أخباركم – أخبارنا / فاطمة حوحو
برزت أخيرا في ملف المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية التي انعقدت في روما ما بين 4 و6 آب الجاري تحت الرعاية الأميركية، قضية المعتقلين اللبنانيين، بحيث بدا أن مسار هذه القضية ليس قضية مستقلة، بل يدخل في صلب التفاوض، ويتداخل بكل ما يجري البحث فيه في السياق التفاوضي بدءا من موضوع الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، مرورا بترتيبات الحدود، وآلية التحقق من نزع سلاح حزب الله، وأخيرا محاولة إسرائيل الإعلامية لإعادة ملفات الحرب الأهلية اللبنانية القديمة إلى الواجهة لإرباك المفاوضين اللبنانيين.
ففي جولة المفاوضات الأخيرة، طالب لبنان حسب مصادر إعلامية بمعرفة عدد المعتقلين اللبنانيين والإفراج عنهم والكشف عن مصيرهم، وجرى الإعلان عن توثيق أسماء 34 لبنانيا وربما أكثر اعتقلتهم إسرائيل خلال الحرب الأخيرة، والعدد المذكور تم تداوله أيضا في العام 2000 حين كان لبنان يطالب بالإفراج عن 34 لبنانياً في السجون الإسرائيلية وفقا لوثائق دولية. ولهذا لا يمكن افتراض أن القائمتين القديمة والحالية متطابقتان لمجرد تشابه العدد.
تضم القائمة الحالية أشخاصاً تم إعتقالهم في فترات مختلفة، بينهم ثلاثة يعود احتجازهم إلى أعوام 1978 و1981 و2005، فضلاً عن معتقلين اعتُقلوا خلال الحرب. وتشير التقارير إلى وجود عشرات الأشخاص الذين انقطع الاتصال بهم في مناطق كانت تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، من دون حسم ما إذا كانوا قتلوا أم إعتقلوا.
إسرائيل تفاجىء لبنان
في جولة المفاوضات الأخيرة المفاجأة لم تكن في طرح قضية المعتقلين، وإنما في طبيعة الرد الإسرائيلي، وفق ما نقلته مصادر لبنانية.
فقد عادت إلى واجهة المفاوضات قضية اليهود اللبنانيين الذين اختفوا أو قتلوا خلال الحرب الأهلية في الثمانينيات. وتحدثت تقارير عن مطالب تتعلق بكشف مصير هؤلاء، واستعادة رفات بعضهم، بل وعن نقل رفات يهود مدفونين في مقابر تاريخية في بيروت وصيدا إلى إسرائيل، بناء على طلب إسرائيليين من أصل لبناني، إلى جانب ملف الطيار رون أراد.
وبالعودة إلى تسعينات القرن الماضي، كان اختفاء عدد من أفراد الطائفة اليهودية اللبنانية موضوعاً لتقارير ومطالبات منذ الحرب الأهلية اللبنانية.
واليوم يبدو ان إدخال هذه القضية في مفاوضات الإفراج عن المعتقلين اللبنانيين يتجاوز التفاصيل التفاوضية: فهل يتم التداول في ملف إنساني لبناني قديم يعاد فتحه، أم يستخدم ورقة في مقايضة سياسية جديدة؟
اليهود اللبنانيون والحرب الاهلية
ثمة حقيقة هنا لا يجوز تجاوزها، فاليهود الذين كانوا يعيشون في لبنان قبل الحرب الأهلية كانوا جزءاً من المجتمع اللبناني، ومنهم مواطنون لبنانيون. ومن ثم فإن مصير من اختفى منهم خلال الحرب يدخل، من حيث المبدأ، في ملف المفقودين اللبنانيين الذي لم تُغلق صفحاته حتى اليوم. إذ أن هناك آلاف الأشخاص الذين اختفوا خلال سنوات الحرب ولم يعرف مصيرهم، وعائلاتهم ما تزال تنتظر الحقائق عنهم أو عن أماكن دفنهم.
وبالتالي فإن البحث عن مصير اليهود اللبنانيين المفقودين لا ينبغي أن يُعامل باعتباره قضية تخص إسرائيل بل تخص لبنان، لكونه جزء من ذاكرة لبنانية لم تُسوَّ، ومن مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها وعائلاتهم.
والواضح ان إسرائيل تريد إرباك المفاوض اللبناني من خلال طرح هذه القضية، فلبنان لا يملك بالضرورة المعلومات التي تطلبها تل أبيب. فالدولة اللبنانية نفسها لا تزال تواجه صعوبة في الوصول إلى جزء كبير من أرشيف الحرب ومواقع الدفن والمعلومات المتعلقة بالمفقودين.
ماذا عن رون أراد؟
أراد كان طيارا في سلاح الجو الإسرائيلي، أُسقطت طائرته فوق لبنان في تشرين الأول/أكتوبر 1986، وأُسر بعد سقوطها. ومنذ ذلك الحين بقي مصيره موضع بحث إسرائيلي مستم، وبالتالي فملفه مختلف.
منذ أكثر من عام، تحدثت تقارير إعلامية لبنانية وإسرائيلية عن إمكان إدخال رفات أراد في مفاوضات حول الأسرى اللبنانيين. لكن إسرائيل نفت وجود اتفاق أو صفقة ما، تتعلق بقضية أراد التي تعطيها إسرائيل أهمية وتبحث عن مصيره وتبقي إسمه حاضرا من خلال صفقات التبادل ومن خلال العمل الإستخباري والعسكري.
