الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
31.3 C
Beirut

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من أزمة التنظيم إلى سؤال المشروع التاريخي» بقلم محمد علوش

يطرح محمد علوش، عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، في مقالته «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من أزمة التنظيم إلى سؤال المشروع التاريخي» مجموعة من الأسئلة المهمة حول واقع اليسار الفلسطيني ومستقبله، وينطلق من تشخيص يستحق النقاش الجاد: أزمة اليسار لم تعد أزمة تنظيمية أو انتخابية، بل أصبحت أزمة مشروع تاريخي وعلاقة بالمجتمع وبالعالم الذي تغير من حوله.

وهذه، في تقديري، أهم نقاط قوة المقال. فهو لا يختزل التراجع في ضعف العضوية أو الانقسامات الفصائلية، بل يربطه بتحولات أوسع أصابت بنية الاقتصاد والسياسة والمجتمع: انهيار الثنائية القطبية، العولمة، الثورة الرقمية، اقتصاد المعرفة، الذكاء الاصطناعي، وتغير مفهوم العمل نفسه. كما يصيب علوش عندما يقول، بمعنى المقال، إن يساراً لا يستطيع تقديم إجابات عن اقتصاد المنصات والبيانات والحقوق الرقمية والعدالة المناخية سيجد نفسه أسير القرن العشرين.

ومن نقاط القوة أيضاً إعادة الاعتبار للعلاقة بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي. فالقضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في إدارة الصراع مع الاحتلال، كما لا يمكن اختزال اليسار في شعارات العدالة الاجتماعية منفصلة عن قضية التحرر. تاريخياً، كانت إحدى أهم مساهمات اليسار الفلسطيني أنه حاول الجمع بين البعدين: تحرير الأرض وتحرير الإنسان.

لكن المقال، على أهميته الفكرية، يتوقف في تقديري قبل الوصول إلى المنطقة الأكثر إيلاماً في تشخيص الأزمة: لماذا انحسر اليسار الفلسطيني فعلياً أمام فتح وحماس، وفقد كثيراً من هيبته السياسية وقدرته على تشكيل قطب مستقل في الحياة الفلسطينية؟

هنا لا تكفي التكنولوجيا ولا نهاية الحرب الباردة ولا ضعف البنى التنظيمية لتفسير ما حدث.

من القوة الثالثة إلى الهامش

كان اليسار الفلسطيني في مراحل سابقة قوة سياسية لا يمكن تجاوزها. الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، ومعهما قوى وشخصيات يسارية ووطنية متعددة، لم تكن مجرد فصائل صغيرة تكمل صورة منظمة التحرير، بل ساهمت في إنتاج الفكر السياسي الفلسطيني، وفي الحركة الطلابية والنقابية والثقافية، وفي المقاومة وفي النقاش حول شكل الدولة والمجتمع والتحرير.

لكن المشهد الفلسطيني تحوّل تدريجياً إلى استقطاب تهيمن عليه قوتان: فتح وحماس.

فتح احتفظت بمركزها من خلال منظمة التحرير والسلطة ومؤسساتها وشبكة واسعة من العلاقات السياسية والاجتماعية، بينما استطاعت حماس أن تتحول إلى القطب المنافس الأكبر، مستفيدة من حضورها الديني والاجتماعي والتنظيمي ومن خطاب المقاومة، ثم من سيطرتها على قطاع غزة.

وبين القطبين تراجع اليسار.

المشكلة هنا ليست في أن المجتمع الفلسطيني أصبح فجأة ضد العدالة الاجتماعية أو الديمقراطية أو حقوق العمال والمرأة والفئات المهمشة. على العكس، كثير من القضايا التي يفترض أن تشكل البيئة الطبيعية لليسار ما زالت حاضرة بقوة. المفارقة هي أن الحاجة الموضوعية إلى خطاب يساري بقيت موجودة، بينما تراجعت القوى التي يفترض أن تمثله.

وهذا فارق جوهري.

فالذي انحسر ليس بالضرورة القيم اليسارية، بل قدرة التنظيمات اليسارية على تحويل تلك القيم إلى قوة اجتماعية وسياسية.

