أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم يكن صعود اسم سيبان حمو داخل قوات سوريا الديمقراطية حدثاً عابراً في مسار التجربة الكردية السورية المعاصرة، فقد أصبح واحداً من أبرز الوجوه العسكرية والسياسية المرتبطة بمشروع قسد، وانتقل من موقع القائد العسكري إلى موقع أكثر حضوراً في المشهد السياسي بعد التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا والمنطقة.
لكن مسيرة سيبان حمو لم تخلُ من الجدل، ليس بسبب خلفيته الاجتماعية المتعددة، بل بسبب الأسئلة السياسية التي أثارها موقعه داخل منظومة رفعت شعارات الدفاع عن الهوية الكردية، بينما كانت بنيتها الفكرية والتنظيمية مرتبطة بمدارس سياسية عابرة للحدود.
فالقضية الأساسية ليست في كون الإنسان ينحدر من أب عربي أو أم كردية، فالهويات في سوريا تاريخياً متداخلة، وإنما في السؤال السياسي الأعمق: هل كان المشروع الذي مثله سيبان حمو مشروعاً كردياً سورياً مستقلاً، أم جزءاً من منظومة أيديولوجية أوسع فرضت رؤيتها على الحركة الكردية السورية؟
سيبان حمو: من خطاب الثورة إلى واقعية السلطة
ظهر اسم سيبان حمو في قيادة وحدات حماية الشعب ثم قوات سوريا الديمقراطية، في مرحلة كانت فيها المنطقة تعيش انهيار الدولة السورية وصعود تنظيم داعش وتدخل القوى الدولية. وقدمت قسد نفسها آنذاك باعتبارها قوة محلية تحمل مشروعاً جديداً يقوم على الإدارة الذاتية وحماية المكونات وبناء نموذج سياسي مختلف.
لكن السنوات اللاحقة كشفت عن تناقضات عميقة بين الخطاب والممارسة. فالمشروع الذي تحدث عن بناء نموذج مستقل وجد نفسه مرتبطاً بشبكة معقدة من التحالفات الدولية والإقليمية، وأصبح مستقبله مرتبطاً بقرارات قوى خارجية أكثر من ارتباطه بإرادة داخلية سورية خالصة.
وهنا يطرح منتقدو التجربة سؤالاً أساسياً: هل كانت قسد تمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً منذ البداية، أم أنها استفادت من ظروف الحرب والفراغ السياسي ثم اضطرت لاحقاً إلى إعادة صياغة خطابها وفق تغير موازين القوى؟
إشكالية الهوية والتمثيل
أثارت الخلفية الاجتماعية لسيبان حمو نقاشاً واسعاً، خصوصاً مع الحديث عن أن والده عربي ووالدته كردية. لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في الأصل العائلي، فالتاريخ السوري مليء بشخصيات متعددة الجذور، وإنما في العلاقة بين الهوية التي يقدمها السياسي وبين المشروع الذي يدافع عنه.
فالسؤال الذي يطرحه منتقدو قسد ليس: ما هو أصل القائد؟ بل: لمن كان هذا المشروع موجهاً؟ وهل استطاع التعبير عن مصالح الكرد السوريين بكل تنوعاتهم، أم أنه حمل أولويات أيديولوجية وتنظيمية سبقت الاعتبارات الوطنية السورية؟
لقد وجدت شريحة من الكرد السوريين نفسها أمام معادلة معقدة: مشروع يرفع اسم القضية الكردية، لكنه في الوقت نفسه مرتبط بخطاب سياسي له امتدادات إقليمية، الأمر الذي جعل القضية الكردية السورية تدخل في صراعات أكبر من حدودها المحلية.
العلاقات السابقة مع الخصوم: براغماتية أمنية أم تناقض سياسي؟
من الملفات التي أثارت نقاشاً حول سيبان حمو أيضاً حديثه عن وجود علاقات واتصالات سابقة مع جهات كانت تُعد في مراحل معينة خصوماً أو أطرافاً متناقضة مع مشروع قسد.
وقد برر حمو هذه الاتصالات في سياق ضرورات أمنية وسياسية فرضتها طبيعة المرحلة، معتبراً أن التواصل مع أطراف مختلفة لا يعني بالضرورة تحالفاً سياسياً معها، وأن العمل في ظروف الحرب يفرض أحياناً فتح قنوات اتصال حتى مع الخصوم من أجل تبادل المعلومات، حماية المصالح، أو إدارة المخاطر الأمنية.
لكن هذه التبريرات فتحت باباً آخر من الأسئلة لدى منتقديه: فإذا كان التواصل مع الخصوم مقبولاً تحت عنوان الضرورات الأمنية، فكيف يمكن التمييز بين البراغماتية السياسية وبين التحولات التي تغير طبيعة التحالفات والمواقف؟
ويرى هؤلاء أن المشكلة ليست في وجود اتصالات أمنية بحد ذاتها، إذ إن الحروب غالباً ما تفرض قنوات خلفية بين الأطراف المتصارعة، وإنما في التناقض بين الخطاب العلني الذي يصور الصراع باعتباره صراعاً وجودياً، وبين واقع العلاقات السرية أو غير المعلنة التي تكشف أن السياسة أكثر تعقيداً من الشعارات المرفوعة.
