أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ثمة قصص دينية لا تبقى حبيسة زمنها، بل تتحول مع مرور القرون إلى استعارات سياسية واجتماعية قابلة للاستدعاء كلما تشابهت أنماط السلوك، لا الأشخاص ولا الجماعات. ومن أكثر القصص القرآنية دلالة في هذا السياق قصة البقرة التي وردت في سورة البقرة، حين جاء الأمر الإلهي لبني إسرائيل واضحاً ومباشراً: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً». كان المطلوب بسيطاً في أصله، لكن التنفيذ لم يأتِ بسيطاً.
بدأت الأسئلة: «أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا؟»، ثم: «ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ»، وحين جاء الجواب لم ينتهِ الأمر، بل تبعه سؤال جديد عن اللون: «مَا لَوْنُهَا»، ثم سؤال ثالث يعيد فتح المواصفات من جديد: «إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا». وفي كل مرة كان نطاق الاختيار يضيق أكثر، إلى أن انتهت القصة بالعبارة القرآنية المكثفة: «فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ».[1]
المغزى هنا ليس قومياً ولا عرقياً، ولا يصح تحويل النص الديني إلى حكم أبدي على اليهود المعاصرين أو على أي شعب. لكن القصة تقدم نموذجاً بالغ القوة لما يمكن تسميته اليوم بـالتفاوض الذي يتحول فيه كل جواب إلى سؤال جديد، وكل اتفاق مبدئي إلى مجموعة إضافية من الشروط.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن النظر إلى مأزق التفاوض اللبناني مع إسرائيل.
سبع جولات… وكيف تغيّر موضوع التفاوض في كل مرة
ليس هذا الاستنتاج مجرد استعارة دينية. فالنظر إلى مسار الجولات السبع من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل منذ أبريل/نيسان 2026 يكشف كيف انتقل جدول الأعمال تدريجياً من مسألة وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي إلى شبكة متزايدة من الشروط المتعلقة بسلاح حزب الله، وانتشار الجيش اللبناني، وآليات التحقق، والمناطق التجريبية، وصولاً إلى هوية الجهة الدولية التي ستراقب التنفيذ.
بدأت الجولة الأولى في واشنطن في 14 أبريل/نيسان 2026، وكان الهدف الأساسي تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مسار سياسي يمكن أن يؤدي إلى إنهاء الحرب. وبعد هدنة مؤقتة، جاءت الجولة الثانية في 23 أبريل/نيسان وتركز النقاش على تمديد التهدئة ومنع العودة إلى المواجهة. كانت الأولوية اللبنانية واضحة: وقف النار، الانسحاب وعودة النازحين. أما إسرائيل فكانت تدفع منذ البداية باتجاه ربط أي تسوية بالترتيبات الأمنية ومستقبل سلاح حزب الله.[2]
في الجولتين الثالثة والرابعة خلال مايو/أيار وبداية يونيو/حزيران، بدأ نطاق المفاوضات يتوسع. لم يعد السؤال فقط: متى تتوقف العمليات ومتى تنسحب إسرائيل؟ بل أصبح: ماذا سيحدث بعد الانسحاب؟ من سيملأ الفراغ؟ ما حجم انتشار الجيش اللبناني؟ ماذا عن حزب الله جنوب الليطاني؟ وما الضمانة بأن المنطقة لن تعود منصة عسكرية؟ وظهرت تدريجياً صيغة تربط وقف الأعمال العسكرية وانسحاب القوات الإسرائيلية بانتشار الجيش اللبناني وإبعاد السلاح غير الحكومي عن المنطقة.[3]
ثم جاءت الجولة الخامسة في واشنطن في 23 يونيو/حزيران، ومنها دخل مصطلح «المناطق التجريبية» أو Pilot Zones إلى قلب التفاوض: تنسحب إسرائيل من مناطق محددة، يدخل الجيش اللبناني، وتُختبر قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيطرتها قبل توسيع الانسحاب. وانتهى هذا المسار في 26 يونيو/حزيران إلى توقيع اتفاق إطاري برعاية أميركية، ربط عملياً الانسحاب الإسرائيلي المتدرج بانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها حزب الله.[3]
كان يمكن الاعتقاد عند هذه النقطة أن المشكلة انتقلت من التفاوض إلى التنفيذ.
