الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
31.3 C
Beirut

بين أنقرة وأربيل وطهران: هل كان تحالف كردستان إيران بداية لإعادة توزيع الأدوار الكردية؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

في 22 فبراير/شباط 2026 أعلنت خمسة أحزاب كردية إيرانية تشكيل «ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران»، ضمّ الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، وحزب الحرية الكردستاني (PAK)، ومنظمة خبات، وكومله الكادحين. ثم انضم حزب كومله الـكردستاني إيران إلى الائتلاف في 4 مارس/آذار، ليصبح الإطار أوسع.[1]

قد يبدو الحدث للوهلة الأولى تطوراً داخلياً في المعارضة الكردية الإيرانية، خصوصاً أن القوى المشاركة أعلنت أن هدفها هو توحيد الصف الكردي، ومواجهة الجمهورية الإسلامية، والدفاع عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره.[2]

لكن توقيت التحالف، وتركيبته، والبيئة الإقليمية التي ولد فيها، تجعل من الصعب التعامل معه باعتباره مجرد اتفاق بين أحزاب متنافسة.

ففي الوقت نفسه تقريباً كانت تركيا تدخل مرحلة جديدة من مسارها مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، بينما كان إقليم كردستان العراق يحتفظ بموقعه كالمساحة التي تتمركز فيها غالبية القوى الكردية الإيرانية، وتتحرك فيها أيضاً شبكات مرتبطة بالـPKK، في حين كانت إيران تدخل مرحلة من التوتر الداخلي والإقليمي غير مسبوقة.

وفي 7 أغسطس/آب 2026 وقعت تركيا والسعودية وباكستان اتفاق دفاع مشترك في مكة، في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب كان الصراع مع إيران أحد عناصرها الأساسية.[3]

هذه التطورات لا تثبت وجود خطة واحدة تجمع كل هذه الملفات. لكنها تجعل من الضروري طرح سؤال مختلف:

هل نشهد إعادة توزيع تدريجية للوظائف داخل الحركة الكردية الإقليمية، بحيث يتحول PKK من الفعل العسكري ضد تركيا إلى مسار تسوية، بينما يتحول PJAK إلى أحد المكونات الرئيسية في الساحة الإيرانية، في الوقت الذي يؤدي فيه إقليم كردستان العراق دوراً غير معلن في تسهيل التواصل والاحتواء بين القوى الكردية المختلفة؟

لا توجد أدلة علنية كافية للقول إن هذه العملية صممتها دولة واحدة. والأرجح أن الصورة أكثر تعقيداً: قرارات كردية مستقلة تتقاطع مع مصالح إقليمية ودولية مختلفة.

وهنا تكمن أهمية المسألة.

التحالف لم يولد في 22 فبراير

أهم تصحيح منهجي ينبغي إدخاله إلى النقاش هو أن الائتلاف لم يظهر فجأة.

فالعملية سبقتها أشهر من الحوار بين القوى الكردية الإيرانية داخل «مركز الحوار والتعاون». وتكشف المعلومات المتاحة أن المفاوضات حول الانتقال من إطار الحوار إلى صيغة ائتلاف سياسي استمرت أشهراً، وأن سبعة أحزاب كانت منخرطة في إطار الحوار الأوسع قبل أن تنضم إليه لاحقاً مجموعة أصغر في الائتلاف المعلن.[4]

بل إن الخلاف لم ينته حتى عشية الإعلان. ففي 12 فبراير/شباط عقدت الأحزاب اجتماعاً لمحاولة إقرار صيغة الائتلاف، إلا أن بعض الأطراف تحفظت على المسودة، فتأجل الإعلان عدة أيام.[5]

هذه التفاصيل مهمة لأنها تضعف الرواية المبسطة التي تقول إن طرفاً خارجياً قرر فجأة تشكيل تحالف وإدخال PJAK إليه.

فالعملية كانت موجودة قبل الإعلان.

والأهم أن PJAK لم يكن طرفاً أُدخل في اللحظة الأخيرة؛ بل كان مشاركاً في مسار الحوار والتفاوض.

إذن، إذا كان هناك تدخل خارجي، فإن السؤال الأكثر دقة ليس:

من صنع التحالف؟

بل:

هل أثرت قوى إقليمية في اتجاه المفاوضات أو شروطها أو النتائج التي انتهت إليها؟

وهذا فرق منهجي أساسي.

