السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

فريدريك إنجلز .. الشريك الذي حجبه ظل ماركس .. لماذا لم ينل أحد مؤسسي الاشتراكية العلمية المكانة التي يستحقها؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا

بقلم: مسعود محمد

حين يُذكر تأسيس الاشتراكية العلمية، يتجه الذهن مباشرة إلى كارل ماركس، بينما يبقى فريدريك إنجلز في الوعي العام مجرد صديقٍ وفيّ، أو ممولٍ كريم، أو محررٍ لتراث ماركس بعد وفاته. غير أن هذا التصور لا يعكس حقيقة التاريخ الفكري للقرن التاسع عشر، بل يمثل أحد أبرز أوجه الإجحاف التي لحقت بمفكر أسهم بصورة جوهرية في بناء واحدة من أكثر النظريات تأثيراً في التاريخ الحديث.

لم يكن إنجلز تابعاً لماركس، بل كان شريكاً كاملاً في صياغة المنهج المادي التاريخي، ومؤلفاً مستقلاً، ومنظراً اقتصادياً واجتماعياً، بل إن بعض الأفكار التي نُسبت لاحقاً إلى “الماركسية” ظهرت أولاً في كتاباته قبل أن تتبلور في مؤلفات ماركس المشتركة معه. ومن هنا، فإن إعادة قراءة إنجلز اليوم ليست محاولة لإنصاف رجل غيّبه التاريخ فحسب، بل ضرورة لفهم التطور الحقيقي للفكر الاشتراكي الأوروبي.

ولد فريدريك إنجلز في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1820 بمدينة بارمن في بروسيا لعائلة صناعية بروتستانتية ثرية. ورغم أنه نشأ في بيئة برجوازية محافظة، فإن احتكاكه المباشر بالعمال خلال عمله في مصانع العائلة، ولا سيما في مدينة مانشستر الإنجليزية، غيّر نظرته إلى المجتمع الصناعي جذرياً. هناك شاهد الفقر، والأحياء العمالية المكتظة، وساعات العمل الطويلة، واستغلال الأطفال والنساء، فخرج بقناعة أن الرأسمالية الحديثة لا تنتج الثروة فقط، بل تنتج البؤس أيضاً.

كانت ثمرة تلك التجربة كتابه الشهير “حالة الطبقة العاملة في إنجلترا” (1845)، الذي يعد من أوائل الدراسات الاجتماعية الميدانية في العصر الحديث. كتب فيه:

“إن حالة الطبقة العاملة هي القاعدة الحقيقية التي تنبني عليها جميع الحركات الاجتماعية في الحاضر.”¹

وفي موضع آخر وصف المدن الصناعية بقوله:

“كل مدينة كبيرة تضم أحياءً يخفي فيها المجتمع بؤسه عن الأنظار.”²

لم تكن هذه العبارات مجرد وصف أدبي، بل كانت محاولة لإثبات أن الفقر ليس ظاهرة أخلاقية أو فردية، وإنما نتيجة مباشرة للبنية الاقتصادية للمجتمع الصناعي.

عندما التقى كارل ماركس في باريس عام 1844، بدأ تعاون فكري استثنائي استمر حتى وفاة ماركس. وخلال سنوات قليلة ألّفا معاً “العائلة المقدسة” و“الأيديولوجيا الألمانية”، ثم نشرا عام 1848 “بيان الحزب الشيوعي”، الذي أصبح أكثر النصوص السياسية انتشاراً في التاريخ الحديث.

ويفتتح البيان بعبارته الشهيرة:

“إن تاريخ كل مجتمع حتى يومنا هذا هو تاريخ صراع الطبقات.”³

لكن الدراسات التاريخية تشير إلى أن إنجلز كان قد كتب قبل البيان مباشرة نصاً بعنوان “مبادئ الشيوعية”، صاغ فيه كثيراً من الأفكار التي أصبحت لاحقاً الهيكل الفكري للبيان، الأمر الذي يؤكد أنه لم يكن مجرد مشارك ثانوي، بل أحد المؤسسين الحقيقيين للنظرية.

ورغم ذلك، بقي اسمه في الظل. ويرجع ذلك جزئياً إلى شخصية ماركس الكاريزمية، وإلى أن إنجلز اختار بإرادته أن يكرس جزءاً كبيراً من حياته لدعم صديقه علمياً ومادياً. فقد عمل سنوات طويلة في مصانع العائلة، وأنفق جانباً مهماً من دخله لإعالة ماركس وأسرته حتى يتمكن الأخير من التفرغ للبحث والكتابة.

