الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب إلى الحقيقة، ومن أنصفه التاريخ؟

لم يكن الصراع بين كارل ماركس وميخائيل باكونين مجرد خصومة بين مفكرين كبيرين من مفكري القرن التاسع عشر، ولا خلافاً شخصياً انتهى بانتصار أحدهما تنظيمياً وطرد الآخر من الأممية الأولى. كان الصراع في جوهره مواجهة مبكرة حول سؤال سيصبح لاحقاً أحد أخطر أسئلة السياسة الحديثة: إذا كانت الرأسمالية تجعل الثروة مصدراً للسلطة، فهل تستطيع الثورة أن تقضي على سلطة رأس المال بواسطة دولة قوية من دون أن تتحول هذه الدولة نفسها إلى سلطة جديدة فوق المجتمع؟

كان ماركس يخشى ثورة عاجزة عن امتلاك القوة السياسية اللازمة لهزيمة الطبقة المالكة.

وكان باكونين يخشى ثورة تنتصر ثم تكتشف أنها صنعت، باسم التحرر، طبقة جديدة من الحكام.

بين الخوفين بدأت واحدة من أهم المواجهات الفكرية والسياسية في تاريخ اليسار؛ مواجهة بدأت فكرياً، ثم تحولت داخل الأممية الأولى إلى صراع تنظيمي وسياسي، قبل أن تبلغ نقطة اللاعودة في مؤتمر لاهاي سنة 1872.

واللافت، بعد أكثر من قرن ونصف، أن التاريخ لم يمنح النصر الكامل لأي منهما: فقد أثبت تطور الرأسمالية قوة جانب كبير من تشخيص ماركس، بينما أعطت تجارب الدول الاشتراكية المركزية وزناً استثنائياً لتحذيرات باكونين من الطبقة البيروقراطية الجديدة.

رجلان من عالم واحد… ونظرتان مختلفتان إلى الحرية

ولد ميخائيل باكونين عام 1814 في الإمبراطورية الروسية في أسرة أرستقراطية، ودخل المؤسسة العسكرية قبل أن يهجرها وينجذب إلى الفلسفة الألمانية والحركات الثورية الأوروبية. شارك في أجواء ثورات 1848، واعتُقل وسُجن ونُفي إلى سيبيريا قبل أن يهرب ويعود إلى أوروبا الثورية.

أما كارل ماركس، المولود عام 1818 في ترير، فجاء إلى السياسة عبر الفلسفة والقانون والصحافة. تأثر بهيغل ثم اتجه تدريجياً إلى بناء تفسير مادي للتاريخ، ووضع علاقات الإنتاج والملكية والصراع الطبقي في قلب تفسيره للمجتمع.

كان الرجلان ابني التحولات نفسها: الثورة الصناعية، صعود البرجوازية، نمو المدن، تشكل الطبقة العاملة واتساع الدولة الحديثة.

لكنهما اختلفا في تحديد مركز الخطر.

بالنسبة إلى ماركس، كانت المسألة الأساسية هي من يملك وسائل الإنتاج؟

فالرأسمالية ليست ظالمة لأن بعض الرأسماليين سيئون أخلاقياً، وإنما لأن علاقة الملكية نفسها تمنح أصحاب رأس المال قدرة بنيوية على السيطرة على العمل وفائضه وعلى المجتمع.

أما باكونين فلم ينكر أهمية الملكية والصراع الطبقي، لكنه أضاف سؤالاً آخر:

من يمتلك سلطة الأمر والطاعة؟

بالنسبة إليه، يستطيع الإنسان أن يُستغل بواسطة رأس المال، لكنه يستطيع أيضاً أن يُستعبد بواسطة الدولة والجيش والبيروقراطية والحزب والنخبة التي تدعي أنها تعرف مصلحته أكثر منه.

ومن هنا بدأ الافتراق الحقيقي.

الأممية الأولى: المحطة التأسيسية الأولى للخلاف

تأسست جمعية الشغيلة العالمية – International Workingmen’s Association في لندن عام 1864، وعُرفت لاحقاً باسم الأممية الأولى.

