الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

التحالف التركي–السعودي–الباكستاني وإعادة تشكيل القضية الكردية: هل كان إقليم كردستان يستعد ليكون في قلب المعادلة؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

كانت هناك إشارات مبكرة إلى أن المنطقة تتجه نحو إعادة ترتيب عميقة للملف الكردي، قبل أن يظهر التحالف التركي–السعودي–الباكستاني إلى العلن. فقد تزامن الإعلان التركي عن أن قضية حزب العمال الكردستاني تتجه نحو الحل وإنهاء الصراع المسلح، مع انفتاح أنقرة على تفاهمات أكثر عمقاً مع القوى الكردية العراقية، بما في ذلك الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة بافل طالباني، رغم اختلاف علاقاته التاريخية مع أنقرة وطهران. وفي الوقت نفسه، برز الدور المتزايد لرئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في الاتصالات المتعلقة بترتيب العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع، إلى جانب تحرك أربيل لتقريب المواقف بين الأحزاب والتنظيمات الكردية السورية والإيرانية والدفع باتجاه جبهة سياسية كردية أكثر توحداً، ولكن ضمن حدود يمكن التحكم بها إقليمياً.

هذه التحركات المتزامنة تطرح سؤالاً يتجاوز تفاصيل كل ملف على حدة: هل كان إقليم كردستان العراق يستعد مسبقاً للانتقال من موقع المتأثر بالتوازنات الإقليمية إلى موقع أحد المهندسين لها؟ وهل أدركت أربيل أن نهاية مرحلة الصراع الكردي المسلح، ولا سيما إذا تزامنت مع تسوية الملف السوري وإعادة ترتيب العلاقات التركية–العراقية، ستفتح أمام الإقليم فرصة تاريخية ليصبح مركز الثقل السياسي والاقتصادي في الجغرافيا الكردية؟

فإقليم كردستان يجد نفسه في موقع جغرافي وسياسي استثنائي. فهو على تماس مباشر مع تركيا وإيران والعراق وسوريا، وله علاقات متشعبة مع القوى الإقليمية والدولية، بينما يمتلك مؤسسات دستورية وقوات أمن وخبرة سياسية لا تتوافر للكرد في الدول الأخرى بالدرجة نفسها. والأهم أن أربيل تستطيع التواصل مع أطراف متناقضة في آن واحد: تركيا، والحكومة العراقية، والولايات المتحدة، وإيران، والأحزاب الكردية السورية والعراقية.

ومن هنا تبدو التحركات الأخيرة وكأنها تتجاوز مجرد الوساطة بين الأطراف الكردية. فقد حاول الإقليم، بدرجات متفاوتة، أن يكون حاضراً في الملفات الثلاثة الأكثر حساسية في المرحلة الجديدة: إنهاء الصراع التركي–الكردي، وإعادة ترتيب الوضع الكردي في سوريا، والسعي لعدم جر الوضع الكردي الايراني للانفجار، والحفاظ على التوازن الداخلي الكردي في العراق.

وإذا كان ذلك مقصوداً، فإن أربيل لا تستعد فقط للتعامل مع النظام الإقليمي الجديد، بل ربما تسعى إلى احتلال موقع مركزي فيه. فبدلاً من أن تكون القضية الكردية موزعة بين أربع ساحات متصارعة، يمكن أن يصبح إقليم كردستان العراق نقطة التقاء بين هذه الساحات، ووسيطاً بين تركيا والكرد السوريين، وربما غدا ما بين ايران وأكرادها، وتطوير علاقات بغداد وأربيل، ولعب أدوار توافقية بين القوى الكردية المختلفة لمنع اي خلاف يمكن ان يضر بأجندة ضم الآقليم لهذه التفاهمات الدولية.

لكن السؤال الأكثر أهمية يبقى: هل تستطيع أربيل تحويل هذا الدور من وساطات مؤقتة إلى نفوذ استراتيجي دائم، أم أن القوى الإقليمية الكبرى ستستخدم هذا الدور فقط لإدارة مرحلة انتقالية ثم تعيد رسم التوازنات من دون أن تسمح للإقليم بأن يصبح مركز القرار الكردي؟

تحالف جديد في إقليم يتغير

الإعلان عن الشراكة الدفاعية التركية–السعودية–الباكستانية جاء في لحظة لا تشبه السنوات السابقة. فالمنطقة تحاول الانتقال من مرحلة الصراعات المفتوحة والحروب بالوكالة إلى بناء منظومة أمنية واقتصادية أكثر ترابطاً.

