أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
في حديث طويل جمعني بأحد رفاق جورج حاوي الكبار، طرحت عليه سؤالاً بقي معلقاً في الذاكرة السياسية اللبنانية منذ صباح الحادي والعشرين من حزيران/يونيو 2005: من قتل جورج حاوي؟
لم يتردد كثيراً في الإجابة. قال لي إن قناعته هي أن هناك «يداً واضحة لحسن نصرالله وبشار الأسد» في ما جرى.
هذه بطبيعة الحال شهادة سياسية وقناعة شخصية لصاحبها، وليست حكماً قضائياً مثبتاً. وهذه نقطة ضرورية، ليس فقط من باب الدقة، وإنما أيضاً لأن اغتيال جورج حاوي لم يصل إلى خاتمة قضائية نهائية تحدد المسؤولين المباشرين عنه. الثابت أن حاوي اغتيل في 21 حزيران/يونيو 2005 بواسطة عبوة متفجرة وضعت أسفل سيارته، وأن اغتياله جاء ضمن سلسلة من عمليات الاغتيال ومحاولات الاغتيال التي شهدها لبنان في تلك المرحلة.[1]
وقد سجلت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة أن عمليات استهداف سمير قصير وجورج حاوي ومي شدياق تشابهت من حيث أسلوب التنفيذ، إذ وضعت عبوات أسفل سياراتهم، كما أشارت إلى أن الشخصيات الثلاث كانت معروفة بانتقادها الوجود السوري في لبنان.[2] لكن هذا السياق، مهما كان مهماً، لا يسمح بتحويل القناعة السياسية بشأن الجهة المسؤولة إلى حقيقة قضائية غير مثبتة.
بعد إجابته، سألته:
طيب، وماذا كان بإمكانك أن تفعل في ذلك الوقت؟
قال:
«أدعو عليهم إلى الله، وهو سينتقم منهم».
ثم أضاف، بعد كل هذه السنوات، أنه يرى في مقتل حسن نصرالله وسقوط بشار الأسد تحققاً لما كان ينتظره، وقال لي بمعنى واضح:
«هكذا حصلت العدالة الإلهية. وهذا أقصى ما كنت أتمناه أن أراه في الدنيا».
ليس هدفي هنا إثبات مفهوم «العدالة الإلهية» سياسياً أو تاريخياً. الإيمان بالعدالة الإلهية مسألة شخصية لا تخضع لأدوات المؤرخ أو الباحث السياسي. ما يهمني هو شيء آخر تماماً: ماذا تكشف هذه العبارة عن جيل سياسي لبناني كامل شعر بأن المشروع الذي أمضى حياته في بنائه لم يهزم أمام إسرائيل، بل تعرض للهزيمة من داخل المعسكر الذي رفع لاحقاً راية المقاومة؟
وهنا قال رفيق جورج حاوي الكبير جملة أعتقد أنها تختصر جوهر المسألة:
«ليس صحيحاً أن إسرائيل هزمتنا. الهزيمة أتت على يد حزب الله وإيران. نحن في جبهة المقاومة انتصرنا عليهم وهزمناهم. وكذلك مصر السادات انتصرت عليهم، وعرفات انتصر بشكل أو بآخر وعاد إلى فلسطين. هم فقط انهزموا».
هذه ليست جملة عابرة.
إنها تختصر صراعاً عمره عقود حول سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة أحد أعقد أسئلة المشرق العربي:
ما معنى الانتصار؟ ومن يملك حق تسمية نفسه مقاومة؟
المقاومة لم تبدأ مع حزب الله
هناك حقيقة أساسية غالباً ما تضيع في السرديات السياسية المتنافسة: المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي لم تبدأ مع حزب الله.
في 16 أيلول/سبتمبر 1982، وبعد الاجتياح الإسرائيلي ووصول القوات الإسرائيلية إلى بيروت، أعلن جورج حاوي، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، ومحسن إبراهيم، الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان، إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية – جمول، ودعوا اللبنانيين إلى تنظيم مقاومة وطنية ضد الاحتلال.[3]
وشارك الشيوعيون واليساريون وقوى وطنية أخرى في عمليات مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
هذه الحقيقة ضرورية لفهم المرارة الموجودة في كلام رفيق جورج حاوي الكبير.