لم تكن الأممية حزباً ماركسياً بالمعنى اللاحق، بل إطاراً واسعاً ضم نقابيين واشتراكيين وبرودونيين وثوريين واتجاهات متعددة من الحركة العمالية الأوروبية.[1]

وهذا التنوع هو الذي جعلها المختبر الحقيقي للصراع بين ماركس وباكونين.

فعندما ازداد حضور باكونين وأنصاره داخل الأممية في أواخر ستينيات القرن التاسع عشر، لم يعد الخلاف يدور حول صورة المجتمع المثالي في المستقبل، بل حول سؤال عملي شديد الحساسية:

كيف يجب تنظيم الحركة التي تريد تغيير المجتمع؟

كان ماركس يرى أن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تحرر نفسها إذا اكتفت بالنشاط الاقتصادي والنقابي وتركت الدولة والمؤسسات السياسية في يد الطبقات المالكة.

فالطبقة العاملة، لكي تصبح قوة تاريخية، يجب أن تتحول أيضاً إلى قوة سياسية منظمة.

أما باكونين فبدأ يرى في هذا المنطق الخطر الذي كان يخشاه أصلاً.

فإذا كان الهدف النهائي هو تحرير المجتمع من السلطة المركزية، فكيف يمكن الوصول إلى ذلك عن طريق بناء سلطة مركزية؟

وإذا كانت الثورة تريد إنهاء حكم الناس من أعلى، فكيف يمكن أن يبدأ تنظيمها نفسه بإخضاع القاعدة إلى مركز سياسي يزداد قوة؟

لهذا كانت الأممية الأولى المحطة التأسيسية الأولى للصراع: داخلها خرج الخلاف من الكتب إلى التنظيم، ومن الفلسفة إلى السياسة.

بازل 1869: عندما ظهرت خطوط الانقسام

في مؤتمر بازل عام 1869 أصبح نفوذ باكونين والتيار الجماعي المناهض للسلطوية أكثر وضوحاً.

لم يكن الانشقاق قد اكتمل بعد، لكن النقاش حول الملكية والميراث والتنظيم ودور الاتحادات العمالية كشف أن داخل الأممية تصورين مختلفين للثورة.

كان باكونين يتجه إلى تصور مجتمع يُبنى من الأسفل إلى الأعلى: جمعيات عمالية، كومونات، اتحادات محلية وإقليمية، ثم اتحادات أوسع تقوم على الترابط الحر، لا على خضوع القاعدة لمركز سياسي دائم.[2]

وهنا يظهر أحد الفروق الأساسية بينه وبين ماركس.

ماركس سأل:

كيف تستطيع الطبقة العاملة هزيمة السلطة الاقتصادية والسياسية للبرجوازية من دون أن تمتلك قوة سياسية مقابلة؟

أما باكونين فسأل:

إذا أنشأنا تلك القوة، فمن سيمنعها من أن تصبح سلطة جديدة فوق العمال؟

كومونة باريس: التجربة التي قرأها كل طرف بطريقته

ثم جاءت كومونة باريس عام 1871.

كانت التجربة قصيرة، لكنها أحدثت أثراً هائلاً في الفكر الاشتراكي.

رأى ماركس في الكومونة دليلاً على أن الطبقة العاملة لا تستطيع ببساطة الاستيلاء على جهاز الدولة القديم واستخدامه كما هو. واعتبرها شكلاً سياسياً جديداً لتحرر العمل.[3]

وهذه نقطة مهمة، لأنها تمنع اختزال ماركس في فكرة الدولة المركزية التقليدية.

ماركس نفسه لم يكن يريد ببساطة أن ينتقل جهاز الدولة البرجوازية من يد البرجوازي إلى يد العامل.

لكن باكونين والتيار المناهض للسلطوية قرآ تجربة الكومونة أيضاً بوصفها دليلاً على قدرة المجتمعات المحلية والكومونات والاتحادات الشعبية على تنظيم نفسها من الأسفل.

وبذلك أصبحت الكومونة مادة مشتركة لرؤيتين مختلفتين.

من لندن 1871 إلى لاهاي: الصدام يقترب

بعد الكومونة، تصاعد الخلاف داخل الأممية.

أكد مؤتمر لندن سنة 1871 بصورة أكبر أهمية العمل السياسي للطبقة العاملة.[4]

بالنسبة إلى ماركس وأنصاره، كان ذلك نتيجة طبيعية للتجربة: لا يكفي أن يكون العمال نقابة أو حركة احتجاجية؛ عليهم أن يصبحوا قوة سياسية قادرة على مواجهة الطبقات المالكة.