ولا تبدو القضية الكردية بنداً معلناً في هذا التفاهم، لكن موقع تركيا يجعلها مرتبطة بصورة غير مباشرة بأي إعادة تنظيم للأمن الإقليمي. فتركيا هي الدولة التي تواجه تاريخياً أكبر ملف كردي مسلح، وهي في الوقت نفسه ترتبط بحدود طويلة مع العراق وسوريا، حيث توجد أهم مراكز الثقل الكردي خارج أراضيها.

لذلك فإن أي تحول في العلاقة التركية مع الكرد ستكون له انعكاسات تتجاوز الحدود التركية.

واللافت أن هذا التحول يحدث في الوقت نفسه تقريباً في العراق وسوريا.

تركيا وPKK: نهاية الصراع أم إعادة تعريفه؟

كان الصراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني أحد أطول الصراعات المسلحة في الشرق الأوسط. لكن التطورات الأخيرة فتحت احتمال الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية السياسية.

إذا اكتمل مسار حل الحزب وإنهاء نشاطه المسلح، فإن أحد أهم مصادر التوتر بين تركيا والمناطق الكردية في العراق وسوريا سيتراجع.

وهذا لا يعني أن القضية الكردية في تركيا ستختفي. فهناك قضايا سياسية وثقافية وحقوقية أعمق من ملف السلاح. لكن الفرق سيكون في أن هذه القضايا ستنتقل، بدرجة أكبر، من المجال العسكري إلى المجال السياسي.

وهذا التحول سيعيد أيضاً تعريف علاقة تركيا بإقليم كردستان العراق.

أنقرة وأربيل: من هاجس أمني إلى شراكة استراتيجية؟

لم تكن علاقة تركيا بإقليم كردستان بسيطة في أي مرحلة. فمن جهة، كانت أنقرة تنظر بعين القلق إلى وجود حزب العمال الكردستاني في المناطق الجبلية العراقية، ومن جهة أخرى كانت مصالحها الاقتصادية تدفعها إلى بناء علاقة قوية مع أربيل.

ومع مرور الوقت، أصبحت تركيا أحد أهم الشركاء التجاريين والاقتصاديين للإقليم.

لكن التطورات الجديدة قد تدفع العلاقة إلى مرحلة مختلفة. فإذا انتهى ملف PKK، يصبح من الممكن أن يتراجع العامل الأمني الذي ظل يلقي بظلاله على العلاقات التركية–الكردستانية.

وهنا يمكن أن تصبح الطاقة والتجارة والنقل والاستثمار هي المحاور الأساسية للعلاقة.

بالنسبة إلى أربيل، هذه فرصة استراتيجية. وبالنسبة إلى أنقرة، فإن وجود إقليم كردستان مستقر ومتعاون اقتصادياً على حدودها الجنوبية أفضل بكثير من استمرار منطقة حدودية مضطربة.

الاتحاد الوطني الكردستاني يدخل المعادلة التركية

ومن العلامات المهمة على تغير المشهد أن العلاقات التركية مع الاتحاد الوطني الكردستاني لم تعد أسيرة التوترات التاريخية.

فالتحركات باتجاه تحسين العلاقة مع الاتحاد الوطني، بقيادة بافل طالباني، تكتسب أهمية خاصة لأن الحزب كان تاريخياً أقرب إلى إيران، بينما ارتبط الحزب الديمقراطي الكردستاني بعلاقات أوثق مع تركيا.

وإذا تمكنت أنقرة من تطوير علاقات متوازنة مع الحزبين الكرديين الرئيسيين في العراق، فإنها تكون قد قللت من احتمال تحول الانقسام الكردي الداخلي إلى مصدر دائم للتوتر التركي.

وهذا التطور يخدم أربيل أيضاً، لأن الحفاظ على توازن كردي داخلي أكثر استقراراً يجعل الإقليم أكثر قدرة على التفاوض مع بغداد وأنقرة وطهران في آن واحد.