العلاقة مع حزب العمال الكردستاني: العقدة الأساسية
يبقى ملف العلاقة بين قسد وحزب العمال الكردستاني من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل. فخصوم قسد يؤكدون أن البنية الفكرية والتنظيمية لوحدات حماية الشعب وقسد تأثرت بشكل كبير بتجربة حزب العمال الكردستاني، وأن عدداً من القيادات، ومن بينهم سيبان حمو، ينتمون إلى مدرسة سياسية قريبة من هذا الفكر.
أما مؤيدو قسد فيرون أن التجربة السورية لها خصوصيتها، وأن التأثر الفكري لا يعني بالضرورة التبعية التنظيمية.
لكن سياسياً، أدى هذا الجدل إلى نتائج واضحة؛ فقد أصبحت قسد تواجه صعوبة في إقناع جزء كبير من الأطراف السورية والإقليمية بأنها مشروع سوري مستقل بالكامل، خصوصاً في ظل العداء التركي الشديد لأي قوة تعتبرها مرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
بين واشنطن ودمشق وأنقرة: مشروع تحت ضغط التوازنات
لا يمكن فهم تجربة سيبان حمو وقسد من دون فهم طبيعة التحالفات التي أحاطت بها. فقد لعب الدعم الأميركي دوراً أساسياً في صعود القوة العسكرية لقسد وفي الحرب ضد تنظيم داعش.
لكن الاعتماد على الدعم الخارجي حمل معه مشكلة استراتيجية كبيرة؛ فالقوى الدولية تتحرك وفق مصالحها، وليس وفق ضمان مستقبل أي مشروع محلي. ولذلك بقيت الإنجازات العسكرية غير قادرة على التحول إلى مكاسب سياسية ثابتة.
كما أن التحولات اللاحقة في خطاب قسد، والانتقال من خطاب القوة المستقلة إلى خطاب التفاوض والاندماج ضمن ترتيبات الدولة السورية، أثارت تساؤلات حول مدى ثبات المشروع وأهدافه الأصلية.
من مشروع التحرر إلى مأزق النتائج
يرى منتقدو قسد أن أكبر تناقض في تجربتها هو الفارق بين الشعارات التي رفعتها والنتائج التي وصلت إليها.
فالمشروع الذي تحدث عن حماية الحقوق وبناء نموذج سياسي جديد لم ينجح في تحقيق اعتراف دائم، ولم يؤسس وضعاً سياسياً مستقراً، وانتهى إلى مواجهة ضغوط داخلية وإقليمية جعلته مضطراً إلى تقديم تنازلات كبيرة.
ويرى هؤلاء أن المشكلة لم تكن فقط في الظروف المحيطة، بل في طبيعة المشروع نفسه؛ إذ إن تحويل القضية الكردية السورية إلى جزء من صراع إقليمي بين تركيا وحزب العمال الكردستاني أضعف قدرة الكرد السوريين على بناء مشروع مستقل عن حسابات الآخرين.
سيبان حمو كرمز لتحولات قسد
أصبح اسم سيبان حمو بالنسبة لخصوم قسد رمزاً لهذه التحولات والتناقضات. فهو يمثل انتقال الحركة من مرحلة العمل العسكري الثوري إلى مرحلة البحث عن موقع داخل التوازنات السياسية الجديدة.
ويرى منتقدوه أن هذا الانتقال يكشف أزمة أعمق داخل المشروع: أزمة الفرق بين خطاب التحرر والمقاومة وبين واقع السياسة والتسويات.
أما مؤيدوه فيرون أن التحولات السياسية ليست بالضرورة تناقضاً، وأن القادة يتحركون وفق ظروف معقدة لحماية ما يعتبرونه مكاسب لشعوبهم.
الخاتمة: أسئلة ما بعد التجربة
إن قضية سيبان حمو ليست قضية شخص واحد، بل مرآة لصراع أكبر حول طبيعة المشروع الذي حملته قسد.
فالسؤال الأساسي الذي بقي دون إجابة واضحة هو: هل نجحت هذه التجربة في خدمة القضية الكردية السورية، أم أنها أدخلتها في مأزق جديد بسبب ارتباطها بصراعات إقليمية وأيديولوجيات عابرة للحدود؟
وبين الخطاب السياسي والنتائج الواقعية، تبقى تجربة قسد وسيبان حمو مثالاً على صعوبة بناء مشروع سياسي في منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، حيث قد تتحول التحالفات المؤقتة إلى أعباء استراتيجية، وقد تتحول الشعارات الكبرى إلى أسئلة صعبة حول المستقبل والمصير.



