أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات عسكرية وأمنية واسعة لا يبدو، عند جمع تفاصيله ووضعها في سياقها السياسي، مجرد عملية اعتيادية لاستكمال الشواغر التي خلّفتها الحرب. ففي غضون أيام قليلة، أعيد تشكيل رأس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والقيادة العليا للحرس الثوري، والقيادة البحرية للحرس، ومنظمة البسيج، فيما نُقل أحد أبرز القادة التاريخيين للحرس الثوري، محسن رضائي، إلى موقع بالغ الحساسية في قلب منظومة الأمن القومي.¹
الأكثر إثارة للاهتمام أن هذه القرارات جاءت باسم المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الذي تولى موقعه في مارس/آذار 2026، لكنه بقي بعيداً إلى حد كبير عن الظهور العلني منذ توليه السلطة. وقد أدى هذا الغياب إلى تكاثر الأسئلة حول وضعه الصحي وطبيعة آلية اتخاذ القرار في طهران.²
ولا توجد، حتى الآن، أدلة علنية كافية تسمح بالقول إن مجتبى خامنئي عاجز عن ممارسة سلطاته أو أن هناك انقلاباً عسكرياً وقع بالفعل. بل إن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أعلن في الأيام الأخيرة أنه عقد اجتماعاً مطولاً مع خامنئي، فيما أكدت مصادر رسمية إيرانية استمرار ممارسة المرشد لصلاحياته.³ لكن استمرار الغياب عن المشهد العام، بالتزامن مع صدور قرارات مصيرية باسمه، يجعل سؤالاً واحداً أكثر إلحاحاً:
من يحكم إيران فعلاً؟ ومن يملك القدرة على اتخاذ القرارات باسم المرشد وتنفيذها داخل الجيش والحرس والأجهزة الأمنية؟
هنا تحديداً تكتسب التعيينات الأخيرة أهميتها.
فما يجري قد لا يكون «انقلاباً» بالمعنى العسكري التقليدي، لكنه قد يمثل إعادة ترتيب عميقة لمراكز القوة داخل النظام، أو صراعاً على السلطة داخل السلطة نفسها.
مجتبى خامنئي: سلطة حاضرة في القرارات وغائبة عن المشهد
منذ انتقال منصب المرشد إلى مجتبى خامنئي، أصبح أحد أكثر عناصر المشهد الإيراني إثارة للجدل هو الفارق بين الحضور الرسمي للمرشد وغيابه العلني.
فالمؤسسات الإيرانية تنشر بيانات ورسائل وقرارات باسمه، وقد أصدر خلال الفترة الأخيرة أحكاماً شملت القضاء والمؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية. كما يؤكد النظام أنه يمارس صلاحياته بصورة طبيعية.⁴
في المقابل، أثار غيابه عن الظهور العام تساؤلات متكررة حول وضعه الصحي والأمني. وقد نشرت مصادر إيرانية معارضة في 6 أغسطس/آب تقارير نقلاً عن مصادر قريبة من حكومة بزشكيان تتحدث عن مخاوف بشأن حالته الصحية، بينما قالت مصادر أخرى إن الغياب يرتبط بإجراءات أمنية مشددة.⁵
لكن التطور الأكثر أهمية جاء في الاتجاه المعاكس: ففي 9 أغسطس/آب، نقلت رويترز أن بزشكيان التقى مجتبى خامنئي في اجتماع مطول، وأن الرئيس الإيراني تحدث عن حالته الصحية بصورة إيجابية.⁶
وبالتالي فإن الصورة الدقيقة ليست أن «مجتبى خامنئي غائب عن الحكم»، فهذا غير مثبت، وإنما أن طبيعة ممارسة السلطة في ظل غيابه عن المجال العام أصبحت أقل شفافية مما كانت عليه في عهد والده.
وهذا الفارق مهم.
فإذا كان مجتبى هو صاحب القرارات فعلاً، فإن ما يجري يمثل عملية مبكرة وشاملة لإعادة بناء مؤسسات القوة حول قيادته.