بين فتح وحماس ضاعت المسافة المستقلة

من أهم أسباب هذا التراجع أن اليسار لم يستطع بناء مسافة سياسية واضحة ومستقرة عن القطبين الكبيرين.

في علاقته مع فتح والسلطة الفلسطينية، وقع جزء منه في الإشكالية التي أشار إليها علوش نفسه: معارضة أوسلو من جهة، والمشاركة بدرجات مختلفة في المؤسسات الناتجة عنه من جهة أخرى.

كان يمكن تبرير المشاركة باعتبارها محاولة للتأثير من الداخل، لكن المشكلة بدأت عندما لم يعد المواطن قادراً على تحديد أين تنتهي المعارضة وأين تبدأ الشراكة.

وفي علاقته مع حماس ومحور المقاومة ظهرت إشكالية مختلفة لا تقل خطورة.

فمع اشتداد الاستقطاب الإقليمي، أصبحت بعض قوى اليسار الفلسطيني مرتبطة بدرجات متفاوتة بعلاقات سياسية ومالية وعسكرية مع إيران وحلفائها. ولا يجوز هنا التعميم على جميع التنظيمات اليسارية أو الادعاء بأن درجة العلاقة واحدة بينها جميعاً، لكن لا يمكن أيضاً تجاهل أثر هذه العلاقات في صورة استقلالية القرار الفلسطيني.

إيران ليست جمعية خيرية سياسية، مثلما أن أية دولة إقليمية أو دولية لا تقدم الدعم خارج حسابات مصالحها. ومن الطبيعي أن يطرح الفلسطيني السؤال: أين تنتهي علاقة التحالف والدعم، وأين يبدأ الارتهان السياسي؟

وهنا تكمن إحدى المشكلات التي يحتاج اليسار الفلسطيني إلى مواجهتها بصراحة.

فاليسار الذي نشأ تاريخياً على فكرة الاستقلال الوطني ومناهضة الهيمنة لا يستطيع أن يطالب باستقلال القرار الفلسطيني ثم يسمح بأن تتشكل صورته باعتباره جزءاً تابعاً لمحور إقليمي، أياً كان هذا المحور.

ولا يعني ذلك أن كل علاقة مع إيران تجعل فصيلاً فلسطينياً تابعاً لها، فهذا استنتاج يحتاج في كل حالة إلى أدلة محددة. لكن تحول العلاقة الخارجية إلى مصدر للتمويل أو السلاح أو الغطاء السياسي بصورة تؤثر في استقلال القرار يخلق أزمة سياسية وأخلاقية حقيقية لليسار.

والأخطر من التبعية الفعلية أحياناً هو ترسخ صورتها في وعي الجمهور؛ لأن الحركة السياسية تعيش أيضاً من مصداقيتها ومن اعتقاد الناس بأنها تتخذ قرارها انطلاقاً من مصالحهم الوطنية.

ما ينقص تشخيص محمد علوش

يقدم المقال تشخيصاً قوياً لأزمة الفكر والتنظيم، لكنه يحتاج، في رأيي، إلى إضافة مستوى ثالث: أزمة الاستقلال السياسي.

فاليسار الفلسطيني لا يحتاج فقط إلى تجديد الاشتراكية، أو إدخال الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والعدالة المناخية في برنامجه، على أهمية كل ذلك، بل يحتاج قبل ذلك أو بالتوازي معه إلى الإجابة عن أسئلة أكثر مباشرة:

من نمثل؟

من يمولنا؟

من يقرر سياساتنا؟

ما حدود علاقتنا بالسلطة الفلسطينية؟

ما حدود علاقتنا بحماس؟

وما حدود علاقاتنا بإيران وبقية القوى الإقليمية والدولية؟

وهل يستطيع أي فصيل أن يقول «لا» لحليفه أو مموله عندما تتعارض مصلحة ذلك الحليف مع المصلحة الفلسطينية؟

هذه ليست أسئلة هامشية. إنها جزء من تعريف معنى اليسار نفسه.

فالاستقلال الوطني لا يبدأ عند الحدود؛ يبدأ من استقلال القرار.