لماذا كان وجود PJAK داخل الائتلاف مهماً؟

تكمن أهمية PJAK في أنه يمثل تقليداً سياسياً وتنظيمياً مختلفاً عن التقليد الذي يمثله PDKI.

فالحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني ينتمي إلى تقليد قومي كردي إيراني تاريخي، بينما يرتبط PJAK فكرياً وتنظيمياً بالإرث الأوجلاني وبشبكة PKK.[6]

وبالتالي فإن وجود الحزبين داخل إطار واحد ليس مجرد إضافة عددية.

إنه جمع بين مدرستين سياسيتين ظل بينهما التنافس والخلاف طويلاً.

ولهذا يمكن القول إن إدخال PJAK إلى الائتلاف رفع من وزنه السياسي والعسكري، بينما أعطى الائتلاف نفسه قدرة أكبر على الادعاء بأنه يمثل طيفاً واسعاً من المعارضة الكردية الإيرانية.

وقد تجاوز الاتفاق، بحسب ما أُعلن عنه لاحقاً، مجرد التنسيق السياسي إلى الحديث عن تنسيق عسكري، ولجنة للعلاقات الخارجية، وآليات قيادة مشتركة، والتعامل مع مرحلة انتقالية محتملة في كردستان إيران.[7]

وهنا تظهر النقطة الأكثر أهمية:

التحالف لم يكن مصمماً فقط للتعامل مع الوضع القائم، بل بدأ يتصور ماذا يمكن أن يحدث إذا دخلت إيران مرحلة انتقال سياسي.

هل استُدرج PJAK؟

من الضروري هنا الفصل بين مفهومين مختلفين: الاستدراج وتلاقي المصالح.

لا توجد أدلة كافية تثبت أن PJAK خُدع أو أُدخل في التحالف خلافاً لإرادته.

بل تشير المعطيات المتاحة إلى أن الحزب كان مشاركاً في عملية الحوار وأن قرار التحالف جاء في سياق مفاوضات طويلة.[8]

ومن المنطقي أيضاً أن يرى PJAK في التحالف فرصة استراتيجية.

فالحزب الذي يعمل منفرداً يواجه عدة قيود: محدودية الاعتراف السياسي، منافسة القوى الكردية الأخرى، الضغط الإيراني، الحساسية التركية تجاه ارتباطه بالـPKK، واعتماده الجغرافي على بيئة إقليم كردستان العراق.

أما الانضمام إلى تحالف أوسع فيمنحه مساحة سياسية أكبر، ويجعله جزءاً من جسم كردي يمكن للقوى الدولية والإقليمية التعامل معه.

لذلك، قد لا يكون PJAK قد «استُدرج» أصلاً.

ربما اتخذ قراراً عقلانياً من وجهة نظره.

لكن المشكلة تبدأ في مرحلة لاحقة:

هل يستطيع الحفاظ على استقلال قراره بعد أن أصبح جزءاً من بنية ذات قيمة استراتيجية للقوى الخارجية؟

وهذا سؤال مختلف تماماً.

دور PDKI: وسيط كردي أم أداة خارجية؟

من الخطأ وصف الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني بأنه «وكيل تركي» من دون أدلة.

لكن من الصحيح ملاحظة أن PDKI كان في موقع يسمح له بأداء وظيفة الوسيط داخل المعارضة الكردية الإيرانية.

فهو يمتلك تاريخاً سياسياً طويلاً، وشبكات خارجية، وعلاقات مع قوى كردية مختلفة، ويمكنه التواصل مع أطراف لا تجمعها رؤية أيديولوجية واحدة.

ولهذا يمكن فهم دوره بوصفه جسراً سياسياً أكثر من كونه أداة تابعة لقوة خارجية.

وهنا يمكن اختبار فرضية أكثر دقة:

هل شجعت تركيا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، PDKI على تقريب المسافة مع PJAK؟

حتى الآن لا توجد وثيقة أو شهادة موثوقة تسمح بالإجابة بنعم.

لكن الفرضية تستحق البحث، لأن تركيا كانت في الوقت نفسه تعيد ترتيب علاقتها مع PKK.

وهذا يجعل المسألة ذات أهمية استراتيجية.

تركيا وPKK: بداية فصل جديد؟

في 2026 انتقلت العلاقة بين أنقرة وPKK إلى مرحلة جديدة من النقاش حول نزع السلاح وإعادة الإدماج.