أما إذا كانت القرارات تمر عبر دائرة محدودة من المقربين والمؤسسات الأمنية والعسكرية، فإن السؤال يصبح أكثر تعقيداً: من يملك فعلياً القدرة على الوصول إليه، ومن يحدد الخيارات التي توضع أمامه، ومن يضمن تنفيذها؟
محسن رضائي: عودة الحرس إلى قلب الأمن القومي
أكثر التعيينات السياسية دلالة كان تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفاً لمحمد باقر زولقدر.⁷
رضائي ليس مجرد شخصية سياسية محافظة؛ فهو أحد القادة التاريخيين للحرس الثوري، وقاد المؤسسة خلال معظم سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية، قبل أن ينتقل إلى مواقع سياسية واقتصادية عليا.
لكن أهمية تعيينه لا تكمن في منصب الأمين وحده.
فمجتبى خامنئي عيّن رضائي أيضاً ممثلًا له في المجلس الأعلى للأمن القومي.⁸
وهنا تظهر دلالة مزدوجة.
فالرجل الذي قاد الحرس الثوري في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية أصبح الآن في موقع تنفيذي داخل أهم مؤسسة تنسق ملفات الحرب والأمن والسياسة الخارجية، وفي الوقت نفسه يحمل تفويضاً مباشراً من المرشد لتمثيله داخل المجلس.
وفي المقابل، لم يُقصَ محمد باقر زولقدر بالكامل، بل عُيّن مستشاراً سياسياً للمرشد.⁹
أي أن العملية تبدو أقرب إلى إعادة توزيع للأدوار داخل الدائرة العليا للسلطة منها إلى مجرد إقالة وتعيين.
وهذا يعيد الحرس الثوري، بصورة مباشرة، إلى مركز صناعة القرار الأمني.
علي عبداللهي: إعادة بناء رأس المؤسسة العسكرية
في 10 أغسطس/آب، أصدر مجتبى خامنئي ستة أحكام عسكرية وأمنية متزامنة، شملت أهم مراكز القيادة في القوات المسلحة والحرس والبسيج.¹⁰
كان أولها تعيين اللواء علي عبداللهي رئيساً لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة.
وهذا الموقع يمثل مركز التنسيق الأعلى بين القوات المسلحة الإيرانية بمختلف تشكيلاتها.
وقد جاء تعيين عبداللهي بعد مقتل رئيس هيئة الأركان السابق عبد الرحيم موسوي خلال الحرب. وطلب منه المرشد الجديد رفع الجاهزية الدفاعية والأمنية، وتحسين قدرة القوات المسلحة على مواجهة التهديدات العسكرية الحديثة، بما فيها التهديدات «المعرفية» و«المركبة». كما نص القرار على استكمال عملية دمج هيئة الأركان العامة مع مقر خاتم الأنبياء المركزي.¹¹
وهذه النقطة الأخيرة مهمة للغاية.
فالمسألة ليست فقط تعيين قائد جديد، بل إعادة تنظيم هيكل القيادة والسيطرة العسكرية نفسه.
بمعنى آخر، فإن القيادة الجديدة لا تحاول فقط ملء الفراغات، وإنما تبدو وكأنها تستغل مرحلة ما بعد الحرب لإعادة بناء منظومة القيادة العسكرية.
كيومرث حيدري: الرجل الثاني في هيئة الأركان
في القرار نفسه، عُيّن العميد كيومرث حيدري نائباً لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة.¹²
وحيدري شخصية عسكرية مخضرمة سبق أن قاد القوات البرية للجيش الإيراني.
وبذلك أصبح رأس هيئة الأركان مكوناً من:
علي عبداللهي — رئيس هيئة الأركان العامة
كيومرث حيدري — نائب رئيس هيئة الأركان العامة
وهو ترتيب يعكس رغبة في تثبيت القيادة العسكرية بسرعة بعد الخسائر التي تعرضت لها المؤسسة خلال الحرب.
لكن الأهم أن هذه القيادة الجديدة تأتي بالتوازي مع إعادة تشكيل الحرس الثوري، أي أن عملية إعادة البناء لا تقتصر على الجيش التقليدي، وإنما تشمل كل مكونات القوة العسكرية الإيرانية.
