أخباركم – أخبارنا/ فاطمة حوحو
في زمن انتشار وسائل التواصل الإجتماعي وموقع صحافتها المشكك بها، يمكن أن ينشر أي شىء وتتحول الصحافة من مصدر للمعلومات المؤكدة إلى مجرد شائعة تصبح حقيقية ومقنعة لجمهور لم يتعود أن يدقق أو يسمع الآخر أو يطلع على وجهة نظر مختلفة، يكفي ان ينطق بذلك زعيم سياسي أو رجل دين يدعي أن قوته إلهية ويجب تصديق ما يقوله لمجرد إنه الناطق به.
في 14 آب استشهد أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم في خطاب له بكلام مجهول المصدر عرفه بكونه مفكر يهودي يدعى “موشي يائير” وقال أنه منشور في مقالة له في صحيفة “يديعوت آحرنوت”.
هكذا صعدت هذه المعلومة من حساب على منصة اجتماعية إلى موقع إلكتروني إلى الإعلام لتصل إلى خطاب سياسي لنعيم قاسم من دون وجود نص أصلي لما إدعاه قاسم إنه منشور في الصحيفة الإسرائيلية.
النص الذي تلاه قاسم يتناول المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية في واشنطن، وينتقد الوفد اللبناني، ويعتبر أن المقاومة هي ورقة القوة الأساسية التي يملكها لبنان في مواجهة إسرائيل.
كما تضمن اتهامات قاسية للوفد اللبناني المفاوض، بقوله إن بعض أعضائه يساعدون إسرائيل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على تحقيق أهدافها في لبنان.
فقد اعتقد الشيخ نعيم إنه حين يكون الاستشهاد مبنيًا على أن الكاتب «مفكر يهودي» وأنه يكتب في صحيفة إسرائيلية، تصبح هوية الكاتب ومكان نشر النص جزءًا أساسيًا من حجته لمهاجمة الوفد المفاوض وتبرير سياسات حزبه وحروب إسناده وبالتالي لتعطيه قوة سياسية تبرر بقاء سلاحه خارج الشرعية اللبنانية.
لقد فتح البحث في أصل النص والاسم سلسلة من الأسئلة، فالمشكلة لم تكمن في مضمون النص وحده، وإنما في مصدره.
وفي تتبع هذا الاستشهاد للشيخ نعيم وجعله حجة، تبين إلى النص أقدم من الخطاب، فهو لم يظهر للمرة الأولى في خطابه في آب/أغسطس.
فقبل ذلك في 9 حزيران/يونيو 2026 ظهرت نسخة منه على موقع «صدى الولاية»، منسوبة إلى «المفكر اليهودي موشي مائير» في جريدة «يديعوت أحرونوت“.
وفي 10 حزيران أعادت «مجلة الحقائق» نشر النص بالصيغة نفسها تقريبًا، ونسبته أيضًا إلى «موشي مائير» في «يديعوت أحرونوت».
وفي 11 حزيران أعادت «الشراع» نشر المادة تحت عنوان مشابه.
أي أن النص كان متداولًا في مواقع عربية منذ حزيران، قبل خطاب قاسم في آب.
وهنا السؤال إذا كان النص موجودًا منذ حزيران، فلماذا لم يظهر مصدره الأصلي باللغة العبرية؟
فالبحث عن المقال المنسوب إلى «يديعوت أحرونوت» لم يقُد إلى نسخة عبرية أصلية يمكن مطابقتها مع النص العربي.ولم يظهر، في المصادر التي أمكن التحقق منها، كاتب معروف في الصحيفة بهذا الاسم مرتبط بهذا المقال.
وهنا مشكلة أخرى: الاسم نفسه غير ثابت، فالنسخ العربية الأولى تتحدث عن موشي مائير، بينما استخدم نعيم قاسم، موشي يائير.
وقد يبدو الفرق بسيطًا عند نقل الأسماء من العبرية إلى العربية، لكنه يصبح جوهريًا عندما نبحث عن شخص محدد ومقال محدد في أرشيف صحيفة.
فالتحقق الصحافي لا يقوم على تشابه الأسماء، وإنما على سلسلة من العناصر: اسم الكاتب باللغة الأصلية، عنوان المقال، تاريخ النشر، الصحيفة، والأصل القابل للمراجعة.
فاسم «موشي يائير» كان قد ظهر سابقًا في قصة مختلفة تمامًا، وثقها تحقيق استقصائي نشرته «أريج» عام 2025.
التحقيق تتبع حسابًا على منصة «إكس» أصبح معروفًا لاحقًا باسم «موشي جرادي»، وتبين أنه غيّر أسماءه وهويته أكثر من مرة. ومن بين الأسماء التي استخدمها الحساب في مراحل سابقة: “يائير موشى» ثم «موشى يائير“.
وخلص التحقيق إلى أن الحساب استخدم صورًا تعود إلى أشخاص آخرين، وأن الهوية التي قدم بها نفسه لم تكن حقيقية. كما تناول التحقيق الطريقة التي ساهمت بها إعادة نشر وسائل إعلام عربية لمحتوى الحساب في منحه شرعية ومصداقية لم تكن قائمة على تحقق مستقل.