أزمة الديمقراطية الداخلية

هناك أيضاً مسألة لا ينبغي المرور عليها سريعاً: تجديد القيادات.

يصعب على حركة أن تدعو إلى تغيير المجتمع بينما تبدو عاجزة عن تغيير آليات إنتاج قيادتها الداخلية. ولا يكفي أن تضم التنظيمات شباباً في لجانها أو مؤتمراتها إذا ظلت عملية صنع القرار محتكرة عملياً ضمن دوائر ضيقة.

جيل الشباب الفلسطيني اليوم مختلف جذرياً عن الأجيال التي بنت الفصائل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. إنه أكثر اتصالاً بالعالم، أقل استعداداً لقبول الهرمية التنظيمية التقليدية، وأكثر ميلاً إلى المبادرات والشبكات والحركات المرنة.

لذلك فإن الأزمة ليست: كيف نقنع الشباب بالانضمام إلى الحزب القديم؟

السؤال الأهم هو: هل يستطيع الحزب نفسه أن يتغير لكي يصبح الشباب شركاء في صناعته وليس مجرد أعضاء جدد في هياكله القديمة؟

الوحدة اليسارية ليست الحل إذا وحدنا الأزمة

يدعو كثيرون إلى توحيد قوى اليسار الفلسطيني، وهي فكرة تبدو منطقية، لكنها ليست علاجاً سحرياً.

فتجميع تنظيمات متراجعة داخل إطار واحد لا ينتج بالضرورة قوة جديدة. وقد يؤدي، إذا لم تسبقه مراجعة فكرية وسياسية وتنظيمية حقيقية، إلى توحيد الأزمات بدلاً من تجاوزها.

السؤال ليس كم فصيلاً يمكن وضعه حول طاولة واحدة، بل ما المشروع الذي سيجمعهم؟

هل يريدون بناء يسار ديمقراطي اجتماعي حديث؟ ما تصورهم للاقتصاد؟ للدولة؟ للحريات الفردية والعامة؟ لعلاقة الدين بالدولة؟ للمرأة والشباب؟ للمقاومة؟ للتسوية السياسية؟ لمنظمة التحرير؟ وللعلاقات الإقليمية؟

من دون إجابات واضحة، تتحول الوحدة إلى إعادة ترتيب للهياكل لا إعادة تأسيس للمشروع.

من الطبقة إلى الإنسان

وهنا أجد نفسي متفقاً بصورة خاصة مع الجانب المستقبلي في مقالة علوش. فاليسار الجديد لا يستطيع البقاء أسير التعريفات الاجتماعية التي نشأت في عصر المصنع الكبير والاقتصاد الصناعي التقليدي.

العامل الفلسطيني اليوم قد يكون موظفاً أو مبرمجاً أو عاملاً مستقلاً أو سائقاً يعمل عبر منصة رقمية أو شاباً عاطلاً عن العمل أو خريج جامعة لا يجد فرصة، وقد تكون معركته مع البطالة والاحتلال في الوقت نفسه.

لذلك ينبغي توسيع مفهوم العدالة الاجتماعية ليشمل المعرفة والتعليم والتكنولوجيا والبيانات والبيئة وتكافؤ الفرص، إلى جانب الأجور والضمان الاجتماعي والصحة والسكن.

لكن فلسطين تضيف إلى كل ذلك خصوصيتها الكبرى: لا يمكن بناء مشروع يساري فلسطيني حديث من دون وضع التحرر الوطني في قلبه.

وهذا يعني أن المطلوب ليس استيراد نسخة جديدة من اليسار الأوروبي، بل إنتاج يسار فلسطيني قادر على الجمع بين الدولة الوطنية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر من الاحتلال واستقلال القرار السياسي.

ما بعد النقد: أي يسار نريد؟

من هنا أختلف جزئياً مع ترتيب الأولويات في المقال، لا مع جوهر دعوته إلى التجديد.

فاليسار الفلسطيني يحتاج بالتأكيد إلى الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والعدالة المناخية، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى استعادة شيء أكثر بساطة وأشد صعوبة: ثقة الفلسطيني بأن هذا اليسار يمثله فعلاً.

