الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

محمد نجيب الله وأفغانستان بين مشروع الدولة الحديثة وسقوط الجمهورية: من الإصلاحات إلى رعب طالبان

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

البدايات: طبيب من كابول يصعد إلى قيادة دولة ممزقة

وُلد محمد نجيب الله أحمدزي في 6 أغسطس/آب 1947 في مدينة كابول، في عائلة بشتونية من قبيلة أحمدزاي. درس الطب في جامعة كابول وتخرج طبيباً عام 1975، وانخرط في الحياة السياسية منذ شبابه من خلال الحركة اليسارية الأفغانية التي كانت تتأثر بالأفكار الاشتراكية وحركات التحرر الوطني في العالم الثالث.

انضم نجيب الله إلى الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني الذي تأسس عام 1965، وهو الحزب الذي أصبح لاحقاً القوة السياسية الرئيسية التي قادت ثورة أبريل/نيسان 1978 المعروفة باسم “ثورة ثور”.

كان الحزب منقسماً منذ البداية إلى جناحين رئيسيين: خلق وبرشم. وكان نجيب الله من جناح برشم بقيادة بابراك كارمل، الذي كان أكثر ميلاً إلى العمل السياسي التدريجي مقارنة بجناح خلق الذي اتُهم باتباع سياسات أكثر راديكالية خلال المرحلة الأولى من الثورة.

من السياسة إلى جهاز الدولة: رئاسة الاستخبارات ثم رئاسة الجمهورية

برز اسم نجيب الله عندما عُيّن رئيساً لجهاز الاستخبارات الأفغاني المعروف باسم خاد (KHAD) عام 1980. لعب الجهاز دوراً مركزياً في الحرب الداخلية التي كانت تعيشها البلاد، واتهمته المعارضة الأفغانية والمنظمات الحقوقية بارتكاب انتهاكات واسعة، بينما اعتبره أنصار الحكومة جهازاً أمنياً ضرورياً في مواجهة الجماعات المسلحة المدعومة خارجياً.

في عام 1986، أصبح نجيب الله أميناً عاماً للحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني، ثم تولى رئاسة جمهورية أفغانستان الديمقراطية خلفاً لبابراك كارمل.

جاء وصوله إلى السلطة في مرحلة حساسة؛ فقد كانت القوات السوفيتية موجودة في أفغانستان منذ عام 1979، وكانت البلاد تخوض حرباً بين الحكومة المدعومة من موسكو وبين المجاهدين الذين حصلوا على دعم كبير من الولايات المتحدة وباكستان ودول أخرى.

سياسة المصالحة الوطنية: محاولة لإنقاذ الدولة

بعد وصوله إلى الرئاسة، أدرك نجيب الله أن استمرار الحرب بالشكل نفسه يهدد بانهيار النظام. لذلك أطلق عام 1987 سياسة عُرفت باسم المصالحة الوطنية، حاول من خلالها فتح حوار مع بعض الفصائل المعارضة، وتغيير صورة النظام من حكومة ثورية مرتبطة بموسكو إلى حكومة وطنية تسعى إلى إنهاء الحرب.

تم تغيير اسم الدولة من جمهورية أفغانستان الديمقراطية إلى جمهورية أفغانستان، وأُجريت تعديلات دستورية سمحت بالتعددية السياسية شكلياً، كما حاول استمالة شخصيات قبلية ودينية.

لكن هذه السياسة واجهت عقبات كبيرة؛ فالمعارضة المسلحة، خاصة الجماعات الإسلامية المدعومة من باكستان والولايات المتحدة، لم تقبل بتسوية مع النظام، كما أن تراجع الدعم السوفيتي جعل وضع الحكومة أكثر صعوبة.

الانسحاب السوفيتي وسقوط الحلفاء

في فبراير/شباط 1989 انسحبت القوات السوفيتية من أفغانستان بعد اتفاقيات جنيف، لكن حكومة نجيب الله لم تسقط فوراً كما توقع كثيرون.

على العكس، استطاعت قواته الصمود لعدة سنوات، وحققت انتصارات عسكرية ضد المجاهدين، من أبرزها معركة جلال آباد عام 1989، التي فشل فيها المجاهدون في إسقاط المدينة رغم الدعم الكبير الذي تلقوه.

ويرى بعض الباحثين أن استمرار الحكومة حتى عام 1992 كان دليلاً على وجود مؤسسات دولة أكثر قوة مما كان يُعتقد، بينما يرى خصوم نجيب الله أن بقاءها كان نتيجة الدعم العسكري السوفيتي السابق وشبكة الأجهزة الأمنية.

لكن انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 أنهى أهم مصدر دعم للنظام، ومع توقف المساعدات وتزايد الانقسامات داخل الجيش والحزب، فقدت حكومة نجيب الله قدرتها على الاستمرار.

في أبريل/نيسان 1992 دخلت قوات المعارضة كابول، واستقال نجيب الله من الرئاسة، لكنه بقي في مقر الأمم المتحدة في كابول لعدة سنوات بعد فشله في مغادرة البلاد.