وفي أغسطس/آب قدمت الحكومة التركية مشروع قانون لإعادة إدماج عناصر PKK السابقين، مع استثناء الأشخاص المدانين بجرائم قتل، ومن بينهم عبد الله أوجلان من الاستفادة المباشرة من الإعفاءات المقترحة.[9]

لكن الأهم أن المسار التركي لم يكن مجرد مسألة قانون داخلي.

فالحرب الإقليمية مع إيران أعادت تعقيد العملية، ودفعت أنقرة إلى مراقبة نشاط الجماعات الكردية في إيران والعراق عن كثب.[10]

وفي مارس/آذار أعلنت تركيا صراحة أنها تتابع نشاط PJAK، معتبرة أن نشاطه يمس أمن إيران والاستقرار الإقليمي، بينما كانت في الوقت نفسه تعمل على مسار السلام مع PKK.[11]

هذه المفارقة شديدة الأهمية:

أنقرة تتفاوض مع PKK، لكنها تراقب PJAK.

وهذا يعني أن تركيا لا تتعامل مع الشبكة الكردية باعتبارها كتلة واحدة.

بل يمكن أن تكون بصدد إعادة تعريف وظائف مكوناتها.

فصل PKK عن PJAK؟

هنا تظهر فرضية أكثر عمقاً من فكرة «استخدام PJAK».

إذا نجحت تركيا في إنهاء الحرب مع PKK، فإنها ستحتاج إلى معالجة السؤال التالي:

ماذا يحدث للمكونات المرتبطة فكرياً وتنظيمياً بالـPKK خارج تركيا؟

وتحديداً: PJAK في إيران، والقوى المرتبطة بالـPKK في العراق، وامتدادات المشروع الأوجلاني في سوريا.

قد يكون أحد السيناريوهات أن يتحول PKK إلى إطار سياسي بعد انتهاء الصراع مع تركيا، بينما يحتفظ PJAK بوظيفة مختلفة في إيران.

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن أنقرة تريد ذلك.

بل قد يكون العكس.

تركيا قد تريد فصل الملفات: حل القضية التركية عبر مسار سياسي، ومنع امتداد الحرب إلى الداخل التركي، وفي الوقت نفسه احتواء PJAK ومنع تحوله إلى قوة إقليمية مستقلة.

ولهذا فإن تصريحات أنقرة بشأن PJAK في مارس، ثم موقفها اللاحق من فكرة توظيف جماعات كردية في هجوم بري على إيران، لا تشير إلى سياسة تركية بسيطة تجاه الحزب.[12]

أوجلان ليس دميرتاش

هذه النقطة أساسية لفهم المرحلة المقبلة.

عبد الله أوجلان وصلاح الدين دميرتاش يمثلان مسارين مختلفين داخل القضية الكردية التركية.

أوجلان هو المؤسس التاريخي للـPKK وصاحب التأثير الفكري والتنظيمي على الشبكة الأوجلانية العابرة للحدود.

أما دميرتاش فهو يمثل بصورة أساسية المسار السياسي الكردي الديمقراطي داخل النظام التركي.

ولهذا فإن الفرق بين الرجلين ليس شخصياً فقط، بل استراتيجي.

يمكن القول إن:

دميرتاش يرتبط بسؤال: كيف تُحل القضية الكردية داخل السياسة التركية؟

بينما يرتبط أوجلان بسؤال أوسع:

كيف يعاد تعريف الحركة التي خرجت من الصراع المسلح بعد انتهاء الحرب؟

ومن هنا لا ينبغي تفسير عدم استفادة أوجلان مباشرة من مشروع قانون إعادة الإدماج الحالي باعتباره نهاية الملف.[13]

فالمسار التركي نفسه يقوم على مراحل، وقد يكون ترتيب الملفات جزءاً من استراتيجية تدريجية: نزع السلاح أولاً، ثم إعادة الإدماج، ثم معالجة الملفات السياسية والأكثر حساسية.

أما دميرتاش، فإن ملفه ينتمي إلى طبقة مختلفة تماماً. فهو ليس مجرد جزء من التسوية الأمنية مع PKK، بل يمثل اختباراً لقدرة تركيا على تحويل أي تسوية أمنية إلى مسار سياسي ديمقراطي أوسع.

كردستان العراق: الحلقة التي لا تظهر في البيانات

إذا كان PDKI يمثل جسراً سياسياً، وPJAK يمثل الحلقة الأوجلانية داخل المعارضة الكردية الإيرانية، فإن إقليم كردستان العراق يمثل المساحة التي تسمح لهذين المسارين بالتقاطع.

وهنا يجب التوقف عند الجغرافيا.