يحتاج إلى العودة إلى الجامعة والمخيم والنقابة والقرية والمدينة ومكان العمل.

يحتاج إلى الدفاع عن الفقير لا بالبيان بل بالفعل.

ويحتاج إلى أن يكون ديمقراطياً داخل مؤسساته قبل أن يطالب بدولة ديمقراطية.

ويحتاج إلى استقلال قراره عن السلطة وعن حماس وعن إيران وعن أي مركز قوة إقليمي أو دولي، حتى يستطيع أن يقدم نفسه بديلاً وطنياً لا ملحقاً بأحد.

وعندها فقط يمكن أن يستعيد المساحة التي خسرها بين فتح وحماس.

لحظة الحقيقة بالفعل

عنوان محمد علوش دقيق: اليسار الفلسطيني يقف بالفعل أمام لحظة حقيقة.

لكن لحظة الحقيقة ليست فكرية وتنظيمية فقط، بل سياسية وأخلاقية أيضاً.

فالمشكلة لم تعد أن اليسار فقد بعض مقاعده أو أعضاءه، بل أنه فقد جزءاً من هيبته السياسية التي صنعتها عقود من النضال والتضحيات والفكر والثقافة.

واستعادة تلك الهيبة لا تتم باستحضار أسماء الشهداء والقادة التاريخيين، على عظمة تضحياتهم، وإنما بإنتاج جيل جديد يستحق أن يحمل إرثهم.

لذلك فإن أهم ما في مقالة محمد علوش أنها تفتح الباب الذي ينبغي فتحه، وأهم نقد يمكن توجيهه إليها أنها لم تدفعه حتى نهايته.

فالتجديد الحقيقي يحتاج إلى مراجعة الفكر، نعم؛ وإعادة بناء التنظيم، نعم؛ والانفتاح على التكنولوجيا والاقتصاد الجديد، بالتأكيد؛ لكنه يحتاج أيضاً إلى مراجعة العلاقات السياسية ومصادر النفوذ والتمويل والتحالفات الإقليمية، وإلى إعادة بناء استقلالية القرار الوطني الفلسطيني.

فاليسار الذي يريد تحرير الإنسان يجب أن يكون حراً أولاً.

واليسار الذي يريد استعادة دوره لا يستطيع أن يكون ظلاً لفتح، ولا شريكاً صغيراً لحماس، ولا امتداداً لإيران أو لأي محور آخر.

عليه أن يعود قوة ثالثة مستقلة، لا بمعنى الوقوف في منتصف المسافة حسابياً بين فتح وحماس، وإنما بمعنى امتلاك مشروع ثالث: وطني، ديمقراطي، اجتماعي، مستقل، عقلاني، قادر على المقاومة وعلى السياسة، وعلى قراءة العالم الجديد دون التخلي عن القضية التي وُلد من أجلها.

عندها يصبح السؤال الذي طرحه محمد علوش أكثر تحديداً: هل يريد اليسار الفلسطيني أن يبقى شاهداً على التحولات أم أن يصبح فاعلاً في صناعتها؟

وأضيف إليه سؤالاً آخر:

هل يمتلك اليسار الفلسطيني الشجاعة للتحرر من أزماته وتحالفاته وتوازناته القديمة، بالقدر نفسه الذي طالب فيه دائماً بتحرير فلسطين؟

لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ليس فقط ما إذا كان اليسار سيستعيد موقعه، بل ما إذا كان سيبقى، في السنوات القادمة، قوة سياسية حقيقية أم يتحول تدريجياً إلى ذاكرة نضالية عظيمة بلا وزن يوازي تاريخها.

ح

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

موازنة بلا إصلاح مالي: من لا يجيد إدارة الأزمة فليرحل

أخباركم - أخبارنا/ د. وفيق ريحان إن طرح مشروع الموازنة على مجلس الوزراء بهذه...

الكتلة التاريخية وإنقاذ لبنان من مخالب الصراع الإقليمي!

أخباركم - أخبارنا / أكرم محمود مقدمة: جغرافيا القدر وبحثاً عن المخرجعاش لبنان عقوداً طويلة...