أحمد وحيدي: عودة الجيل القديم إلى قيادة الحرس
التعيين الأكثر أهمية داخل الحرس الثوري كان أحمد وحيدي قائداً عاماً للحرس الثوري.
وحيدي من أبرز الشخصيات التاريخية في المؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية. فقد شغل سابقاً مواقع عليا داخل الحرس، وارتبط بقوة القدس، كما تولى وزارة الدفاع ووزارة الداخلية.
وقد منحه مجتبى خامنئي رتبة لواء عند تعيينه قائداً عاماً للحرس، خلفاً لمحمد باكبور الذي قُتل خلال الحرب.¹³
الأهمية السياسية لهذا القرار تتجاوز مجرد استبدال قائد قُتل في الحرب.
فالحرس الثوري ليس مؤسسة عسكرية تقليدية فحسب، وإنما مؤسسة تمتد إلى السياسة والأمن والاستخبارات والاقتصاد والأمن الداخلي.
ومن ثم فإن اختيار قائد الحرس يعني، في جزء كبير منه، اختيار نوع القيادة التي يريدها المرشد في المرحلة المقبلة.
والرسالة هنا تبدو واضحة: بدلاً من الانتقال إلى جيل جديد بالكامل، جرى استدعاء شخصية من الجيل التاريخي للحرس، تمتلك خبرة طويلة في الحرب والمؤسسة الأمنية والدولة.
مصطفى إيزدي: تثبيت القيادة الثانية للحرس
في الوقت نفسه، عُيّن اللواء مصطفى إيزدي نائباً للقائد العام للحرس الثوري.¹⁴
وإيزدي أيضاً من الشخصيات العسكرية المخضرمة التي تمتلك خبرة طويلة في البنية العملياتية والأمنية للحرس.
وبذلك تشكلت القيادة الجديدة للحرس على النحو الآتي:
أحمد وحيدي — القائد العام
مصطفى إيزدي — نائب القائد العام
وهو أمر يستحق الانتباه، لأن المؤسسة التي تمثل أحد أهم أعمدة النظام السياسية والأمنية أصبحت تحت قيادة شخصيتين من الجيل القديم، في وقت تعيش فيه الجمهورية الإسلامية مرحلة مواجهة عسكرية وأمنية شديدة الحساسية.
علي عظمايي: السيطرة على الذراع البحرية للحرس
أما الأميرال علي عظمايي فقد عُيّن قائداً للقوة البحرية للحرس الثوري.¹⁵
وجاء القرار بعد مقتل قائد القوة البحرية السابق علي رضا تنكسيري خلال الحرب.
وطلب منه القرار الجديد تطوير التدريب والمهارات والمعدات البحرية، وتعزيز «الإشراف الاستخباراتي» والجاهزية القتالية، إضافة إلى تعزيز التنسيق مع بقية مكونات الحرس والجيش.
وهذا التعيين مهم بصورة خاصة بسبب موقع إيران في الخليج ومضيق هرمز.
فالقوة البحرية للحرس تمثل أحد أهم أدوات إيران في استراتيجية الردع والحرب غير المتكافئة، وبالتالي فإن إعادة قيادتها بعد الحرب ليست مجرد عملية إدارية.
إنها جزء من إعادة بناء قدرة إيران على الردع البحري وإدارة أي مواجهة مقبلة.
حسين طائب: الرسالة الأمنية الأكثر حساسية
لكن ربما يكون تعيين حسين طائب رئيساً لمنظمة البسيج أكثر أهمية من الناحية الأمنية الداخلية.
طائب كان سابقاً رئيساً لمنظمة استخبارات الحرس الثوري، وقبل ذلك شغل موقع قيادة البسيج.
وبالتالي فإن انتقاله مجدداً إلى البسيج يعني عودة شخصية ذات خبرة استخباراتية واسعة إلى رأس المؤسسة التي تمتلك شبكة اجتماعية ومحلية واسعة داخل المدن والمجتمعات الإيرانية.¹⁶
وهنا يصبح القرار أكثر من مجرد تغيير إداري.