لكن باكونين وحلفاءه رأوا في الاتجاه الجديد محاولة لتحويل الأممية من اتحاد دولي مستقل للحركات العمالية إلى تنظيم سياسي أكثر مركزية.

لم يعد الخلاف عند هذه النقطة بين رجلين.

بدأت اتحادات كاملة تتموضع خلف المشروعين.

وهكذا اقتربت المواجهة التي ستغير تاريخ اليسار.

مؤتمر لاهاي 1872: المحطة التأسيسية الثانية

إذا كانت الأممية الأولى هي المكان الذي تحول فيه الاختلاف الفكري إلى صراع سياسي، فإن مؤتمر لاهاي الذي انعقد بين 2 و7 سبتمبر/أيلول 1872 كان المحطة التأسيسية الثانية: لحظة تحول الخلاف إلى قطيعة.[5]

كان السؤال الذي وضعه المؤتمر أمام الحركة العمالية واضحاً:

هل يجب أن تتحول الطبقة العاملة إلى قوة سياسية منظمة؟

أكد الاتجاه المنتصر في لاهاي أن البروليتاريا لا تستطيع العمل كطبقة ضد القوة المشتركة للطبقات المالكة إلا من خلال تشكيل نفسها في حزب سياسي مستقل ومتميز عن أحزاب الطبقات المالكة.[5]

بالنسبة إلى ماركس، كان هذا منطق الصراع الطبقي.

فالبرجوازية تمتلك المال والمؤسسات والقانون والدولة؛ ولذلك فإن رفض العمال للصراع السياسي لا يلغي السياسة، وإنما يتركها لخصومهم.

أما باكونين فقرأ النتيجة بطريقة مختلفة تماماً.

الحزب يحتاج إلى قيادة.

والقيادة تحتاج إلى جهاز.

والجهاز يحتاج إلى مركز وانضباط.

وإذا استولى هذا الحزب على الدولة، فقد يصبح الحزب والجهاز والدولة مركزاً واحداً للقوة.

وهنا وصل باكونين إلى السؤال الذي سيمنحه أهميته التاريخية اللاحقة:

من سيحكم دولة العمال فعلياً؟

باكونين: عندما يصبح العامل الحاكم «عاملاً سابقاً»

بلغ نقد باكونين ذروته في كتاب «الدولة والفوضى» الصادر عام 1873.

تساءل باكونين عن معنى أن يحكم الشعب كله.

إذا كانت هناك دولة، فهناك من يحكم ومن يُحكم.

وإذا كان ملايين العمال لا يستطيعون جميعاً الجلوس في الحكومة، فستحكم باسمهم أقلية من الممثلين والقادة والمثقفين.

ويكتب باكونين عن هذه الأقلية:

«نعم، ربما من العمال السابقين.»[6]

ثم يشرح أن العامل، عندما يصبح حاكماً أو ممثلاً دائماً للدولة، قد يتوقف عن النظر إلى المجتمع من موقع العامل ويبدأ بالنظر إليه من «مرتفعات الدولة».

والأخطر أنه حذر من ظهور:

«أرستقراطية جديدة… من العلماء الحقيقيين والمزعومين.»[6]

لم يكن باكونين يعرف لينين أو ستالين، ولم يكن الاتحاد السوفيتي موجوداً، ولم تكن الأحزاب الشيوعية في القرن العشرين قد ظهرت بعد.

كان يكتب سنة 1873.

ولهذا اكتسبت عباراته لاحقاً أهمية استثنائية.

فهو لم يكن يحذر فقط من عودة البرجوازية القديمة؛ كان يحذر من إمكانية أن تنتج الثورة طبقتها الحاكمة الخاصة بها.

لاهاي: من الفكر إلى الطرد

لم تكن معركة لاهاي فلسفية فقط.

كانت هناك أيضاً قضية تنظيم تحالف الديمقراطية الاشتراكية المرتبط بباكونين، والاتهامات المتعلقة بوجود تنظيم موازٍ داخل الأممية.