عدد من الأحزاب الكردية الإيرانية موجود منذ سنوات داخل إقليم كردستان العراق.

وفي الوقت نفسه توجد فيه شبكات PKK.

والإقليم مرتبط بعلاقات استراتيجية مع تركيا، ويواجه في الوقت نفسه ضغوطاً من إيران بسبب نشاط المعارضة الكردية الإيرانية الموجودة على أراضيه.

وهذا يجعل الإقليم ليس مجرد «مكان للاجتماعات».

إنه عقدة أمنية وسياسية إقليمية.

لماذا قد ترغب أربيل في تقريب وجهات النظر؟

يمكن تفسير ذلك من خلال عدة دوافع محتملة.

وجود أحزاب كردية إيرانية مسلحة داخل الإقليم يضع حكومة كردستان أمام معادلة صعبة.

إيران تنظر إليها باعتبارها تهديداً، بينما لا تستطيع أربيل ببساطة طرد هذه القوى أو إنهاء وجودها.

وقد تعرضت مواقع ومناطق مرتبطة بالمعارضة الكردية الإيرانية داخل الإقليم لضربات إيرانية خلال 2026.[14]

من منظور أربيل، يمكن أن تكون وحدة هذه القوى أسهل في الإدارة من تعدد التنظيمات وتنافسها.

كما أن توحيدها قد يساعد في ضبط مسألة السلاح والحركة والعمليات العسكرية، ويمنح الإقليم جهة سياسية يمكن التفاوض معها بدلاً من التعامل مع عدة تنظيمات منفصلة.

وفي الوقت نفسه، فإن علاقة الإقليم الاستراتيجية بتركيا تجعل أي إعادة ترتيب للقوى الكردية في شمال العراق ذات أهمية لأنقرة أيضاً.

فالخطر بالنسبة إلى أربيل ليس فقط احتمال اندلاع صراع مع إيران، وإنما أيضاً تحول أراضي الإقليم إلى ساحة عمليات مفتوحة تتجاوز قدرة حكومته على التحكم.

ومن هذه الزاوية يمكن أن تكون مصلحة الإقليم في وجود إطار سياسي موحد يمكن التفاوض معه ووضع حدود واضحة لتحركاته.

هل لعبت أربيل فعلاً دور الوسيط؟

هنا يجب أن نكون دقيقين.

لا يوجد حتى الآن دليل علني موثوق يثبت أن حكومة إقليم كردستان قامت بوساطة سرية محددة بين PDKI وPJAK لتشكيل التحالف.

لكن هذا لا يعني أن فرضية الوساطة بلا أساس.

فهناك فرق بين وساطة رسمية معلنة وتسهيل غير معلن للاتصالات.

والنوع الثاني لا يترك بالضرورة وثائق.

وقد يكون في صورة توفير مساحة للقاء، نقل رسائل، تشجيع الأطراف على تخفيف الخلافات، توفير ضمانات سياسية، أو إقناع الأطراف بأن الوحدة أصبحت أفضل من استمرار الانقسام.

لذلك، الأدق وصف دور أربيل بأنه:

دور محتمل في تهيئة البيئة السياسية للتقارب، وليس دوراً مثبتاً في صناعة الاتفاق.

لماذا قد تكون الوساطة الكردستانية أكثر منطقية من «الأمر التركي»؟

لأن الإقليم يمتلك علاقات مع الأطراف المختلفة في وقت واحد.

تركيا تستطيع التأثير على KDP.

وKDP يستطيع التواصل مع القوى الكردية الإيرانية.

والقوى الكردية الإيرانية موجودة على أرض الإقليم.

والـPKK نفسه حاضر تاريخياً في جغرافية شمال العراق.

وبالتالي فإن الرسالة التي تمر عبر أربيل يمكن أن تصل إلى أطراف لا تستطيع أنقرة التواصل معها مباشرة من دون أن تثير حساسية سياسية.

وهنا تظهر قيمة الوسيط غير المباشر.

إذا كانت هناك بالفعل رغبة تركية في تقريب وجهات النظر بين بعض القوى الكردية الإيرانية، فإن مرور الرسالة عبر طرف كردي عراقي قد يكون أكثر منطقية من الاتصال التركي المباشر.

لكن مرة أخرى:

هذا تحليل للآلية المحتملة، وليس إثباتاً أن هذه الآلية استُخدمت فعلاً.

وربما لم يكن هناك «طرف واحد» يدير العملية

من الخطأ البحث دائماً عن عقل واحد يقف خلف كل التطورات.