وهنا تصبح القصة أكثر إثارة. فالاسم مطابق أو شديد القرب من الاسم الذي ظهر لاحقًا في النص المنسوب إلى «مفكر يهودي“ فهل الشخصان واحد؟
فوجود اسم «موشى يائير» في تاريخ حساب ثبت أنه استخدم هوية مزيفة لا يكفي لإثبات أن صاحب الحساب هو نفسه الشخص الذي يقف وراء النص المتداول عن لبنان.
قد يكون الأمر مجرد تشابه في الاسم، وقد يكون هناك شخص آخر، وقد يكون الاسم قد نُقل أو كُتب بصورة خاطئة، وقد يكون النص نفسه منسوبًا إلى شخصية لم يكن لها وجود في الأصل. كل هذه احتمالات، ولا يجوز تحويل أي منها إلى حقيقة قبل وجود الدليل، أي غياب المقال العبري الأصلي.
من أين بدأت المعلومة؟
في 9 حزيران 2026: ظهور النص في موقع عربي ونسبته إلى «موشي مائير» في «يديعوت أحرونوت“.
10 حزيران: إعادة نشره في موقع عربي آخر.
11 حزيران: إعادة نشره في موقع ثالث.
14 آب: ظهور النص نفسه تقريبًا في خطاب نعيم قاسم، لكن باسم «موشي يائير“.
وفي كل هذه المراحل، يبقى العنصر المفقود: المقال العبري الأصلي.
والقضية هنا أكبر من «موشي يائير“. إنها تتعلق بآلية خطيرة في صناعة المعلومات السياسية.
قد يبدأ نص من مصدر مجهول، ثم ينشره موقع واحد، ثم يعيد موقع ثانٍ نقله، ثم ثالث. بعد ذلك يصبح من السهل القول: «هذا ما كتبه المفكر الإسرائيلي“.
ومع كل إعادة نشر، يزداد الإحساس بأن المعلومة موثقة، رغم أن الجميع قد يكونون نقلوا عن المصدر نفسه.
وهذا ما كشفه تحقيق «أريج» في قضية الحساب الذي أصبح «موشي جرادي»: إعادة التداول الإعلامي يمكن أن تمنح الحساب أو الشخصية الوهمية ما يشبه الشرعية، رغم غياب التحقق من الهوية.
المشكلة إذن ليست فقط في خبر كاذب أو اسم غير صحيح.
المشكلة في سلسلة المصداقية الوهمية: مصدر غير موثق →إعادة نشر → تكرار → اسم يكتسب شهرة → استشهادسياسي.
وفي النهاية يصبح السؤال عن المصدر الأصلي أكثر صعوبة، لأن الجميع باتوا يشيرون إلى الجميع.
لماذا الكاتب «يهوديًا»؟
هنا توجد زاوية سياسية وإعلامية مهمة. فالاستشهاد بآراء كاتب عربي معارض للمفاوضات شيء، أما القول إن «مفكرًا يهوديًا» يكتب في صحيفة إسرائيلية يرى أن لبنان يخطئ بالتخلي عن المقاومة، فهو شيء آخر.
فالهوية الإسرائيلية المفترضة للكاتب تمنح الكلام وزنًا إضافيًا: كأن الرسالة تقول للقارئ إن هذا ليس موقف المقاومة وحدها، بل إن «الإسرائيليين أنفسهم» يعترفون بأن لبنان يملك ورقة قوة في المقاومة. وهذا يجعل التحقق من شخصية الكاتب ومصدر كلامه ضرورة، وليس ترفًا صحافيًا.
يمكن القول إن هناك أربع حقائق تستحق التوقف عندها:
أولًا، النص الذي استشهد به قاسم كان متداولًا على مواقع عربية قبل خطابه بفترة طويلة.
ثانيًا، النسخ العربية الأولى نسبت النص إلى «موشي مائير»، بينما استخدم قاسم اسم «موشي يائير».
ثالثًا، لا يوجد نص عبري اصلي للمقال المنسوب إلى «يديعوت أحرونوت» بما يسمح بتوثيقه.
رابعًا، اسم «موشى يائير» ظهر سابقًا كاسم استخدمه حساب إلكتروني ثبت في تحقيق استقصائي أنه استخدم هوية وصورًا غير حقيقية.
لا يوجد حتى الآن دليل مباشر يثبت أن صاحب الحساب المذكور هو نفسه صاحب النص الذي استشهد به قاسم.وهذه المسافة بين «القرينة» و«الدليل» هي التي يجب أن يحافظ عليها أي تحقيق صحافي محترف.
الاسئلة المفتوحة تجعل من «موشي يائير» أكثر من مجرد اسم ورد في خطاب سياسي. إنها تجعل منه خيطًا يقود إلى قصة عن صناعة المعلومة السياسية، وعن قدرة اسم غير موثق على الانتقال من فضاء الإنترنت إلى وسائل الإعلام، ثم إلى خطاب سياسي، من دون أن يمر بالضرورة من بوابة المصدر الأصلي.
وفي الصحافة، قد يكون السؤال الأهم أحيانًا ليس: ماذا قال الرجل؟ فهل كان هناك رجل أصلًا؟ وإذا كان موجودًا، أين قال ذلك؟ وإذا قاله فعلًا، أين النص الأصلي؟ وإذا لم نستطع العثور عليه، فالسؤال يصبح أكثر بساطة وأكثر خطورة: من كتب النص الذي وصل إلينا، ولماذا اختار له اسم «مفكر يهودي»؟