لكن السؤال الإسرائيلي التالي أصبح، بالمعنى السياسي: كيف نعرف أن الجيش اللبناني يسيطر فعلاً؟
وهكذا جاءت الجولة السادسة في روما في 14 و15 يوليو/تموز 2026. وخلال الاجتماع طلب الجانب الإسرائيلي توضيحات بشأن آلية انتشار الجيش اللبناني وكيفية التحقق من سيطرته الكاملة بعد الانسحاب الإسرائيلي. أي إن الاتفاق على الانسحاب لم يعد كافياً؛ أصبح المطلوب أيضاً الاتفاق على الطريقة التي يُثبت بها لبنان أنه نفّذ التزاماته.[4]
وبعد بدء تطبيق نموذج أولي في بعض المناطق وانتشار الجيش اللبناني عقب انسحاب إسرائيلي محدود، جاءت الجولة السابعة في روما من 4 إلى 6 أغسطس/آب 2026. وهنا ظهرت طبقة جديدة من الأسئلة. لم يعد الأمر متعلقاً فقط بانتشار الجيش اللبناني، بل بمن سيقوم بالتحقق من هذا الانتشار ومن نزع السلاح، وما صلاحياته، وهل تشمل عمليات التحقق المنازل الخاصة، وما الدول التي يمكن أن تشارك في الآلية الدولية. وطرحت أسماء عدد من الدول ضمن النقاش، في وقت نفت فيه بيروت لاحقاً أن تكون قد وافقت نهائياً على قائمة محددة.[5]
وانتهت الجولة السابعة من دون اختراق حاسم. بقي لبنان يطالب بانسحاب كامل ووقف مستقر للأعمال العسكرية، بينما تمسكت إسرائيل بأولوية نزع سلاح حزب الله وبآليات تحقق تسبق أو ترافق المزيد من الانسحابات.[6]
وهنا تحديداً تبدأ المفارقة السياسية.
كان السؤال في أبريل: كيف نوقف الحرب؟
ثم أصبح: كيف تنسحب إسرائيل؟
ثم: أين ينتشر الجيش اللبناني؟
ثم: كيف يُنزع سلاح حزب الله؟
ثم: كيف نتحقق من نزع السلاح؟
ثم: من الذي يتحقق؟
ثم: وما الصلاحيات التي يملكها من يتحقق؟
أي إن كل جواب أنتج سؤالاً جديداً.
وهذا هو بالضبط ما يجعل قصة البقرة استعارة مثيرة للتأمل في الحالة اللبنانية.
لبنان يدخل عادة أي مسار تفاوضي وهو يظن أن موضوع البحث محدد: وقف إطلاق النار، انسحاب من نقطة معينة، تثبيت حدود، معالجة خرق، أو تنفيذ اتفاق سابق. لكنه سرعان ما يكتشف أن النقطة الواحدة لا تبقى نقطة واحدة. يصبح الانسحاب مرتبطاً بالضمانات، والضمانات مرتبطة بالسلاح، والسلاح مرتبطاً بالانتشار، والانتشار مرتبطاً برقابة دولية، والرقابة مرتبطة بجهة التحقق وصلاحياتها، ثم تظهر شروط لم تكن جزءاً من نقطة البداية.
وهكذا لا يعود التفاوض بحثاً عن حل لمسألة واحدة، بل يتحول إلى عملية إعادة تعريف مستمرة للمسألة نفسها.
هذه تحديداً هي المفارقة التي تستحضر قصة البقرة: كلما اقترب الطرف من تنفيذ المطلوب، ظهر سؤال جديد حول ما هي؟ ما لونها؟ ما صفاتها؟
في السياسة الحديثة يسمى ذلك أحياناً رفع سقف المطالب تدريجياً أو التفاوض المرحلي المشروط. يبدأ الطرف بمطلب يبدو قابلاً للتحقيق، ثم بعد قبول الإطار الأول ينتقل إلى اشتراطات أخرى، بحيث يصبح التنفيذ النهائي معلقاً على سلسلة متوالية من المتطلبات.
لكن لا ينبغي تبسيط الصورة إلى القول إن إسرائيل وحدها تطرح أسئلة بلا سبب؛ فمن وجهة النظر الإسرائيلية، يرتبط الانسحاب بضمان عدم عودة حزب الله إلى المناطق التي تنسحب منها قواتها. أما من وجهة النظر اللبنانية، فتكمن المشكلة في أن الانسحاب، الذي يفترض أن يكون التزاماً قائماً بذاته، بات مرتبطاً بشروط أمنية تتطور وتتوسع مع تقدم المفاوضات. وهذا هو جوهر الخلاف الحقيقي.
المشكلة بالنسبة إلى لبنان أن ميزان القوة ليس متكافئاً. ففي التفاوض بين دولتين متقاربتين في القوة، يستطيع كل طرف أن يرفض إضافة شروط جديدة أو أن يطالب بثمن مقابلها. أما عندما يكون أحد الطرفين أقوى عسكرياً وسياسياً ويتمتع بقدرة أكبر على فرض الوقائع الميدانية، فإن القدرة على تغيير جدول الأعمال تصبح جزءاً من القوة نفسها.
لهذا لا تكمن صعوبة التفاوض اللبناني مع إسرائيل فقط في ما تطلبه إسرائيل، بل في قدرة إسرائيل على أن تجعل ما تم الاتفاق عليه بالأمس مقدمة للتفاوض من جديد اليوم.