اعتبر معسكر ماركس أن نشاط باكونين التنظيمي يهدد وحدة الأممية، بينما رأى أنصار باكونين أن المجلس العام يتجه إلى فرض مركزية تتناقض مع استقلال الاتحادات.[5]

وهكذا اختلط الفكري بالتنظيمي والشخصي.

وانتهى مؤتمر لاهاي بطرد باكونين من الأممية، كما اتُّخذ إجراء مماثل بحق جيمس غيوم، أحد أبرز حلفائه.[5]

لكن طرد الرجل لم ينهِ الفكرة.

بل أدى إلى النتيجة المعاكسة.

سانت إيمييه 1872: الرد على لاهاي

بعد أيام قليلة من مؤتمر لاهاي، اجتمع باكونين وغيوم وممثلون عن اتحادات واتجاهات مناهضة للسلطوية في سانت إيمييه بسويسرا في 15 و16 سبتمبر/أيلول 1872.[7]

وهناك جاء الرد.

أعلن المجتمعون أن:

«استقلال الاتحادات والأقسام العمالية هو الشرط الأول لتحرر العمال.»[7]

ورفضوا أن تكون للمؤتمر أو لمجلس عام سلطة تشريعية تفرض إرادة الأغلبية على الأقليات والاتحادات المستقلة.

وأكدوا أن وحدة الحركة العمالية يجب ألا تقوم على سلطة مركزية، وإنما على التضامن والتحالف الحر بين الاتحادات.[7]

وهكذا أصبحت سنة 1872 لحظة الانقسام التاريخي.

من جهة، تطور التقليد الماركسي باتجاه العمل السياسي والأحزاب العمالية والاشتراكية، ثم لاحقاً الأحزاب الشيوعية والثورات التي سعت إلى السيطرة على الدولة.

ومن الجهة الأخرى، تطورت الأناركية والنقابية الثورية والاشتراكية التحررية والتيارات الفيدرالية المناهضة للمركزية.

لم يكن ما حدث في لاهاي إذاً مجرد طرد باكونين.

كان طلاقاً داخل فكرة الثورة نفسها.

ماركس: لا يمكن إلغاء الطبقات من دون مرحلة انتقالية

لكن سيكون خطأً تاريخياً تحويل ماركس إلى داعية لدولة أبدية.

في «نقد برنامج غوتا» عام 1875 كتب ماركس:

«بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي تقع فترة التحول الثوري من أحدهما إلى الآخر.»[8]

وربط بهذه الفترة مرحلة انتقال سياسي وصف دولتها بأنها «الديكتاتورية الثورية للبروليتاريا».[8]

لكن المصطلح يجب أن يُقرأ في سياقه التاريخي، لا باعتباره وصفاً مسبقاً للدولة الستالينية التي ستظهر بعد وفاة ماركس بعقود.

ماركس لم يعتبر الدولة الشيوعية غاية نهائية.

وهكذا يصبح الخلاف الحقيقي أكثر دقة.

ماركس يقول:

لا يمكن إزالة السلطة الطبقية القديمة من دون سلطة سياسية انتقالية قادرة على تغيير علاقات الملكية.

وباكونين يجيب:

ومن يضمن أن تتخلى هذه السلطة الانتقالية عن سلطتها بعد أن تحتكر الجيش والإدارة والاقتصاد والقرار؟

هذه هي العقدة التي لم يستطع القرن العشرون حلها بسهولة.

التاريخ يدخل بين الرجلين

مات باكونين عام 1876، وماركس عام 1883.

ثم جاءت الثورة الروسية سنة 1917.

للمرة الأولى أصبحت هناك ثورة كبرى تعلن أنها تقيم سلطة باسم الطبقة العاملة وتسعى إلى تغيير علاقات الملكية جذرياً.

ولا يمكن تحميل ماركس بصورة مباشرة مسؤولية الاتحاد السوفيتي أو الستالينية؛ فهناك مسافة تاريخية وفكرية وسياسية كبيرة بين نصوصه وبين المؤسسات التي ظهرت لاحقاً.

لكن من الصعب أيضاً قراءة تحذيرات باكونين بعد التجربة السوفيتية بالطريقة نفسها التي كانت تُقرأ بها سنة 1873.

فالدولة لم تختفِ.

والبيروقراطية لم تختفِ.

والسلطة السياسية لم تتوزع بالتساوي بين العمال.

