والانهيار، مهما بلغت قوته.
خامساً: أثبت التاريخ السوري أن الديمقراطية تبقى الخيار الذي يتطلع إليه السوريون، وأن البديل عنها لم يجلب سوى الأزمات.
ورغم اختلاف آراء الشخصيات الست والثلاثين التي شاركت في كتاب «هل تلتقي الأحزاب؟»، فإنها التقت على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها:
- لا يمكن لأي نظام أن يكون ديمقراطياً ما لم يضمن حرية تأسيس الأحزاب والمنظمات السياسية والنقابية.
- الأحزاب هي المدرسة الطبيعية لإعداد القيادات السياسية وتحمل المسؤولية الوطنية.
- المجتمع الذي تحكمه الديكتاتورية هو مجتمع يخلو من الحياة الحزبية الحقيقية.
- لا يمكن للحياة السياسية في سورية أن تنهض إلا بأحزاب وطنية تواكب تطورات المجتمع والعالم.
- التعددية الحزبية ضرورة تاريخية، لأنها أحد أهم مظاهر الحرية.
- الديمقراطية الحقيقية تعني تمثيل مختلف القوى الاجتماعية داخل المؤسسات التشريعية، بما يسمح بإدارة التعدد والاختلاف بصورة سلمية.
كما يلفت الانتباه حجم الوعي الوطني الذي عبر عنه المشاركون في ذلك الكتاب، إذ أكدوا أن سورية وطن لجميع أبنائها، بلا أكثرية ولا أقلية، وأن وحدة المجتمع تقوم على الحرية والمساواة والمواطنة، وأن المرحلة تقتضي تعاون جميع القوى السياسية على قاعدة ميثاق وطني جامع يخدم مصلحة البلاد العليا.
إنها مواقف وطنية متقدمة، تنضح بالحكمة وروح المسؤولية.
فأليس من الأجدر بمن يدّعون اليوم احتكار الحقيقة أو الثورية أن يستلهموا تجربة أولئك الرواد الذين أدركوا، في أصعب الظروف، أن:
«لا حياة لبلد من دون ديمقراطية، ولا ديمقراطية من دون أحزاب سياسية».
هكذا قالوا… فليتعلّم منهم الجميع.