فالبسيج يمثل إحدى الأدوات الرئيسية للنظام في التعبئة الشعبية، والأمن الداخلي، ومواجهة الاضطرابات والاحتجاجات.
أما طائب، فيحمل معه خبرة طويلة في الاستخبارات والأمن السياسي.
وبالتالي يمكن قراءة التعيين باعتباره تقوية للبعد الاستخباراتي داخل منظومة الأمن الداخلي.
وهذه الرسالة تصبح أكثر أهمية إذا كانت القيادة الإيرانية تتوقع مرحلة من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعد الحرب.
ستة تعيينات في يوم واحد: إعادة رسم لخريطة القوة
إذا نظرنا إلى كل قرار بصورة منفصلة، يمكن تفسيره بأنه استجابة للخسائر التي لحقت بالقوات المسلحة خلال الحرب.
لكن جمع القرارات الستة مع تعيين محسن رضائي في المجلس الأعلى للأمن القومي يكشف صورة مختلفة تماماً.
في أيام قليلة، تغيرت قيادة:
هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة
نائب رئيس هيئة الأركان
الحرس الثوري
نائب قائد الحرس
القوة البحرية للحرس
منظمة البسيج
وفي الوقت نفسه، دخل محسن رضائي إلى مركز القرار الأمني الوطني.¹⁷
وهذا يعني أن عملية التغيير لم تستهدف مؤسسة واحدة.
لقد طالت كل طبقات القوة الصلبة تقريباً في الدولة الإيرانية.
الجيش.
الحرس.
البسيج.
الأمن القومي.
وهي المؤسسات التي تشكل في النهاية العمود الفقري لبقاء النظام.
هل نحن أمام «انقلاب داخل السلطة»؟
هنا يجب استخدام المصطلح بحذر.
لا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت وقوع انقلاب عسكري أو أن الحرس الثوري استولى على السلطة من المرشد.
لكن يمكن النظر إلى ما يحدث باعتباره انقلاباً مؤسسياً أو إعادة تموضع عميقة داخل النظام، بمعنى انتقال مركز الثقل من مجموعة من الشخصيات والمؤسسات إلى مجموعة أخرى دون تغيير الشكل الدستوري للدولة.
وهذا النوع من التحولات قد يكون أكثر أهمية من الانقلاب العسكري التقليدي.
ففي النظام الإيراني، لا تحتاج مؤسسة ما إلى إعلان سيطرتها على الدولة حتى تصبح صاحبة الوزن الأكبر في القرار.
يكفي أن تسيطر، أو أن تمتلك نفوذاً كبيراً، على:
- القيادة العسكرية؛
- الحرس الثوري؛
- الأجهزة الأمنية؛
- المجلس الأعلى للأمن القومي؛
- البسيج؛
- قنوات الوصول إلى المرشد.
وعندما ننظر إلى التعيينات الأخيرة من هذه الزاوية، تظهر صورة تستحق التوقف عندها.
عودة الحرس إلى مركز القرار
محسن رضائي في المجلس الأعلى للأمن القومي.
أحمد وحيدي في قيادة الحرس.
مصطفى إيزدي نائباً له.
علي عظمايي في قيادة البحرية.
حسين طائب في البسيج.
هذه ليست أسماء هامشية.
إنها شخصيات مرتبطة بصورة مباشرة أو تاريخية بالبنية الصلبة للحرس والمؤسسة الأمنية.
ومن هنا يمكن طرح فرضية مهمة:
هل يحاول مجتبى خامنئي، في بداية عهده، بناء قاعدة سلطته عبر الشخصيات الأكثر خبرة وولاءً داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن التعيينات تمثل محاولة لتثبيت سلطة المرشد الجديد من خلال المؤسسة التي أثبتت، تاريخياً، أنها الأكثر قدرة على حماية النظام في أوقات الأزمات.
لكن المفارقة أن هذا الخيار قد يؤدي في الوقت نفسه إلى نتيجة معاكسة.
فكلما ازدادت قوة الحرس داخل منظومة الحكم، أصبح من الصعب الفصل بين سلطة المرشد وسلطة المؤسسة العسكرية التي تحميه.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي حول طبيعة النظام المقبل.