بل ظهرت في مراحل مختلفة أجهزة حزبية وإدارية وأمنية شديدة المركزية، وأصبحت النخبة السياسية والبيروقراطية تتمتع بامتيازات وقوة لا يمتلكها العامل العادي.

وهنا بدا سؤال باكونين القديم مخيفاً في بساطته:

إذا حكمت أقلية باسم العمال، فمن يحكم الأقلية؟

هل أثبت التاريخ أن باكونين كان على حق؟

جزئياً، وبقوة.

تحذيره من أن الثورة تستطيع إنتاج نخبة جديدة حاكمة كان استشرافياً بصورة يصعب إنكارها.

فقد أثبت القرن العشرون أن إلغاء الرأسمالي الخاص لا يعني تلقائياً إلغاء علاقات الهيمنة.

يمكن أن تنتقل السيطرة من صاحب المصنع إلى المدير، ومن المستثمر إلى البيروقراطي، ومن السوق إلى الحزب، ومن الرأسمالي الخاص إلى جهاز الدولة.

وهنا كان باكونين سابقاً لزمنه.

لكنه لم ينتصر بالكامل.

فالتاريخ لم يقدم أيضاً نموذجاً واسعاً ومستقراً لمجتمع صناعي وتقني معقد تمكن من الاستغناء بصورة دائمة عن الدولة والاكتفاء باتحادات حرة من الأسفل إلى الأعلى.

المجتمع الحديث يحتاج إلى إدارة الصحة والطاقة والنقل والبنية التحتية والتعليم والقضاء والبيئة والدفاع وشبكات اقتصادية شديدة التعقيد.

وكان باكونين أكثر قوة في الإجابة عن سؤال لماذا تصبح السلطة خطرة؟ من إجابته المؤسسية الكاملة عن سؤال كيف ندير مجتمعاً ضخماً من دونها؟

وفي المقابل… هل انتصر ماركس؟

ليس بالكامل أيضاً.

لكن الرأسمالية الحديثة جعلت كثيراً من أسئلته أكثر حضوراً لا أقل.

تركز الثروة، نمو الشركات العملاقة، انتقال رأس المال عبر الحدود، قوة المؤسسات المالية، اتساع الفجوات الاجتماعية وقدرة القوة الاقتصادية على التأثير في السياسة؛ كلها تجعل السؤال الماركسي الأساسي حياً:

من يملك وسائل إنتاج الثروة، وما القوة السياسية والاجتماعية التي تمنحه إياها هذه الملكية؟

وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة تاريخية.

الرأسمالية أنصفت جانباً من ماركس، والدولة الاشتراكية المركزية أنصفت جانباً من باكونين.

ماركس كشف خطر احتكار الثروة.

وباكونين كشف خطر احتكار السلطة.

من كان أقرب إلى الواقع؟

إذا كان السؤال: من قدّم التحليل الأكثر عمقاً للرأسمالية؟

فالجواب، في تقديري، هو ماركس.

لم يقدم باكونين نظرية متكاملة في الاقتصاد السياسي تقارن بما أنجزه ماركس في تحليل السلعة والعمل ورأس المال والتراكم والعلاقات الطبقية.

أما إذا كان السؤال:

من كان أكثر قدرة على استشراف المشكلة السياسية التي قد تظهر بعد انتصار الثورة الاشتراكية؟

فهنا يبدو باكونين أقرب إلى جانب مهم من التجربة التاريخية.

لقد أدرك مبكراً أن هناك نوعين مختلفين من القوة ينبغي مراقبتهما:

القوة الناتجة عن الملكية، والقوة الناتجة عن السلطة.

يمكن إلغاء الأولى والإبقاء على الثانية.

ويمكن باسم القضاء على طبقة مالكة إنشاء طبقة حاكمة.

وهذه ربما كانت أهم مساهمة سياسية لباكونين في النقاش الاشتراكي.

ما وراء ماركس وباكونين

بعد قرن ونصف، لم يعد السؤال المفيد أن نقف مع ماركس ضد باكونين أو مع باكونين ضد ماركس.

التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك.

فالحرية السياسية تصبح ناقصة عندما تستطيع الثروة شراء النفوذ والقرار.