الشرق الأوسط يعمل في كثير من الأحيان من خلال تلاقي مصالح منفصلة.

قد تكون حسابات PDKI هي توحيد المعارضة الكردية الإيرانية.

وقد تكون حسابات PJAK الحصول على موقع سياسي أقوى في مستقبل إيران.

وقد تكون حسابات أربيل تقليل مخاطر الفصائل الموجودة على أراضيها.

وقد تكون حسابات تركيا إنهاء حرب PKK ومنع انتقال الفوضى الكردية إلى حدودها.

وقد تكون حسابات الولايات المتحدة العثور على شركاء محليين إذا دخلت إيران مرحلة تغيير.

وقد تكون حسابات إسرائيل إضعاف القدرات الإيرانية على الأطراف.

لا يحتاج أي طرف إلى السيطرة الكاملة على الآخرين.

يكفي أن تتقاطع المصالح لفترة معينة.

الحرب مع إيران غيّرت قيمة التحالف

بعد إعلان التحالف بفترة قصيرة دخل الصراع الإيراني مرحلة عسكرية أكثر خطورة.

وفي مارس/آذار نقلت رويترز أن جماعات كردية إيرانية ناقشت مع الولايات المتحدة إمكانية مهاجمة القوات الإيرانية في غرب البلاد.[15]

وبالتزامن أعلنت تركيا أنها تراقب PJAK.

هذه التطورات لا تثبت أن التحالف أنشئ لخدمة الولايات المتحدة أو إسرائيل.

بل إن التسلسل الزمني يقول شيئاً مختلفاً:

التحالف تشكل أولاً، ثم ارتفعت قيمته الاستراتيجية بعد تصاعد الصراع.

وهذا فرق مهم.

فالقوة التي تنشأ لأسباب داخلية قد تتحول لاحقاً إلى أصل استراتيجي لقوى خارجية.

وهنا تحديداً يمكن أن يبدأ «الاحتواء».

تركيا لا تريد بالضرورة استخدام PJAK ضد إيران

هذه من أهم النتائج التي ينبغي ألا تضيع وسط التحليل.

لو كانت تركيا تريد ببساطة تحويل PJAK إلى قوة عسكرية ضد إيران، لكان من المتوقع أن ترحب بتوظيفه في أي عملية عسكرية ضد طهران.

لكن المعطيات اللاحقة تشير إلى موقف أكثر تعقيداً.

فبحسب رويترز، عارضت أنقرة فكرة أمريكية–إسرائيلية قصيرة الأمد لدعم توغل بري كردي في إيران انطلاقاً من العراق، في الوقت الذي كانت فيه تراقب تحركات الجماعات الكردية في إيران والعراق.[16]

وهذا يوحي بأن تركيا تريد شيئاً أكثر دقة:

إضعاف التهديد الإيراني من دون خلق قوة كردية مسلحة مستقلة عن السيطرة الإقليمية.

أي:

احتواء، لا تفويض مفتوح.

هنا يصبح دور كردستان العراق أكثر حساسية

لأن أي استخدام عسكري واسع للجماعات الكردية الإيرانية انطلاقاً من العراق سيضع الإقليم في قلب الصراع.

وبالتالي قد تكون أربيل أمام خيارين: إما السماح بتحول أراضيها إلى منصة عسكرية ضد إيران، أو الدفع نحو صيغة سياسية أكثر تنظيماً للمعارضة الكردية الإيرانية.

ومن هذه الزاوية يمكن أن يكون التقارب بين PDKI وPJAK مفيداً للإقليم حتى لو لم يكن هو الذي صنعه.

فالتحالف يمكن أن يوفر عنواناً سياسياً واحداً بدلاً من عدة قوى مسلحة وسياسية متنافسة.

وهذا قد يجعل الإقليم أكثر قدرة على إدارة علاقاته مع بغداد وأنقرة وطهران وواشنطن في آن واحد.

من «التحالف» إلى «إعادة توزيع الوظائف»

إذا جمعنا العناصر السابقة، تظهر أمامنا فرضية أوسع.

ربما لا يجري بناء تحالف كردي إيراني فحسب.

ربما نشهد إعادة توزيع للوظائف داخل الحركة الكردية الإقليمية.

في هذا السيناريو، يتجه PKK نحو إنهاء الحرب مع تركيا والتحول إلى وظيفة سياسية، بينما يحتفظ PJAK بوظيفة مرتبطة بالساحة الإيرانية، لكنه يدخل إطاراً كردياً إيرانياً أوسع.