هل يتحول النظام من «حكم المرشد» إلى «حكم شبكة»؟
كان النظام في عهد علي خامنئي يقوم على مركزية شديدة حول شخص المرشد، مع وجود مؤسسات قوية تحيط به وتنفذ قراراته.
أما المرحلة الحالية فقد تتجه إلى نموذج مختلف.
نموذج تكون فيه السلطة موزعة بين:
المرشد
والحرس الثوري
والمؤسسات الأمنية
والمجلس الأعلى للأمن القومي
والدائرة السياسية والأمنية المحيطة بالمرشد.
وهذا لا يعني أن المرشد فقد السلطة.
بل يعني أن ممارسة السلطة قد تصبح أكثر اعتماداً على شبكة من المؤسسات والشخصيات التي تمتلك القدرة على ترجمة إرادة المرشد إلى قرارات عملية.
وفي مثل هذا النظام، تصبح هوية الأشخاص الذين يشغلون المناصب أكثر أهمية من المناصب نفسها.
لماذا الآن؟
التوقيت هو أحد أهم عناصر القصة.
التعيينات جاءت بعد حرب أوقعت خسائر كبيرة في القيادة العسكرية والأمنية الإيرانية، وفي وقت لا تزال فيه المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل تلقي بثقلها على القرار الإيراني.
ومن الطبيعي أن يؤدي فقدان عدد من كبار القادة إلى إعادة ترتيب القيادة.
لكن ما يثير الانتباه هو اتساع الحزمة وتزامنها.
فلو كان الهدف فقط ملء الفراغات، لكان من الممكن إصدار التعيينات تدريجياً.
أما جمع رأس هيئة الأركان وقيادة الحرس ونائب قائد الحرس وقيادة البحرية والبسيج، بالتوازي مع إدخال رضائي إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، فيعطي الانطباع بأن هناك تصوراً أوسع لإعادة بناء القيادة.
وهذا ما يجعل فرضية إعادة تشكيل السلطة أكثر جدية.
العامل الصحي لمجتبى خامنئي: سؤال مفتوح لا حقيقة محسومة
لا يمكن تجاهل التقارير المتعلقة بصحة مجتبى خامنئي، لكن لا ينبغي تحويلها إلى حقيقة قبل وجود أدلة مستقلة.
ففي 6 أغسطس/آب، نشرت إيران واير تقريراً استند إلى مصدرين قريبين من حكومة بزشكيان تحدثا عن مخاوف بشأن تدهور صحة المرشد الجديد.¹⁸
وفي المقابل، ظهرت خلال الأيام التالية تصريحات رسمية وشبه رسمية تهدف إلى نفي أو تخفيف هذه الشائعات، فيما تحدث بزشكيان عن اجتماع طويل مع خامنئي.¹⁹
وهذا التناقض نفسه جدير بالاهتمام.
فحتى لو كانت صحة مجتبى جيدة بالفعل، فإن استمرار الغياب العلني ووجود روايات متضاربة حول وضعه الصحي يخلق فراغاً في المعلومات يمكن أن يتحول إلى عامل سياسي بحد ذاته.
وفي الأنظمة التي تقوم على شخصية القائد، فإن الغموض حول صحة القائد قد يصبح جزءاً من الصراع على السلطة، حتى قبل أن يكون هناك صراع معلن.
ما الذي قد يحدث لاحقاً؟
إذا كانت التعيينات الأخيرة هي المرحلة الأولى فقط، فإن الخطوة التالية التي يجب مراقبتها ستكون التغييرات في المؤسسات الاستخباراتية والأمنية الأكثر حساسية.
فحتى الآن، لم تتضح بصورة كاملة جميع حلقات إعادة تشكيل منظومة الاستخبارات بعد الحرب.
وهنا سيكون السؤال:
هل سيجري تعيين شخصيات جديدة في أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي تتماشى مع التركيبة الجديدة للحرس؟
إذا حدث ذلك، فإن فرضية إعادة الهيكلة الشاملة ستصبح أقوى بكثير.