لكن هذه المعادلة تحمل أيضاً تحدياً: فكلما أصبحت العلاقات الإقليمية أكثر تعقيداً، ازدادت الحاجة إلى إبقاء التنافس بين الحزبين الكرديين ضمن حدود لا تهدد استقرار الإقليم.

نيجيرفان بارزاني ودور الوسيط

في هذا السياق، يبرز الدور الذي لعبه رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في الاتصالات المتعلقة بسوريا وبالعلاقة بين دمشق وقسد.

وهذا الدور ليس تفصيلاً بروتوكولياً. فإقليم كردستان هو الطرف الكردي الوحيد تقريباً الذي يستطيع التواصل مع تركيا ودمشق وواشنطن والقوى الكردية السورية في الوقت نفسه.

ومن هنا اكتسبت أربيل قدرة على لعب دور الوسيط في واحدة من أكثر القضايا حساسية في المنطقة.

فالهدف بالنسبة إلى الإقليم ليس بالضرورة نقل النموذج العراقي إلى سوريا، وإنما منع انهيار الوضع الكردي السوري بصورة تؤدي إلى حرب جديدة أو تدخلات عسكرية إضافية، وفي الوقت نفسه منع قيام صيغة عسكرية مستقلة تهدد علاقات الإقليم مع تركيا.

سوريا: نهاية نموذج قسد العسكري؟

المسار السوري يختلف عن العراق.

فقوات سوريا الديمقراطية نشأت في ظروف الحرب ضد تنظيم الدولة، ثم أصبحت القوة العسكرية والسياسية الرئيسية في شمال شرق سوريا. لكنها لم تتحول إلى كيان دستوري مماثل لإقليم كردستان العراق.

ولهذا فإن التسوية الحالية تبدو أقرب إلى دمج قسد ومؤسساتها في الدولة السورية الجديدة، وليس إلى الاعتراف بكيان كردي مستقل.

وهنا قد يكون لإقليم كردستان دور بالغ الحساسية.

فأربيل تستطيع أن تدفع باتجاه تسوية تمنع عودة الحرب، وتحافظ في الوقت نفسه على قدر من الحقوق السياسية والثقافية للكرد السوريين.

لكنها لا تستطيع، ولا يبدو أنها تريد بالضرورة، فرض النموذج العراقي على سوريا.

المعادلة الواقعية قد تكون مختلفة: جيش سوري واحد، دولة سورية واحدة، مع ضمانات سياسية وثقافية للكرد ومشاركة محدودة في مؤسسات الدولة.

لماذا قد تقبل تركيا بهذا النموذج؟

من وجهة نظر أنقرة، المشكلة الأساسية ليست مجرد وجود الكرد في شمال سوريا، وإنما وجود قوة عسكرية مستقلة مرتبطة تاريخياً أو تنظيمياً بـPKK.

إذا انتهى هذا الارتباط، وتم دمج قوات قسد في الجيش السوري، فإن التهديد الذي كانت تركيا ترى أنه يأتي من حدودها الجنوبية يمكن أن يتراجع بصورة كبيرة.

وهنا يمكن أن تلتقي مصالح تركيا ودمشق وأربيل، رغم اختلاف مصالحها في ملفات أخرى.

تركيا تريد حدوداً مستقرة.

دمشق تريد استعادة سيادتها على كامل الأراضي السورية.

وأربيل تريد منع انهيار الوضع الكردي السوري والحفاظ على علاقاتها مع أنقرة.

هذه المصالح المتقاطعة قد تكون أساساً لتسوية أوسع.

الجبهة السياسية الكردية في سوريا

تحرك إقليم كردستان لتقريب الأحزاب والتنظيمات الكردية السورية يمكن فهمه في هذا الإطار.

فالتعدد الكبير في القوى الكردية السورية جعل من الصعب إنتاج موقف سياسي موحد يمكن التفاوض عليه مع دمشق أو أنقرة أو القوى الدولية.

ومن هنا تبدو فكرة توحيد الموقف الكردي ذات أهمية كبيرة.

