أخباركم – أخبارنا/ فاطمة حوحو
لم تكن عبارة شارل جبور عن أنفاق حزب الله في كسروان وجبيل وصولًا إلى المختارة مجرد تعليق آخر في السجال اللبناني المفتوح. ما أعطاها هذه المرة وزنًا مختلفًا هو أنها لم تُقدَّم باعتبارها معلومة إسرائيلية متداولة، بل باعتبارها خلاصة معلومات حصل عليها الصحافي أنطوني مرشاق من محضر جلسة تفاوض بين لبنان وإسرائيل، نقلًا عن مصادر أميركية. وإذا كانت هذه الرواية دقيقة، فنحن أمام مسألة تتجاوز الجنوب والحدود والمواجهة مع إسرائيل، لتصل إلى سؤال مختلف تمامًا يتعلق بطبيعة البنية العسكرية الموجودة داخل لبنان نفسه.
المشكلة أن المعلومة، رغم خطورتها، لا تزال بلا وثيقة منشورة يمكن العودة إليها. لا نملك محضر جلسة التفاوض، ولا نعرف طبيعة المصدر الأميركي الذي نُقلت عنه، ولا نملك حتى الآن خرائط أو صورًا أو تقارير مستقلة تسمح بالقول إن شبكة أنفاق متصلة تمتد من جنوب الليطاني إلى كسروان وجبيل والمختارة موجودة بالفعل. وهذا التفصيل ليس ثانويًا، لأن المسافة بين معلومة أمنية يجري تداولها وبين حقيقة يمكن البناء عليها سياسيًا وعسكريًا مسافة كبيرة.
لكن المسألة لا تبدأ اليوم. ففي عام 2024 ظهرت روايات إسرائيلية عن وجود منشآت وأنفاق تابعة لحزب الله في مناطق من جبيل وكسروان، وسارع الجيش اللبناني إلى نفي ما وصفه بادعاءات تتعلق بوجود مواقع صاروخية وشبكة أنفاق في تلك المناطق. في المقابل، ظهرت في الإعلام اللبناني روايات أخرى تحدثت عن منشآت وطرق ومواقع تحت الأرض في الجرود، مع اختلاف واضح في تفسير طبيعتها وما إذا كانت ذات طابع عسكري أم مرتبطة بمشاريع مدنية. وهكذا بقيت القضية معلقة بين رواية تنفي ورواية تتهم، من دون أن يصل النقاش اللبناني إلى نتيجة تسمح له بالانتقال من الكلام إلى الدليل.
الجديد الآن ليس فقط إعادة الحديث عن الأنفاق، بل المصدر الذي يُقال إن المعلومة جاءت منه. فحين يُقال إن معلومات عن هذه المنشآت وردت في محضر تفاوض، نقلاً عن مصادر أميركية، يصبح السؤال الأول ليس: هل نصدق أم لا نصدق؟ بل: ما هو هذا المحضر؟ ومن شارك في الجلسة؟ وما الذي ورد فيه تحديدًا؟ وهل الحديث عن أنفاق عسكرية متصلة، أم عن منشآت منفصلة موزعة في مناطق مختلفة؟ وهل كلمة «تمتد» تعني الامتداد الجغرافي لشبكة واحدة، أم أن المقصود وجود بنية تحت الأرض في أكثر من منطقة؟
هذه الأسئلة مهمة لأن العبارة المتداولة تضع كسروان وجبيل والمختارة في خط واحد، وكأننا أمام شبكة واحدة تمتد عبر الجغرافيا اللبنانية. وإذا كان هذا هو المقصود فعلًا، فإن الأمر سيكون مختلفًا جذريًا عن الأنفاق التي عرفها اللبنانيون في الجنوب. أما إذا كان الحديث عن منشآت متفرقة، فإن استخدام كلمة «تمتد» قد يعطي للقارئ انطباعًا أكبر بكثير من حقيقة المعلومة.
ثمة سؤال آخر أكثر إلحاحًا يتعلق بالدولة نفسها. إذا كانت جهة أجنبية تمتلك خرائط كاملة لهذه المنشآت، كما يوحي الكلام المتداول، فهل حصلت الدولة اللبنانية عليها؟ وإذا لم تحصل عليها، فلماذا؟ وإذا كانت حصلت عليها، فما الذي قامت به؟ وهل تستطيع الدولة أصلًا أن تتحقق من المعلومات الواردة إليها بصورة مستقلة؟
هذه ليست أسئلة نظرية. فالدولة التي يُطلب منها اليوم أن تكشف أنفاقًا وتفجرها تحتاج قبل كل شيء إلى أن تعرف أين توجد، وما طبيعتها، ومن يستخدمها، وما إذا كان تفجيرها في مناطق مأهولة أو جبلية يمكن أن يؤدي إلى أخطار أخرى. لذلك فإن الدعوة إلى التفجير الفوري، قبل امتلاك المعلومات والتحقق منها، قد تكون أسهل سياسيًا من عملية الكشف نفسها، لكنها ليست بالضرورة أكثر مسؤولية.
وفي المقابل، لا يجوز أن يتحول غياب الدليل المنشور إلى نفي قاطع. فطبيعة العمل السري تجعل من الطبيعي ألا تكون الخرائط والمعلومات الاستخبارية متاحة للرأي العام. لكن هذا لا يعفي من يطرح معلومة بهذا الحجم من تقديم ما يستطيع تقديمه من قرائن، ولا يعفي الدولة من التعامل معها بجدية والتحقق منها.
ربما تكون القضية الأهم التي كشفتها هذه القصة هي أننا، في لبنان، نعيش مرة أخرى أمام معلومات أمنية بالغة الخطورة تصل إلى الناس من خارج المؤسسات الرسمية. صحافي ينقل عن مصادر، وسياسي ينقل عن صحافي، ووسائل إعلام تعيد النقل، ثم يتحول الكلام بعد ساعات إلى «حقيقة» في النقاش العام. وفي النهاية لا يعود أحد يعرف أين تنتهي المعلومة وأين يبدأ الاستنتاج.
لهذا فإن المطلوب ليس تصديق الرواية ولا إسقاطها. المطلوب أن نعرف.
أن نعرف هل توجد بالفعل منشآت عسكرية لحزب الله في كسروان وجبيل والشوف، وما طبيعتها، ومتى أنشئت، وما الغاية منها، وهل هي مستقلة عن شبكة الجنوب أم جزء من منظومة أوسع. وأن نعرف، قبل ذلك كله، ما الذي قاله محضر جلسة التفاوض الذي يستند إليه هذا الكلام.
فإذا كانت الخرائط موجودة، فليكن السؤال: لماذا لا تصل إلى الدولة اللبنانية؟ وإذا كانت الدولة تملكها، فليكن السؤال: ماذا فعلت بها؟ وإذا لم تكن هناك خرائط أصلًا، فمن أين جاءت الرواية؟