أما إذا توقفت التغييرات عند الجيش والحرس والبسيج، فقد يكون التفسير الأقرب هو إعادة بناء القيادة العسكرية بعد الحرب.
بين تثبيت النظام وانهيار توازناته
هناك قراءتان رئيسيتان لما يحدث.
القراءة الأولى ترى أن النظام الإيراني يقوم بما تفعله أي دولة تعرضت لخسائر عسكرية كبيرة: إعادة بناء القيادة، ملء الفراغات، وتعزيز القدرة على الردع.
أما القراءة الثانية فتذهب أبعد من ذلك.
وفق هذه القراءة، كشفت الحرب نقاط ضعف في بنية النظام، ووفرت للقيادة الجديدة فرصة لإعادة توزيع القوة وإقصاء أو إعادة تموضع شخصيات ومؤسسات، وبناء شبكة جديدة من الولاءات.
والاختيار بين القراءتين لن يحسمه خطاب رسمي.
بل ستحسمه التعيينات المقبلة.
فإذا استمرت التغييرات لتشمل الاستخبارات والأمن الداخلي والمؤسسات السياسية، فإننا سنكون أمام عملية إعادة بناء حقيقية لمركز السلطة.
الخلاصة
ما يجري في إيران اليوم يستحق أن يُقرأ باعتباره أكثر من مجرد سلسلة تعيينات عسكرية.
ففي فترة زمنية قصيرة، أعيد بناء رأس هيئة الأركان العامة، وتعيين قيادة جديدة للحرس الثوري، وإعادة تشكيل قيادة البحرية والبسيج، فيما نُقل محسن رضائي إلى قلب المجلس الأعلى للأمن القومي، مع منحه في الوقت نفسه تمثيل المرشد داخل المجلس.²⁰
والقاسم المشترك بين هذه القرارات هو أنها تعيد إلى الواجهة شخصيات ذات خبرة طويلة في الحرس الثوري والأمن والحرب.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: لماذا تغير هؤلاء القادة؟
بل:
لماذا اختير هؤلاء تحديداً؟
ولماذا في هذه اللحظة؟
وإذا كانت هذه القرارات صادرة بالفعل عن مجتبى خامنئي، فإنها تكشف شيئاً مهماً عن بداية عهده: إنه يعتمد على المؤسسة الأمنية والعسكرية القديمة لإعادة تثبيت سلطته.
أما إذا كانت هناك دائرة أوسع تتولى إدارة القرارات باسمه، فإن السؤال يصبح أخطر:
من يملك القرار داخل الدائرة التي تحكم باسم المرشد؟
هنا تكمن أهمية المرحلة.
فإيران قد لا تكون أمام انقلاب عسكري بالمعنى التقليدي، ولا توجد أدلة كافية حتى الآن لإثبات أن مجتبى خامنئي فقد القدرة على الحكم.
لكنها تبدو أمام إعادة توزيع استثنائية للقوة داخل النظام.
وقد يكون ما نشهده بداية انتقال من نموذج يقوم على مركزية القرار في شخص المرشد إلى نموذج أكثر تعقيداً، تتقاسم فيه السلطة شبكة من المرشد والحرس والمؤسسات الأمنية ومراكز القرار العسكري.
ولهذا فإن عبارة «صراع على السلطة داخل السلطة» تبدو، في هذه المرحلة، أكثر دقة من الحديث عن انقلاب مكتمل الأركان.
فالانقلاب الحقيقي، إن كان هناك واحد في الطريق، لن يبدأ بالضرورة بإعلان إسقاط النظام.
قد يبدأ بتغيير الأشخاص الذين يملكون مفاتيح القوة.
وهذا بالضبط ما يجعل تعيينات أغسطس/آب 2026 مهمة.
إنها لا تخبرنا فقط من أصبح قائداً للجيش أو الحرس.
إنها قد تكون مؤشراً مبكراً إلى من يريد أن يكون صاحب القرار الحقيقي في طهران خلال المرحلة المقبلة.