الإنسحاب والتحقق من نزع السلاح
ناقشت الجولة السابعة ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، والنقاط الحدودية العالقة، ومستقبل الترتيبات الأمنية. وأُحرز تقدم في مسألة تشكيل لائحة بالدول التي يمكن أن تشارك في آلية للتحقق من نزع سلاح حزب الله، على أن تختار الولايات المتحدة لاحقاً من هذه اللائحة، فيما بقيت تفاصيل أساسية أخرى موضع تفاوض.
وكانت فكرة «مناطق تجريبية» جزءاً من المسار السابق للمفاوضات، بحيث ينسحب الجيش الإسرائيلي من مناطق محددة ويتولى الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيها.
وبذلك يصبح ملف الأسرى واحداً من مجموعة ملفات مترابطة: الانسحاب، الحدود، الأمن، السلاح، والمفقودون.
وهذا التشابك هو الذي يمنح المفاوضات حساسيتها الحالية.
أوراق القوة
تحاول الدول في المفاوضات طرح الملفات التي تملك فيها أوراق قوة، لكن ماذا تخفي إسرائيل من وراء طرحها ملف يهود الحرب وآراد، والحقيقة أن المعتقلين اللبنانيين لدى إسرائيل اليوم هم أسرى جدد نتيجة حروب الإسناد الأخيرة التي خاضها حزب الله، ونتيجة الإحتلال الإسرائيلي المستجد، أما اليهودي اللبناني الذي اختفى في الثمانينيات فهو ضحية لمرحلة مختلفة من تاريخ لبنان. ورون أراد جندي إسرائيلي اختفى في سياق عسكري قبل نحو أربعين عاماً.
فرمي هذه الملفات على طاولة تفاوض دفعة واحدة، لا يعني أن الملف واحد بسبب ذلك.
لذلك فإن المطلب الإسرائيلي «تعجيزي” ولا يمكن أن يتحول إلى حقيقة تقريرية، فربط الإفراج عن المعتقلين اللبنانيينبهذه الملفات شرطاً من الصعوبة تنفيذه ويضع الدولة اللبنانية أمام اختبار مختلف.
فالدولة التي تطالب اليوم إسرائيل بتسليم مواطنيها المعتقلين مطالبة أيضاً بأن تمتلك ملفاً وطنياً متكاملاً للمفقودين اللبنانيين، وأن تعرف ما تستطيع معرفته عن مصائرهم، وأن تحفظ ذاكرة الحرب بعيداً عن المحاصصة السياسية والطائفية.
واليهود اللبنانيون الذين اختفوا في الحرب كانوا لبنانيين، كما أن اللبنانيين المحتجزين اليوم لدى إسرائيل لبنانيون. اختلاف الدين أو الانتماء السياسي لا يغيّر مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها.
والسؤال بالتالي هل تستطيع الدولة اليوم القيام بواجبها الوطني بعيدا عن المطلب الإسرائيلي، فتعيد النظر بملف مفقودي الحرب الأهلية ومن بينهم اللبنانيين اليهودز
67 مفقوداً رقم حديث
تحدثت معلومات أخيرا عن 67 شخصاً آخرين انقطع الاتصال بهم في مناطق كانت تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي خلال حرب 2024، من دون حسم ما إذا كانوا قتلوا أو لا يزالون محتجزين، أي لا يمكن إختزال عدد المعتقلين بــ34 فقط.
فإذا كان هناك 34 معتقلا موثقاً، وهناك 67 شخصاً آخرون مجهولو المصير، فإن لبنان أمام ملف أشخاص فقدوا حريتهم أو انقطعت أخبارهم نتيجة الحرب، ويحتاجون إلى آلية رسمية للتثبت من مصيرهم.
والمطلوب إذا ليس فقط المطالبة السياسية بالإفراج، بل إنشاء سجل واضح ومحدث، تدعمه آليات تحقق دولية وقانونية وإنسانية.
من الواضح أن المفاوضات اللبنانية ـــ الإسرائيلية تحت ضغط الميدان، لكنها ربما لم تصل إلى طريق مسدود في جولتها الأخيرة، لكنها لم تتحول أيضاً إلى اتفاق شامل.
ولعل لبنان بحاجة إلى الإستمرار بالمطالبة بالإفراج عن المعتقلين اللبنانيين، والحصول على لوائح رسمية بأسمائهم وأوضاعهم، وضمان حقوقهم القانونية والإنسانية.
وعلى مستوى ثانـ يبدو إنه سيكون عليه إعادة فتح ملف المفقودين، بما في ذلك اليهود اللبنانيون، وجمع الوثائق والشهادات والخرائط المتعلقة بمواقع الدفن والاختفاء.
وفي ملف رون أراد تحديداً، ينبغي التفريق بين ما تملكه الدولة اللبنانية من معلومات وما لا تملكه. فلا يمكن للدولة أن تقدم ضمانات بشأن مصير شخص لا توجد لديها معلومات موثقة عنه، كما لا يجوز في المقابل إغلاق الباب أمام أي معلومات يمكن أن تساعد في حل الملف.
وعلى أي حال فإن على لبنان أن يدخل أي تفاوض من موقع الدولة، لا من موقع مجموعة ملفات متفرقة تتقاذفها الحروب والصفقات.