لكن العدالة الاقتصادية تصبح خطرة عندما تحتكر الدولة الاقتصاد والسياسة والإعلام والقوة باسم تحقيق المساواة.

الأولى يمكن أن تنتج أوليغارشية المال.

والثانية يمكن أن تنتج أوليغارشية البيروقراطية.

وهنا تصبح المواجهة التي بدأت في الأممية الأولى وانفجرت في لاهاي سنة 1872 شديدة المعاصرة.

ماركس كان يقول لباكونين، في جوهر فكرته:

لن تستطيع تحرير العامل إذا تركت القوة الاقتصادية والسياسية في يد الطبقة التي تستغله.

وباكونين كان يجيبه:

ولن تحرره إذا أخذت تلك القوة من البرجوازية وسلمتها إلى نخبة جديدة تحكم باسمه.

الخاتمة: سؤالان بدلاً من إجابة واحدة

كانت الأممية الأولى المحطة التأسيسية الأولى لأنها وضعت الرؤيتين داخل مؤسسة واحدة وأجبرتهما على الانتقال من النظرية إلى سؤال التنظيم والسلطة.

وكان مؤتمر لاهاي سنة 1872 المحطة التأسيسية الثانية لأنه حوّل الاختلاف إلى قطيعة سياسية وتاريخية.

ثم جاء سانت إيمييه ليكرس وجود طريق مناهض للسلطوية في مواجهة الطريق السياسي المركزي.

لكن الصراع لم ينتهِ بطرد باكونين، ولم ينتهِ بموت الرجلين.

لقد انتقل إلى القرن العشرين، ثم إلى القرن الحادي والعشرين.

ويمكن اختزال إرث ماركس في سؤال:

من يملك الثروة؟

واختزال تحذير باكونين في سؤال آخر:

من يملك السلطة؟

كانت مأساة بعض تجارب اليسار أنها اعتقدت أن الإجابة عن السؤال الأول تلغي الحاجة إلى الثاني.

وكانت مشكلة الرأسمالية الليبرالية أنها افترضت أحياناً أن الحرية السياسية تجعل تركيز الثروة مسألة ثانوية.

والتجربتان تقولان شيئاً آخر.

لا يكفي توزيع الثروة إذا احتُكرت السلطة.

ولا تكفي الانتخابات والحقوق السياسية إذا وصل تركيز الثروة إلى مستوى يسمح بشراء النفوذ والقرار.

لذلك، وبعد أكثر من مئة وخمسين عاماً على لاهاي، ربما لم يعد علينا أن نسأل:

من انتصر، ماركس أم باكونين؟

بل أن نسأل:

كيف نبني مجتمعاً لا يستطيع فيه المال شراء السلطة، ولا تستطيع فيه السلطة امتلاك المجتمع؟

ماركس علّم اليسار أن يشك فيمن يحتكر الثروة.

وباكونين علّمه ــ أو حاول أن يعلمه ــ أن يشك أيضاً فيمن يحتكر السلطة باسم تحريره.

وبين السؤالين ربما توجد القضية التي لم يحسمها لا مؤتمر لاهاي، ولا الثورة الروسية، ولا القرن العشرون كله:

كيف يمكن تحقيق العدالة من دون التضحية بالحرية، وبناء الحرية من دون تحويلها إلى امتياز اقتصادي للأقوى؟

Notes

[1] Henryk Katz, The Emancipation of Labor: A History of the First International, Greenwood Press, 1992. انظر أيضاً: Julius Braunthal, History of the International, 1864–1914, Vol. I, Frederick A. Praeger, 1967.

[2] Mikhail Bakunin, Federalism, Socialism, Anti-Theologism (1867–1868)، في عرضه لمبدأ التنظيم الفيدرالي وبناء المؤسسات الاجتماعية والسياسية من القاعدة إلى الأعلى. انظر أيضاً: Sam Dolgoff (ed.), Bakunin on Anarchy, Vintage Books, 1972.

[3] Karl Marx, The Civil War in France (1871), in Marx and Engels Collected Works, Vol. 22, Lawrence & Wishart. النص من أهم المصادر لفهم قراءة ماركس لكومونة باريس وموقفه من آلة الدولة القائمة.

[4] International Working Men’s Association, Resolutions of the Conference of Delegates of the International Working Men’s Association, Assembled at London from 17th to 23rd September 1871. ولا سيما القرار المتعلق بالعمل السياسي للطبقة العاملة.