يقول لبنان: سننشر الجيش.
يأتي السؤال: كيف؟
فيجيب: في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
يأتي السؤال: ومن يضمن أن حزب الله لن يعود؟
فيقال: الجيش اللبناني.
فيأتي السؤال: ومن يتحقق من عمل الجيش؟
فيقال: آلية دولية.
فيأتي السؤال: أي آلية؟ وأي دول؟ وبأي صلاحيات؟
ثم يأتي السؤال الأخطر: هل يحق للمراقبين دخول المنازل الخاصة للتأكد من عدم وجود السلاح؟
وهنا لم نعد أمام تنفيذ اتفاق فقط، بل أمام تفاوض جديد على معنى السيادة نفسها.
والجولة السابعة أظهرت بوضوح أن المسألة لم تعد انسحاباً مقابل انتشار الجيش فحسب. إسرائيل ربطت المزيد من الانسحاب بتقدم عملية نزع سلاح حزب الله والتحقق منها، بينما يصر حزب الله على أن البحث في سلاحه لا يمكن فصله عن مسألة الانسحاب الإسرائيلي. وهكذا نشأت الحلقة المغلقة: إسرائيل لا تريد استكمال الانسحاب قبل تقدم مسار نزع السلاح، وحزب الله لا يقبل معالجة ملف السلاح باعتباره منفصلاً عن الانسحاب.[7]
وبين الشرطين يقف لبنان الرسمي، مطالباً بإقناع كل طرف بأن يقوم أولاً بما ينتظره الطرف الآخر منه.
هنا يجب أن يكون لبنان حذراً من خطأ أساسي: أن يدخل التفاوض وهو يعتقد أن تقديم تنازل في نقطة ما سيؤدي تلقائياً إلى إغلاق الملف. التنازل الذي لا يقابله التزام واضح وقابل للقياس قد لا يغلق باباً، بل قد يفتح باباً جديداً.
وهذا لا يعني أن لبنان يجب أن يرفض التفاوض. على العكس، بلد صغير ومثقل بالأزمات يحتاج إلى السياسة والدبلوماسية أكثر من حاجته إلى الحروب. لكن التفاوض الناجح يحتاج إلى ثلاثة عناصر لا غنى عنها: تعريف واضح للنتيجة النهائية، وربط كل خطوة لبنانية بخطوة إسرائيلية مقابلة ومتزامنة، ومنع تحويل تنفيذ كل مرحلة إلى فرصة لإضافة شروط لم تكن جزءاً من الاتفاق الأصلي.
فالفرق كبير بين مفاوضات تنتهي باتفاق، ومفاوضات يتحول فيها الاتفاق نفسه إلى بداية مفاوضات جديدة.
قصة البقرة في القرآن تنتهي بعبارة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: «فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ».[1]
أما في لبنان، فبعد سبع جولات، قد يكون السؤال السياسي الأكثر دقة ليس: هل هناك اتفاق؟
بل: كم سؤالاً جديداً سيظهر قبل أن يصبح الاتفاق قابلاً للتنفيذ؟
لأن تجربة الأشهر الماضية تقول إن المشكلة لم تعد في العثور على البقرة.
لقد عُثر عليها.
المشكلة أن التفاوض ما زال مستمراً حول لونها، وعمرها، ومن يثبت أنها البقرة المطلوبة أصلاً.
Notes
[1] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآيات 67–71.
[2] مركز الجزيرة للدراسات، تحليل مسار المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية وتطورها خلال ربيع 2026، مع التركيز على وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية ومستقبل سلاح حزب الله.
[3] الجزيرة نت، تغطية الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، يونيو/حزيران 2026، وما تضمنه من ترتيبات مرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي، انتشار الجيش اللبناني ومسألة السلاح خارج سلطة الدولة.
[4] Anadolu Agency، تغطية الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية في روما، 14–15 يوليو/تموز 2026، ولا سيما النقاش المتعلق بانتشار الجيش اللبناني وآليات التحقق.
[5] Reuters، تقارير أغسطس/آب 2026 حول المباحثات المتعلقة بإنشاء آلية دولية للتحقق من تطبيق الترتيبات الأمنية ونزع السلاح، والموقف اللبناني من الدول المقترحة للمشاركة فيها.
[6] Le Monde، تقرير حول تعثر الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية في أغسطس/آب 2026 والخلاف حول الانسحاب ونزع السلاح وآليات التحقق.
[7] Reuters، أغسطس/آب 2026، حول ربط الجانب الإسرائيلي استكمال الانسحاب بالتقدم في نزع سلاح حزب الله، والخلاف حول ترتيب وتسلسل الالتزامات بين الطرفين.



