أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود
تقف الدولة اللبنانية عند مفترق طرق تاريخي في إدارتها لملف التفاوض وإدارة الصراع على حدودها الجنوبية. وإن القراءة المتأنية لمسار المشاورات والضغوط الأخيرة تكشف عن معضلة منهجية كبرى وقعت فيها الدبلوماسية الرسمية، ألا وهي الاندفاع نحو نقاش ترتيبات أمنية مجردة، ومعالجة العوارض الميدانية بعيداً عن أصل النزاع وجوهره السياسي والسيادي. إن التركيز الحصري على الترتيبات الأمنية الميدانية، من قيود وشبكات مراقبة وتقليص للانتشار، لا يمثل مجرد خيار تفاوضي مرن، بل هو فخ استراتيجي يعيد إنتاج الأزمة، ويمنح الأطراف الخارجية مكاسب مجانية، ويُفرغ مفهوم الدولة والسيادة من مضمونه الفعلي، مفاقماً في الوقت ذاته التجاذبات والانقسامات الداخلية.
شكلت الترتيبات الأمنية دائماً المخرج الأسهل والأسرع للوسطاء الدوليين الراغبين في تحقيق تهدئة ميدانية مؤقتة تُرضي متطلبات الجانب الإسرائيلي. بيد أن الإشكال المعقد يكمن في أن الجانب الإسرائيلي يتعامل مع هذه الترتيبات بوصفها غاية بحد ذاتها، يسعى من خلالها إلى فرض منطقة عازلة، وتحييد مخاطر الجبهة الجنوبية، وتجريد المنطقة الحدودية من أي مقومات دفاعية، دون أن يلتزم بالمقابل بأي تنازل سياسي أو سيادي ملموس. إن التفاوض الذي يغفل تثبيت الحدود الدولية النهائية المعترف بها، ويغض الطرف عن الانسحاب الشامل من باقي الأراضي المحتلة، ويغفل وقف الانتهاكات اليومية للجو والبحر والبر، هو تفاوض يحول الدولة من سلطة سيادية ذات حقوق إلى مجرد وكيل أمني مكلّف بضبط الميدان لحساب الآخرين.
ينعكس هذا المسار المأزوم بصورة مباشرة ومباشرة على المشهد الداخلي اللبناني. عندما تقتصر حركة الحكومة على تقديم تنازلات أمنية وإجرائية تلبية للضغط الخارجي دون أفق سياسي يضمن استعادة الحقوق الوطنية كاملة، فإنها تمنح القوى المسلحة والمواقف المعارضة للسلطة الرسمية السلاح السياسي الأفعل. تصبح الترتيبات الأمنية حينئذ سجّالاً مبرراً لسردية مفادها أن الدولة تعجز عن حماية أرضها، وأنها تفرط في مقومات القوة الجنوبية مجاناً دون مقابل سيادي. إن هذا الانفصال بين ما تطرحه الدولة تفاوضياً وما يطلبه الشارع الجنوبي من حماية وحقوق، يضعف شرعية الحكومة، ويقلص قدرتها على فرض القرار السيادي الحصري، بل ويفاقم الخطاب الاتهامي الذي يرى في الأداء الرسمي ضعفاً وتفريطاً بالجنوب وأهله.
ولا تقتصر حدود الفخ التفاوضي على الضغوط الخارجية، بل تتغذى بالدرجة الأولى من الأزمات الهيكلية المتجذرة في الداخل اللبناني. تعاني السلطة التنفيذية من انقسام سياسي حاد يُعطل التوافق على تعاريف موحدة للسيادة والدفاع الوطني. هذا التشتت في القرار يجعل المفاوض اللبناني يتحرك فوق أرضية رخوة، مفتقداً الظهير السياسي الجامع. علاوة على ذلك، تبدو معضلة السلاح غير الشرعي وحرية حركة القوى المسلحة خارج إطار الدولة عقبة كبرى تفقد المفاوضات صدقيتها. إن استمرار عمليات تهريب السلاح وتجاوز قرارات السلطة الرسمية يُعطي القوى الدولية مبرراً متجدداً للتشكيك في قدرة الدولة على ضبط أراضيها، ويُستخدم كحجة لفرض وصاية أو آليات مراقبة جائرة، في وقت تجد فيه الحكومة نفسها مكبلة بالخشية من الانزلاق نحو التوتر الداخلي أو الانقسام الأهلي إذا ما قررت الحسم.