[5] International Working Men’s Association, The Hague Congress of the First International, 2–7 September 1872: Minutes and Documents. انظر أيضاً وثائق المجلس العام والتقارير المتعلقة بـAlliance of Socialist Democracy وباكونين وJames Guillaume. تشكل وثائق المؤتمر المصدر الأولي الأساسي لفهم الانتقال من النزاع التنظيمي إلى الانقسام السياسي المفتوح.

[6] Mikhail Bakunin, Statism and Anarchy (1873), ed. and trans. Marshall S. Shatz, Cambridge University Press, 1990. وفيه نقد باكونين لحكم الأقلية باسم البروليتاريا وتحذيره من تحول العمال الحاكمين إلى «عمال سابقين» ومن ظهور «أرستقراطية جديدة» من العلماء والمثقفين ومدّعي المعرفة.

[7] Resolutions of the Anti-Authoritarian International Congress at Saint-Imier, 15–16 September 1872. أكدت القرارات استقلال الاتحادات والأقسام العمالية، ورفضت السلطة التشريعية المركزية التي تستطيع فرض قرارات الأغلبية على الأقليات، ودافعت عن التحالف الحر بين الاتحادات.

[8] Karl Marx, Critique of the Gotha Programme (1875), in Marx and Engels Collected Works, Vol. 24, Lawrence & Wishart. ويتضمن النص تصور ماركس للمرحلة الانتقالية بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي واستخدامه مفهوم «الديكتاتورية الثورية للبروليتاريا».

[9] Karl Marx, Conspectus of Bakunin’s Statism and Anarchy (1874), in Marx and Engels Collected Works. لهذه الملاحظات أهمية خاصة لأنها تتضمن ردود ماركس المباشرة على اعتراضات باكونين بشأن حكم العمال والدولة والتمثيل السياسي.

[10] Mikhail Bakunin, On the International Workingmen’s Association and Karl Marx (1872). من النصوص الأساسية لفهم موقف باكونين من ماركس والمجلس العام والمركزية داخل الأممية.

[11] Wolfgang Eckhardt, The First Socialist Schism: Bakunin vs. Marx in the International Working Men’s Association, PM Press, 2016. دراسة حديثة موسعة تعيد بناء المراحل التنظيمية والفكرية للصراع بين التيارين داخل الأممية الأولى.

[12] Robert M. Cutler, “The Bakunin–Marx Conflict,” in الدراسات التاريخية المتعلقة بالأممية الأولى؛ وانظر كذلك E. H. Carr, Michael Bakunin, Macmillan, 1937، للسياق السياسي والفكري لتطور فكر باكونين وعلاقته بماركس.

[13] James Guillaume, L’Internationale: Documents et Souvenirs (1864–1878), 4 vols., Paris, 1905–1910. مصدر أولي مهم من داخل المعسكر المناهض للسلطوية، ويجب قراءته مع وثائق المجلس العام بسبب موقع غيوم نفسه في الصراع.

[14] David McLellan, Karl Marx: A Biography, Palgrave Macmillan؛ وIsaiah Berlin, Karl Marx: His Life and Environment, Oxford University Press. للمسار الفكري والسياسي لماركس ووضع خلافه مع باكونين ضمن التطور الأوسع لفكره.

[15] Paul Avrich, The Russian Anarchists, Princeton University Press, 1967. يفيد في تتبع الأثر اللاحق للتقليد الباكونيني وعلاقته بالنقد الأناركي للدولة والحزب المركزي بعد الثورة الروسية.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

ناجي العلي… حنظلة الذي رفض أن يدير ظهره لفلسطين وإن أدار ظهره للعالم!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد في التاسع والعشرين من آب/أغسطس 1987، مات ناجي العلي في...

حين تصبح الشتيمة بديلاً عن السياسة: سيكولوجيا جمهور الممانعة بعد هزيمة المحور

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد يكفي أحياناً أن تقوم بجولة قصيرة في وسائل التواصل الاجتماعي،...

من بقرة بني إسرائيل إلى مفاوضات لبنان: حين يصبح الشرط مدخلاً لشرط جديد

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ثمة قصص دينية لا تبقى حبيسة زمنها، بل تتحول...