ويقدم PDKI الثقل السياسي والقومي والدبلوماسي.

أما إقليم كردستان العراق فيوفر البيئة الجغرافية والسياسية للتواصل والاحتواء.

وفي تركيا يمثل دميرتاش اختباراً للانتقال إلى السياسة الديمقراطية، بينما يبقى أوجلان الملف الأكثر حساسية في إعادة تعريف المشروع الأوجلاني بعد الحرب.

هذه ليست بالضرورة خطة موحدة.

قد تكون ببساطة النتيجة المتراكمة لتغير البيئة الاستراتيجية.

أين يقع التحالف التركي–السعودي–الباكستاني في هذه الصورة؟

اتفاق مكة الدفاعي بين تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس/آب يضيف طبقة جديدة إلى البيئة الإقليمية.[17]

لكن ينبغي عدم ارتكاب خطأ تحليلي شائع:

وجود الاتفاق لا يعني أنه جزء من خطة لتوظيف PJAK.

الوثائق والتصريحات المتاحة تصفه كاتفاق دفاعي، ولا يثبت بذاته وجود علاقة مباشرة بالملف الكردي.

الأهمية الحقيقية للاتفاق بالنسبة إلى موضوعنا ليست أنه «دليل على المؤامرة»، بل أنه يؤكد أن تركيا نفسها تتحرك نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية متعددة الأطراف.

وهذا يجعل قدرتها على إدارة الملف الكردي أكثر أهمية.

فكلما زاد الوزن الإقليمي لتركيا، أصبحت العلاقة بين أنقرة وأربيل وبغداد وطهران وPKK وPJAK جزءاً من معادلة أوسع.

ماذا تريد تركيا من PKK في المرحلة المقبلة؟

إذا نجحت عملية التسوية، فإن الدور المطلوب من PKK قد لا يكون عسكرياً.

بل يمكن أن يتضمن إنهاء الحرب داخل تركيا، وضمان عدم عودة النشاط المسلح، وإعادة تنظيم وجوده في العراق، وإعادة تعريف علاقته بـPJAK، والتأثير في القوى المرتبطة به في سوريا.

وهنا يصبح السؤال الأكثر حساسية:

هل سيبقى PJAK جزءاً من الشبكة التنظيمية الأوجلانية، أم سيتحول إلى حزب كردي إيراني مستقل؟

فإذا كان الهدف التركي هو إنهاء الصراع مع PKK، فإن استمرار بنية عابرة للحدود تربط تركيا وإيران والعراق وسوريا قد يصبح مشكلة جديدة.

ومن ثم قد تكون إحدى نتائج التسوية المطلوبة هي فصل الملفات الكردية عن بعضها.

أوجلان قد يكون مفتاح المرحلة الثانية

قد يكون من الخطأ النظر إلى أوجلان فقط باعتباره ملفاً قانونياً.

إذا كان المطلوب من PKK إنهاء الحرب، فإن الشخص الذي يملك أكبر وزن رمزي وتاريخي في توجيه التنظيم سيظل مهماً في مرحلة ما بعد السلاح.

ولهذا يمكن أن يكون التعامل مع أوجلان ملفاً مؤجلاً لا ملفاً منتهياً.

أما دميرتاش، فإن أهميته تكمن في اختبار مختلف:

هل تستطيع تركيا تحويل التسوية الأمنية إلى حل سياسي ديمقراطي؟

إذا أصبح دميرتاش جزءاً من المجال السياسي مجدداً، فسيكون ذلك مؤشراً على أن العملية تتجاوز نزع السلاح.

أما إذا اقتصر المسار على إنهاء النشاط العسكري، فسيكون من الأدق وصفه بأنه تسوية أمنية.

وهنا تحديداً ينبغي عدم وضع الرجلين في خانة واحدة.

أوجلان يمثل ملف الحركة التي خرجت من الحرب المسلحة.

ودميرتاش يمثل ملف القضية الكردية داخل الحياة السياسية التركية.

وقد تتقاطع القضيتان، لكنهما ليستا القضية نفسها.

الخطر الذي يواجه PJAK

أكبر خطر على PJAK ليس أن ينضم إلى تحالف.

بل أن يتحول التحالف إلى منصة تستقطبه القوى الخارجية.

فإذا أصبح التنظيم ذا قيمة بالنسبة إلى واشنطن أو إسرائيل أو تركيا أو أي قوة إقليمية، فإن السؤال سيصبح:

من يحدد أجندته؟

وقد تكون الإجابة اليوم مختلفة عن الغد.