ولم يتوقف دوره عند هذا الحد؛ فبعد وفاة ماركس عام 1883 كرّس ما تبقى من حياته لترتيب آلاف الصفحات غير المكتملة من مخطوطات “رأس المال”، وأشرف على إصدار المجلدين الثاني والثالث، وهي مهمة علمية بالغة التعقيد لولاها لما اكتمل أهم عمل في الفكر الاقتصادي الماركسي.

إلا أن اختزال إنجلز في دور “الممول” ظلم إرثه الفكري بصورة واضحة، إذ ترك مؤلفات مستقلة أصبحت مراجع كلاسيكية، من أبرزها: “حالة الطبقة العاملة في إنجلترا”، و**“ضد دوهرنغ”، و“الاشتراكية: الطوباوية والعلمية”، و“أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، و“لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية”**.

في كتابه “الاشتراكية: الطوباوية والعلمية” كتب:

“إن الاشتراكية لم تعد اكتشافاً عرضياً لعبقرية هذا أو ذاك، بل أصبحت النتيجة الضرورية للصراع بين طبقتين نشأتا تاريخياً.”

بهذه العبارة أعلن انتقال الاشتراكية – في نظره – من مشروع أخلاقي أو مثالي إلى نظرية تستند إلى تحليل تاريخي واقتصادي.

أما في كتاب “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” فقد قدم أحد أشهر تعريفاته للدولة قائلاً:

“الدولة ليست بأي حال قوة فُرضت على المجتمع من خارجه.”

ورأى أن الدولة نتاج تاريخي للصراعات الاجتماعية، وأن تطورها مرتبط بتطور الملكية الخاصة والانقسام الطبقي، وهي أطروحة أثرت لاحقاً في علم الاجتماع السياسي والأنثروبولوجيا.

تميز إنجلز أيضاً بمحاولته الربط بين الفلسفة والعلوم الطبيعية، وسعى إلى تفسير التطور الاجتماعي من خلال قوانين الجدل، وهو ما ظهر في كتاباته حول الطبيعة والفلسفة. ورغم أن بعض أطروحاته تعرضت لاحقاً للنقد، فإن أثره الفكري بقي واسعاً في الفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع.

لقد عاش إنجلز في ظل ماركس، لكن هذا الظل لا ينبغي أن يحجب حقيقته. فالرجل لم يكن مجرد رفيق طريق، بل كان أحد أكثر العقول تأثيراً في القرن التاسع عشر، وأسهم في تأسيس مدرسة فكرية غيّرت مسار السياسة والاقتصاد والاجتماع في العالم.

إن إنجلز لم يخسر معركة الأفكار، لكنه خسر معركة الذاكرة. فقد احتفظ التاريخ بماركس بوصفه الأب الروحي للماركسية، بينما بقي إنجلز في الهامش، رغم أن كثيراً من المؤرخين يرون أن المشروع الماركسي، كما وصل إلى الأجيال اللاحقة، كان ثمرة عقلين لا عقل واحد. وربما يكون إنصافه اليوم جزءاً من إنصاف تاريخ الفكر نفسه.

Notes

1. Friedrich Engels, The Condition of the Working Class in England, translated by Florence Kelley Wischnewetzky, London: Swan Sonnenschein & Co., 1892 (first published in German, 1845), Preface and Chapter I.

2. Friedrich Engels, The Condition of the Working Class in England, Chapter III, “The Great Towns.”

3. Karl Marx & Friedrich Engels, Manifesto of the Communist Party, London, 1848, Chapter I: “Bourgeois and Proletarians.”

4. Friedrich Engels, Socialism: Utopian and Scientific, 1880, Part III.

5. Friedrich Engels, The Origin of the Family, Private Property and the State, 1884, Chapter IX, “Barbarism and Civilization.”

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

المؤتمر الأربعون للحزب الشيوعي الفرنسي: من مقاومة التراجع إلى «شيوعية الفتوحات» واستعادة مشروع التغيير!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد عقد الحزب الشيوعي الفرنسي مؤتمره الوطني الأربعين في مدينة...

تهديدات بالقتل تستهدف حمة الهمامي.. وتصاعد المخاوف من انزلاق الخطاب السياسي في تونس!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد أثار مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي موجة...