Notes
[1] مكتب المرشد الإيراني، «تعيين ستة من كبار القادة في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة والحرس الثوري والبسيج»، 10 أغسطس/آب 2026. يتضمن القرار تعيين علي عبداللهي، كيومرث حيدري، أحمد وحيدي، مصطفى إيزدي، علي عظمايي وحسين طائب. (Leader)
[2] Japan Times، «How the absence of Iran’s new supreme leader is shaping his role»، 11 يوليو/تموز 2026؛ وAl-Monitor، «Mojtaba Khamenei absence signals shifting role for Iran leader»، 10 يوليو/تموز 2026. (Japan Times)
[3] Reuters، «Iran’s Pezeshkian recently met Supreme Leader Khamenei»، 9 أغسطس/آب 2026؛ وReuters، «Mohsen Rezaei appointed as secretary of Iran’s top security body»، 10 أغسطس/آب 2026. (Reuters)
[4] الموقع الرسمي لمكتب المرشد الإيراني، بيانات ورسائل مجتبى خامنئي خلال عام 2026، بما في ذلك القرارات المتعلقة بالمؤسسات العسكرية والقضائية والأمنية. (Leader)
[5] IranWire، «Exclusive: Iranian Leaders are Concerned About Mojtaba Khamenei’s Worsening Health»، 6 أغسطس/آب 2026. التقرير يستند إلى مصدرين قالت الصحيفة إنهما قريبان من إدارة الرئيس بزشكيان. (IranWire)
[6] Reuters، «Iran’s Pezeshkian recently met Supreme Leader Khamenei»، 9 أغسطس/آب 2026. (Reuters)
[7] Reuters، «Mohsen Rezaei appointed as secretary of Iran’s top security body»، 10 أغسطس/آب 2026. (Reuters)
[8] مكتب المرشد الإيراني، «تعيين الدكتور محسن رضائي ممثلاً للمرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي»، 9 أغسطس/آب 2026. (Leader)
[9] مكتب المرشد الإيراني، «تعيين محمد باقر زولقدر مستشاراً سياسياً للمرشد»، 9 أغسطس/آب 2026. (Leader)
[10] مكتب المرشد الإيراني، «تعيين ستة من كبار القادة في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة والحرس الثوري والبسيج»، 10 أغسطس/آب 2026. (Leader)
[11] المصدر نفسه. ينص قرار تعيين علي عبداللهي على رفع الجاهزية الدفاعية والأمنية ومواجهة التهديدات العسكرية والمعرفية والمركبة، واستكمال دمج هيئة الأركان مع مقر خاتم الأنبياء المركزي. (Leader)
[12] المصدر نفسه، قرار تعيين كيومرث حيدري نائباً لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة. (Leader)
[13] المصدر نفسه، قرار تعيين أحمد وحيدي قائداً عاماً للحرس الثوري ومنحه رتبة لواء. (Leader)
[14] المصدر نفسه، قرار تعيين مصطفى إيزدي نائباً للقائد العام للحرس الثوري. (Leader)
[15] المصدر نفسه، قرار تعيين علي عظمايي قائداً للقوة البحرية للحرس الثوري. (Leader)
[16] المصدر نفسه، قرار تعيين حسين طائب رئيساً لمنظمة البسيج؛ كما تناولت مصادر إيرانية ودولية خبرته السابقة في منظمة استخبارات الحرس. (Leader)
[17] مكتب المرشد الإيراني، حزمة التعيينات العسكرية الستة، مع قرار تعيين محسن رضائي ممثلاً للمرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي. (Leader)
[18] IranWire، «Exclusive: Iranian Leaders are Concerned About Mojtaba Khamenei’s Worsening Health»، 6 أغسطس/آب 2026. (IranWire)
[19] Reuters، «Iran’s Pezeshkian recently met Supreme Leader Khamenei»، 9 أغسطس/آب 2026؛ كما أفادت تقارير لاحقة عن محاولة وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية مواجهة الشائعات المتعلقة بصحة المرشد. (Reuters)
[20] مكتب المرشد الإيراني وReuters، بشأن تعيينات القيادة العسكرية وتعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلاً للمرشد فيه. (Leader)