الدعم الخارجي يمكن أن يمنح التنظيم قوة.

لكنه يمكن أيضاً أن يحوله إلى أداة.

وهنا يجب على PJAK أن يميز بين الاستفادة من التنافس الدولي والتحول إلى طرف في استراتيجية دولة أخرى.

التاريخ الكردي الحديث مليء بأمثلة على أن الفرق بين الاثنين قد يكون ضيقاً جداً.

ماذا يجب أن نراقب؟

لفهم الاتجاه الحقيقي خلال المرحلة المقبلة، ينبغي مراقبة مجموعة من المؤشرات.

وضع أوجلان: هل ينتقل من مجرد ملف أمني إلى عنصر سياسي في التسوية؟

وضع دميرتاش: هل يتحول الإفراج عنه إلى جزء من مسار سياسي حقيقي؟

علاقة PKK بـPJAK: هل يبدأ الفصل التنظيمي والسياسي بينهما؟

علاقة PDKI بـPJAK: هل يستمر التحالف رغم الفوارق الأيديولوجية؟

دور أربيل: هل تتحول حكومة الإقليم إلى قناة اتصال أكثر وضوحاً بين تركيا والقوى الكردية الإيرانية؟

السياسة التركية تجاه الجماعات الكردية الإيرانية: هل تكتفي أنقرة بالمراقبة والاحتواء، أم تنتقل إلى الضغط المباشر؟

وعلاقة الولايات المتحدة بالائتلاف: هل تتعامل واشنطن مع التحالف باعتباره جسماً سياسياً موحداً، أم تختار التعامل مع فصائل محددة؟

هذه المؤشرات أهم من التصريحات العامة.

الخلاصة

حتى الآن لا توجد أدلة كافية للقول إن تركيا طلبت من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني إدخال PJAK في التحالف.

كما لا توجد أدلة علنية كافية لإثبات أن حكومة إقليم كردستان لعبت دور الوسيط السري المباشر في الصفقة.

لكن الأدلة المتاحة تسمح باستنتاج أكثر حذراً وأكثر قوة:

التحالف كان نتيجة مسار كردي إيراني سابق، استمر أشهراً، وشارك فيه PJAK نفسه. غير أن هذا المسار تشكل داخل بيئة إقليمية جعلت نتائجه ذات أهمية لتركيا وإقليم كردستان والقوى الدولية.

ومن هنا يمكن النظر إلى PDKI باعتباره جسراً سياسياً، وإلى PJAK باعتباره حلقة تربط المشروع الأوجلاني بالساحة الإيرانية، وإلى كردستان العراق باعتبارها المساحة الجغرافية والسياسية التي تسمح لهذه الشبكات بالتقاطع.

أما تركيا، فليست بالضرورة صانعة هذا المسار.

لكنها طرف لا يمكن تجاهله في تحديد نهايته.

فأنقرة تخوض عملية إعادة تعريف لعلاقتها بـPKK، وفي الوقت نفسه تراقب PJAK، وتريد منع أي تحول للحدود العراقية والإيرانية إلى مصدر جديد للتهديد الكردي المسلح.

وهذا يقود إلى الفرضية الأكثر ترجيحاً:

لم تستدرج تركيا بالضرورة PJAK إلى التحالف؛ ربما دخل PJAK إليه بإرادته، لكن البيئة الإقليمية الجديدة قد تكون بصدد تحويل هذا القرار المستقل إلى جزء من إعادة توزيع أوسع للوظائف داخل الحركة الكردية.

وهنا يصبح الدور المحتمل لكردستان العراق بالغ الأهمية.

فقد لا تكون أربيل هي التي صنعت التحالف، لكنها قد تكون المكان الذي أمكن فيه تقريب المسافات، ونقل الرسائل، وتخفيف التنافس، واحتواء الخلافات بين قوى يصعب عليها أن تثق ببعضها بصورة مباشرة.

وفي هذه الحالة، لا ينبغي البحث عن «صفقة سرية واحدة».

الأرجح أن ما يحدث هو تلاقي مصالح متعدد المستويات:

PDKI يريد الوحدة.

PJAK يريد موقعاً أقوى في مستقبل إيران.

أربيل تريد إدارة المخاطر على أرضها.

تركيا تريد إنهاء حرب PKK ومنع ولادة تهديد كردي جديد على حدودها.