لكن الوحدة التي تسعى إليها أربيل لا تعني بالضرورة إنشاء قوة كردية مستقلة. بل يمكن أن تكون وظيفتها الأساسية إنتاج قيادة سياسية تستطيع التفاوض باسم الكرد، ضمن حدود تقبل بها القوى الإقليمية.

وهذا يعكس تحولاً مهماً: من توحيد القوى العسكرية إلى توحيد الموقف السياسي.

هل تتحضر أربيل لتكون مركز القرار الكردي؟

هنا تعود الفرضية الأساسية للمقال.

إذا جمعنا بين انفتاح تركيا على مختلف القوى الكردية العراقية، ودور أربيل في الملف السوري، ومساعيها لتقريب الأحزاب الكردية، والعلاقة المتنامية مع القوى الإقليمية، يصبح من الصعب اعتبار هذه التحركات أحداثاً منفصلة تماماً.

قد تكون أربيل تدرك أن المرحلة المقبلة لن تسمح بقيام مشروع كردي موحد وعابر للحدود، لكنها قد تسمح بظهور مركز سياسي كردي قادر على التأثير في الملفات المختلفة.

وهذا المركز يمكن أن يكون إقليم كردستان العراق.

فالإقليم يمتلك ما لا تمتلكه القوى الكردية الأخرى: مؤسسات دستورية، حكومة، برلمان، قوات أمن، موارد اقتصادية، حدود دولية، وتمثيل سياسي وعلاقات واسعة مع القوى الكبرى.

وهذا يجعل أربيل المرشح الطبيعي للعب دور «العاصمة السياسية» غير الرسمية للجغرافيا الكردية، حتى من دون أن تتحول إلى مركز قرار لجميع الكرد.

إقليم كردستان بين تركيا وإيران

لكن هناك عاملاً لا يمكن تجاهله: إيران.

فإقليم كردستان يقع في منطقة نفوذ إيراني مهمة، والاتحاد الوطني الكردستاني يحتفظ بعلاقات وثيقة مع طهران، بينما ترتبط أربيل بعلاقات قوية مع تركيا والولايات المتحدة.

لذلك فإن أي محاولة لتحويل الإقليم إلى محور سياسي كردي موحد ستصطدم حتماً بحسابات إيران.

وهذا يفسر أهمية العلاقة بين أربيل والاتحاد الوطني.

فالتفاهم بين الحزبين الكرديين الرئيسيين ليس مجرد مسألة داخلية، بل هو أيضاً جزء من توازن إقليمي بين تركيا وإيران.

وإذا نجحت أربيل في الحفاظ على هذا التوازن، فقد تصبح أكثر قدرة على العمل كوسيط بين المحاور بدلاً من أن تصبح جزءاً من أحدها.

السعودية تدخل من بوابة الاقتصاد

السعودية لا تحتاج إلى تبني مشروع كردي لكي تستفيد من استقرار المناطق الكردية.

فالرياض تنظر إلى المنطقة من زاوية أوسع: طرق التجارة، والطاقة، والاستثمار، وإعادة الإعمار، وربط الخليج بالعراق وتركيا وأوروبا.

ومن هنا يصبح استقرار العراق وسوريا وتركيا جزءاً من مشروع اقتصادي أكبر.

وإذا نجح إقليم كردستان في تثبيت علاقته ببغداد وأنقرة، فقد يجد نفسه في موقع مهم ضمن هذه الشبكة.

وهذا قد يمنحه نفوذاً اقتصادياً يفوق بكثير حجمه الجغرافي.

الطريق من الخليج إلى تركيا

المعادلة الاقتصادية الجديدة هي ربما أهم ما يجب مراقبته.

فاستقرار العراق، وإعادة إعمار سوريا، وتحسن العلاقات التركية–الخليجية، وحل الصراعات المسلحة، كلها عوامل يمكن أن تجعل المنطقة أكثر ملاءمة للممرات التجارية.

وفي هذه الحالة يصبح موقع كردستان العراق مهماً بصورة استثنائية.

فالإقليم يمكن أن يكون جزءاً من طرق تربط الخليج بالعراق وتركيا، كما يمكن أن يصبح مركزاً للطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية.

وهذا يغير طبيعة القوة الكردية.

فبدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية، يصبح النفوذ قائماً على الموقع والاقتصاد والمؤسسات.