رغم هذا الواقع المعقد والضغوط المتزايدة، لا يمكن اعتبار هذا الخلل الاستراتيجي قطاراً لا يمكن إيقافه، بل إن فرص الإصلاح وإعادة التوازن ما زالت قائمة ومتوفرة إذا ما توفرت الإرادة السياسية الشجاعة. يبدأ التعديل الجوهري للشارع التفاوضي بالانتقال من موقف الدفاع والتلقي إلى موقف المبادرة والربط التلازمي. يجب على الحكومة اللبنانية صياغة رؤية قائمة على القاعدة الذهبية التي تنص على أنه لا ترتيبات أمنية دون حزمة سياسية متكاملة. يقتضي هذا المبدأ الامتناع التام عن مناقشة التفاصيل الميدانية، كآليات الانتشار والرقابة، إلا جنباً إلى جنب مع جدول زمني محدد لإنجاز التراجع الإسرائيلي الكامل، وتثبيت النقاط الحدودية الدولية الموثقة منذ اتفاقات الهدنة والترسيمات التاريخية، والالتزام بوقف كافة أشكال الانتهاكات للسيادة الوطنية.
يتطلب هذا التحول التفاوضي حشداً لكافة أوراق القوة والدبلوماسية التي ما زال لبنان يمتلكها. إن الاستناد إلى الشرعية الدولية، المتمثلة في القرارات الأممية والتثبيت القانوني والتاريخي للحدود، يمنح لبنان موقفاً حقوقياً صلباً لا يستطيع أي طرف تجاوزه دون خرق للعرف الدولي. كما أن الموقف اللبناني يستمد قوته من حقيقة ميدانية واستراتيجية مفادها أن الاستقرار في المنطقة هو عملية متبادلة، وأن أي حل يتجاهل الحقوق اللبنانية لن يوفر الأمان للجانب الآخر ولا يمكن أن يدوم. إن تفعيل هذا البعد يتطلب خروجاً دبلوماسياً واسعاً باتجاه العواصم العربية والدول المؤثرة، وبناء تكتل يدعم التوجه اللبناني الداعي إلى جعل المؤسسة العسكرية الشرعية الممثل الوحيد للسيادة والأمن على كامل التراب الوطني، بدعم ومساندة من المجتمع الدولي والقرارات الدولية النافذة.
إن استعادة المبادرة وتعديل المسار المفاوض يتطلبان أيضاً حواراً داخلياً صريحاً يضع حداً للازدواجية الأمنية. لا يمكن للدولة أن تطالب العالم باحترام سيادتها وحقوقها السياسية إذا لم تقترن هذه المطالبة بخطوات شجاعة لفرض حصرية السلاح وقرار السلم والحرب بيد المؤسسات الدستورية وحدها. إن ضبط المعابر، وتطبيق القوانين على الجميع دون استثناء، وصياغة استراتيجية دفاعية وطنية تنضوي تحت مظلة الدولة، هي الشروط الشارحة والوحيدة التي تُسقط الذرائع الخارجية، وتمنع الالتفاف على التوافقات الوطنية، وتُعيد للهيبة الرسمية مكانتها أمام الوسطاء والمجتمع الدولي.
في الخاتمة، يبدو جلياً أن الانجرار وراء الترتيبات الأمنية المجردة كان خياراً يفتقد إلى الرؤية الاستراتيجية الشاملة، لأنه وضع اللبنانيين أمام مواجهة مفتوحة بين متطلبات الاستقرار المؤقت وضمانات السيادة الدائمة. إن إصلاح هذا الخطأ التفاوضي وتفادي نتائجه الكارثية ليس خياراً تحسينياً، بل هو ضرورة وطنية قصوى لحماية الجنوب ولصون كيان الدولة. إن فرض المسار السياسي والسيادي أولاً، والتمسك بالسلة المتكاملة التي تجمع بين الجغرافيا والحقوق والترتيبات الإجرائية، هو السبيل الوحيد لإغلاق الثغرات التي ينفذ منها الخصوم، ولإسقاط حجج التفريط والتراجع، وبناء سلام عادل ومتوازن يستند إلى منطق القانون والدولة لا إلى منطق القوة والإملاءات.