الولايات المتحدة تبحث عن أدوات ضغط على إيران.

والقوى الإقليمية الأخرى تريد إعادة صياغة ميزان القوى.

كل طرف يتحرك لحسابه، لكن النتائج قد تتقاطع.

وهنا تحديداً تكمن أهمية المرحلة المقبلة.

فإذا تحول PKK من تنظيم يخوض حرباً مع تركيا إلى طرف في تسوية سياسية، وفي الوقت نفسه أصبح PJAK جزءاً من ائتلاف كردي إيراني منظم، وأعيد تعريف وضع أوجلان لاحقاً، بينما استُعيد دميرتاش إلى المجال السياسي، فإننا لن نكون أمام مجرد «سلام تركي–كردي».

سنكون أمام احتمال أكبر:

إعادة هندسة للفضاء السياسي الكردي في الشرق الأوسط.

وفي هذه الهندسة ستكون كردستان العراق أكثر من مجرد ساحة جغرافية؛ قد تكون المفصل الصامت الذي تمر عبره الاتصالات بين أنقرة وأطراف كردية مختلفة، وبين المعارضة الكردية الإيرانية والقوى الدولية.

لكن الحكم النهائي على هذا الدور يجب أن ينتظر الدليل.

فالمطلوب في هذه المرحلة ليس إثبات مؤامرة، وإنما اكتشاف بنية المصالح التي تجعل المؤامرة غير ضرورية أصلاً.

وهذا ربما يكون التفسير الأكثر واقعية لما يحدث.

ملاحظات ومراجع

[1] UK Home Office, Country Policy and Information Note: Iran — Kurds and Kurdish Political Groups, May 2026؛ وبيانات الائتلاف والقوى المشاركة في فبراير/شباط ومارس/آذار 2026.

[2] Washington Kurdish Institute, Kurdistan Digest: February 2026، بشأن أهداف الائتلاف ومبادئه المعلنة.

[3] Reuters, “Saudi Arabia, Turkey, Pakistan pledge mutual defence as Middle East turmoil escalates,” 7 August 2026.

[4] UK Home Office, Iran: Kurds and Kurdish Political Groups, May 2026،

[5] Rojin Mukriyan and Kawe Fatehi, “Iranian Kurdish Parties Delay Landmark Coalition Agreement,” 17 February 2026،

[6] Institute for the Study of War (ISW), Iran Update, February 2026؛ وWashington Kurdish Institute، Kurdistan Digest: February 2026.

[7] UK Home Office, Iran: Kurds and Kurdish Political Groups, May 2026،

[8] Kurdish Peace Institute, Lara Jalal, “The Coalition of Political Forces of Iranian Kurdistan: Risks and Opportunities,” 1 March 2026.

[9] Reuters, “Turkey unveils draft law to reintegrate PKK militants, achieve peace,” 5 August 2026.

[10] Reuters, Jonathan Spicer and Ahmed Rasheed, “Iran war brings Turkey-PKK peace process to near standstill,” 13 May 2026.

[11] Reuters, “Turkey says it is closely following actions of Iranian Kurdish PJAK militant group,” 5 March 2026.

[12] Reuters, “Iran war brings Turkey-PKK peace process to near standstill,” 13 May 2026.

[13] Associated Press, “Bill aiming for peace between Turkey and Kurdish fighters goes to parliament,” August 2026؛ وReuters، 5 August 2026.

[14] Democratic Party of Iranian Kurdistan (PDKI), “Press Release: Iran Continues Targeting Kurdish Civilians in Iraq’s Kurdistan Region,” April 2026.

[15] Reuters, “The Kurdish opposition on Iran’s border,” 6 March 2026.

[16] Reuters, Jonathan Spicer and Ahmed Rasheed, “Iran war brings Turkey-PKK peace process to near standstill,” 13 May 2026.

[17] Reuters, “Saudi Arabia, Turkey, Pakistan pledge mutual defence as Middle East turmoil escalates,” 7 August 2026.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

من الأشرفية وزحلة إلى النبطية: حين لا يتوقف السلاح إلا عندما تصبح كلفته أكبر من قدرته على فرض أجندته

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أمام مشاهد الدمار المتسع في الجنوب اللبناني، ومع انتقال...

السلطة قادرة(إن أرادت) وقف هدايا حزب الله للعدو: تدمير كل منطقة النبطية وإلحاقها بجنوب الليطاني!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالحكل المسؤولية عما يجري الآن من إستكمال تدمير منطقة النبطية...