وماذا عن أكراد إيران؟

أكراد إيران سيجدون أنفسهم أمام وضع مختلف.

فهم لا يمتلكون إقليماً دستورياً مماثلاً لإقليم كردستان، كما أن إيران لن تنظر بسهولة إلى أي صيغة يمكن أن تنتج كياناً كردياً سياسياً مستقلاً على حدودها.

لكن إذا استقرت تركيا والعراق وسوريا، فقد تصبح المطالب السياسية والثقافية أكثر أهمية من العمل العسكري.

وقد يكون هذا التحول مفيداً للكرد الإيرانيين على المدى البعيد إذا أدى إلى فتح المجال أمام العمل المدني والسياسي، لكنه قد يكون خطيراً إذا حاولت القوى الإقليمية استخدامهم كورقة في الصراع مع طهران.

فالفرق بين الأمرين كبير: دعم الحقوق شيء، وتحويل المناطق الكردية إلى ساحة حرب بالوكالة شيء آخر.

الخطر الأكبر: أن يصبح أكراد إيران ورقة في صفقة إقليمية

أخطر ما قد يواجه أكراد إيران في المرحلة المقبلة هو أن تتحول قضيتهم إلى ورقة تفاوض في إطار تفاهمات إقليمية مع طهران. فإذا سعت تركيا أو دول الخليج إلى احتواء النفوذ الإيراني ووقف تمدده، فقد تجد مصلحتها في عقد ترتيبات أمنية وسياسية مع إيران مقابل تهدئة ملفات إقليمية أخرى، وقد يكون الملف الكردي أحد بنود هذه المقايضة. عندها قد ينتقل أكراد إيران من كونهم طرفاً صاحب قضية وحقوق إلى ورقة تستخدم لضمان الاستقرار على الحدود، بما قد يؤدي إلى التضييق على الأحزاب والتنظيمات الكردية ومنع أي دعم إقليمي لها. لذلك تكمن المصلحة الكردية في ألا تُختزل القضية في بعدها الأمني، بل في تثبيت الحقوق السياسية والثقافية للكرد باعتبارها قضية داخلية أصيلة لا يجوز أن تكون ثمناً لأي تسوية إقليمية مع طهران.

أربعة مسارات كردية

المرحلة المقبلة قد تنتج أربعة نماذج كردية مختلفة.

في تركيا، مسار سياسي بعد عقود من الصراع المسلح.

في سوريا، اندماج عسكري ومؤسساتي داخل الدولة مع محاولة الحفاظ على مكاسب ثقافية وسياسية.

في العراق، استمرار الحكم الذاتي الاتحادي مع تعزيز الدور الاقتصادي والإقليمي.

وفي إيران، استمرار المطالب السياسية والثقافية داخل دولة مركزية قوية.

وهذا يعني أن الكرد لن يسيروا بالضرورة نحو مشروع سياسي واحد.

بل ربما تكون هذه هي نهاية فكرة «المسار الكردي الواحد».

من كردستان الكبرى إلى شبكة كردية متعددة المراكز

خلال القرن الماضي، ارتبط جزء كبير من الخطاب القومي الكردي بفكرة توحيد المناطق الكردية.

لكن التحولات الحالية قد تنتج نموذجاً مختلفاً: شبكة من المجتمعات والقوى الكردية ذات المصالح المشتركة، لكنها تعمل ضمن أنظمة سياسية مختلفة.

في هذا النموذج، يصبح إقليم كردستان مركزاً سياسياً واقتصادياً مهماً، لكنه لا يحكم بقية المناطق الكردية.

ويصبح دوره أشبه بجسر بين الكرد والدول الإقليمية، وليس بديلاً عن هذه الدول.

وهذا قد يكون أكثر واقعية من مشروع تغيير الحدود، كما أنه أكثر قابلية للقبول من جانب تركيا والعراق وسوريا وإيران.

الخطر: أن يصبح الإقليم ساحة لا لاعباً

لكن الفرصة تحمل خطراً موازياً.

فإذا بالغت أربيل في الاقتراب من محور إقليمي واحد، فقد تخسر قدرتها على لعب دور الوسيط.

الإقليم يحتاج إلى تركيا اقتصادياً وأمنياً، لكنه لا يستطيع تجاهل إيران.