من الحرب الأهلية إلى ظهور طالبان

بعد سقوط حكومة نجيب الله، لم تدخل أفغانستان مرحلة استقرار، بل بدأت حرب أهلية بين الفصائل التي كانت قد قاتلت الحكومة السابقة.

تحولت كابول إلى ساحة صراع بين قادة المجاهدين، وخصوصاً بين قوات برهان الدين رباني وأحمد شاه مسعود من جهة، وقوات قلب الدين حكمتيار وفصائل أخرى من جهة أخرى.

أدى الدمار والانقسام وانتشار الفوضى إلى ظهور حركة طالبان عام 1994 في جنوب أفغانستان. رفعت الحركة شعار إنهاء الفساد والفوضى، لكنها سرعان ما فرضت نظاماً دينياً متشدداً يعتمد تفسيراً صارماً للشريعة، وألغت كثيراً من الحريات العامة، خصوصاً حقوق النساء.

نهاية نجيب الله: رمز سقوط مرحلة كاملة

في سبتمبر/أيلول 1996، وبعد سيطرة طالبان على كابول، اقتحمت عناصر الحركة مقر الأمم المتحدة حيث كان نجيب الله يقيم منذ عام 1992.

قُتل محمد نجيب الله وشقيقه أحمد زاي، وتعرض جسده للتنكيل والعرض العلني في كابول. شكلت مقتله نهاية رمزية لمرحلة الدولة الأفغانية ذات التوجه العلماني والاشتراكي، وبداية مرحلة طالبان الأولى.

نجيب الله بين التاريخ والجدل

ظل تقييم شخصية نجيب الله من أكثر القضايا خلافية في التاريخ الأفغاني الحديث.

يراه مؤيدوه قائداً حاول بناء دولة حديثة، ودافع عن تعليم المرأة، ومؤسسات الدولة، ومشروع المصالحة الوطنية، وأنه كان أقل تشدداً من المراحل التي جاءت بعده.

أما خصومه فيعتبرونه جزءاً من نظام اعتمد على الاتحاد السوفيتي، وأن فترة حكم الحزب الديمقراطي الشعبي شهدت قمعاً واسعاً وصراعاً دموياً أدى إلى تفاقم الحرب.

لكن حتى بعض منتقديه يقرون بأن أفغانستان بعد سقوط حكومته لم تدخل مرحلة سلام، بل انتقلت إلى عقود جديدة من الصراع.

أفغانستان بعد نجيب الله: من طالبان إلى الاحتلال الأميركي ثم العودة

بعد سيطرة طالبان عام 1996، حكمت الحركة البلاد حتى تدخل الولايات المتحدة وحلفاؤها عام 2001 بعد هجمات 11 سبتمبر، وسقوط نظام طالبان الأول.

أُنشئت جمهورية أفغانية جديدة بدعم غربي، وحدثت تطورات في مجالات التعليم والصحة والإعلام، وازدادت مشاركة النساء في الحياة العامة مقارنة بعهد طالبان الأول.

لكن الدولة الجديدة واجهت مشاكل كبيرة: الفساد، ضعف المؤسسات، الاعتماد على الدعم الخارجي، واستمرار التمرد الطالباني.

في أغسطس/آب 2021، وبعد انسحاب القوات الأميركية، عادت طالبان إلى السلطة وسيطرت على كابول، لتبدأ مرحلة جديدة اتسمت بتقييد شديد للحريات، خصوصاً بالنسبة للنساء والفتيات.

الخاتمة: بين إرث نجيب الله ومأساة أفغانستان المستمرة

تجسد حياة محمد نجيب الله مأساة أفغانستان الحديثة بكل تناقضاتها: دولة حاولت بناء مؤسسات حديثة لكنها دخلت في صراع دولي وحرب داخلية، وقائد جمع بين مشروع تحديثي وسلطة مرتبطة بظروف الحرب الباردة.

سواء اتفق معه خصومه أو اختلفوا، فإن مساره يعكس سؤالاً مركزياً في تاريخ أفغانستان: لماذا فشلت محاولات بناء دولة مستقرة بين ضغط القوى الخارجية، والانقسامات الداخلية، وصعود الحركات المسلحة؟

بعد أكثر من ثلاثة عقود على سقوط حكمه، ما زالت أفغانستان تدور حول الأسئلة نفسها التي حاول نجيب الله الإجابة عنها: كيف يمكن بناء دولة حديثة في مجتمع أنهكته الحروب والتدخلات الخارجية

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

موازنة بلا إصلاح مالي: من لا يجيد إدارة الأزمة فليرحل

أخباركم - أخبارنا/ د. وفيق ريحان إن طرح مشروع الموازنة على مجلس الوزراء بهذه...

الكتلة التاريخية وإنقاذ لبنان من مخالب الصراع الإقليمي!

أخباركم - أخبارنا / أكرم محمود مقدمة: جغرافيا القدر وبحثاً عن المخرجعاش لبنان عقوداً طويلة...