ويحتاج إلى بغداد، لكنه يريد الحفاظ على استقلالية قراره.

ويحتاج إلى الولايات المتحدة، لكنه لا يستطيع تجاهل التحولات في المنطقة.

كما أن علاقاته مع السعودية والخليج يمكن أن تفتح أبواباً اقتصادية جديدة، لكنها ينبغي ألا تتحول إلى مواجهة مع قوى إقليمية أخرى.

ولهذا فإن أهم عناصر القوة الكردستانية في المرحلة المقبلة قد يكون التوازن وليس الاصطفاف.

هل كان الإقليم يستعد لهذه اللحظة؟

من الصعب الجزم بأن كل التحركات التي شهدتها المنطقة كانت جزءاً من خطة واحدة أعدتها أربيل مسبقاً.

لكن من الممكن ملاحظة أن إقليم كردستان كان حاضراً، بدرجات مختلفة، في معظم الملفات التي بدأت تعيد تشكيل القضية الكردية: العلاقة التركية–الكردية، العلاقة بين بغداد وأربيل، الملف السوري، العلاقات بين الأحزاب الكردية، والتواصل مع القوى الإقليمية.

وهذا الحضور يمنح الإقليم فرصة نادرة.

فإذا كانت المرحلة السابقة قد جعلت الكرد موزعين بين أربعة صراعات وطنية مختلفة، فقد تكون المرحلة الجديدة فرصة لإعادة صياغة العلاقة بينهم من خلال السياسة والاقتصاد بدلاً من السلاح.

وهنا يمكن فهم الدور المتزايد لأربيل.

ليس بالضرورة باعتبارها مشروعاً لقيادة كل الكرد، وإنما باعتبارها المكان الوحيد تقريباً الذي يستطيع أن يجلس فيه ممثلو هذه الجغرافيا الكردية المختلفة، وأن يتحاوروا مع الدول المحيطة بهم في الوقت نفسه.

الخلاصة: الكرد أمام لحظة تاريخية مختلفة

ما يجري اليوم قد يكون أكبر من مجرد نهاية صراع بين تركيا وPKK أو اتفاق بين دمشق وقسد.

إنه احتمال لإعادة تعريف القضية الكردية بأكملها.

فإذا انتهى الصراع المسلح في تركيا، ونجحت عملية دمج قسد في الدولة السورية، واستمر الاستقرار في العراق، وتطورت العلاقات بين أربيل وأنقرة وبغداد، فقد تنتقل القضية الكردية من مرحلة الحرب والحدود إلى مرحلة السياسة والاقتصاد والمؤسسات.

وفي هذه المعادلة سيكون إقليم كردستان العراق في موقع استثنائي.

فهو لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان مشروع جديد لكي يزيد نفوذه. يكفي أن يتحول إلى مركز للوساطة، والطاقة، والتجارة، والعلاقات السياسية، والتنسيق بين القوى الكردية.

وقد يكون هذا تحديداً ما بدأت أربيل تستعد له.

فالسؤال لم يعد فقط: هل يستطيع الكرد إقامة دولة؟

السؤال الجديد هو: هل يستطيع إقليم كردستان أن يصبح مركز الثقل السياسي والاقتصادي للجغرافيا الكردية من دون أن يصطدم بالدول الأربع التي يعيش فيها الكرد؟

إذا نجح في ذلك، فقد تكون هذه بداية مرحلة جديدة تماماً: مرحلة لا تقوم على تغيير الحدود، وإنما على تغيير موقع الكرد داخلها.

وفي تلك المرحلة قد يتحول إقليم كردستان من «جزء من المشكلة الكردية» إلى أحد مفاتيح الحل الإقليمي للقضية الكردية.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

موازنة بلا إصلاح مالي: من لا يجيد إدارة الأزمة فليرحل

أخباركم - أخبارنا/ د. وفيق ريحان إن طرح مشروع الموازنة على مجلس الوزراء بهذه...

الكتلة التاريخية وإنقاذ لبنان من مخالب الصراع الإقليمي!

أخباركم - أخبارنا / أكرم محمود مقدمة: جغرافيا القدر وبحثاً عن المخرجعاش لبنان عقوداً طويلة...