فجورج حاوي لم يكن سياسياً وقف بعيداً عن المواجهة مع إسرائيل ثم قرر لاحقاً التنظير للمقاومة. كان أحد الرجال الذين ارتبط اسمهم بإطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية نفسها.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إيلاماً:
كيف انتهى الأمر بجيل أسس إحدى أبرز تجارب المقاومة اللبنانية إلى أن يجد نفسه خارج الرواية الرسمية والشعبية للمقاومة؟
الهزيمة التي لم تأتِ من إسرائيل
عندما يقول رفيق حاوي إن «إسرائيل لم تهزمنا، حزب الله وإيران هما من هزمنا»، فإنني لا أفهم كلامه باعتباره وصفاً لمواجهة عسكرية بين الحزب الشيوعي وحزب الله.
الهزيمة التي يتحدث عنها كانت أعمق.
كانت هزيمة سياسية وتنظيمية ورمزية.
فالمقاومة التي كانت في بدايات الثمانينيات فضاءً شاركت فيه قوى يسارية وقومية ووطنية متعددة، تحولت تدريجياً إلى مقاومة يهيمن عليها حزب واحد يمتلك تنظيماً أكثر تماسكاً، وتسليحاً أكبر، ودعماً خارجياً أكثر استمرارية.
وبمرور الزمن لم يعد حزب الله يمتلك فقط الجزء الأكبر من القدرة العسكرية للمقاومة، بل أصبح يمتلك أيضاً الرواية السياسية للمقاومة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
لأن القوة السياسية لا تنتصر فقط عندما تستولي على الأرض أو السلاح، وإنما عندما تستولي أيضاً على الذاكرة.
وبمرور السنوات، أصبح الحديث عن «المقاومة اللبنانية» مرتبطاً في الوعي العربي بصورة شبه تلقائية بحزب الله، بينما تراجعت من الذاكرة العامة أسماء وتجارب عشرات الشيوعيين واليساريين والقوميين الذين قاوموا الاحتلال قبل صعود الحزب إلى موقعه المهيمن.
وهنا تحديداً وقعت الهزيمة التي كان يتحدث عنها رفيق جورج حاوي.
لقد خسر اليسار اللبناني المقاومة مرتين:
مرة عندما فقد موقعه داخلها، ومرة عندما فقد روايته عنها.
من يملك المقاومة؟
المسألة لا تتعلق بمن أطلق الرصاصة الأولى، ولا بمن نفذ عدداً أكبر من العمليات.
السؤال الأعمق هو:
هل المقاومة ملك لتنظيم، أم ملك للمجتمع والدولة؟
جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية حملت، على الرغم من خلفيات قواها اليسارية والقومية، تصوراً للمقاومة بوصفها مقاومة لبنانية للاحتلال. وقد دعا إعلانها سنة 1982 اللبنانيين من مختلف الفئات والطوائف إلى الانضمام إلى جبهة وطنية دفاعاً عن لبنان المستقل والسيد.[4]
أما حزب الله فقد تطور ضمن علاقة عقائدية وسياسية وعسكرية عميقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وهنا تغيرت طبيعة السؤال.
لم يعد الأمر فقط:
كيف نقاوم إسرائيل؟
بل:
ضمن أي مشروع نقاومها؟
ومن يحدد توقيت الحرب؟
ومن يحدد توقيت السلام؟
ومن يملك قرار السلاح؟
وهل تستطيع مقاومة أن تبقى مقاومة وطنية إذا أصبح قرارها الاستراتيجي مرتبطاً بشبكة إقليمية تتجاوز حدود الدولة؟
هذه الأسئلة تفسر جانباً كبيراً من الصراع الذي وقع داخل البيئة التي كانت يوماً تسمى الحركة الوطنية والمقاومة اللبنانية.
جورج حاوي: من مقاومة إسرائيل إلى مواجهة الهيمنة السورية
تزداد المفارقة قسوة عندما ننظر إلى السنوات الأخيرة من حياة جورج حاوي.
فالرجل الذي كان أحد أبرز وجوه اليسار اللبناني وأحد مطلقي جبهة المقاومة الوطنية تحول في المرحلة الأخيرة من حياته إلى أحد المنتقدين البارزين للوجود والنفوذ السوريين في لبنان.
ثم جاء اغتياله في 21 حزيران/يونيو 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري وسمير قصير، وفي مناخ لبناني كان يشهد انهياراً أمنياً وسياسياً متسارعاً.
وسجلت تقارير لجنة التحقيق الدولية لاحقاً أن حاوي وقصير ومي شدياق كانوا من الشخصيات المعروفة بانتقاد الوجود السوري، وأن العمليات الثلاث أظهرت أوجه تشابه مهمة في أسلوب التنفيذ.[2]
كما واصلت اللجنة الدولية دراسة الروابط المحتملة بين مجموعة من الاغتيالات ومحاولات الاغتيال، ومن بينها استهداف جورج حاوي، وبين قضية اغتيال رفيق الحريري.[5]
لكن مرة أخرى: السياق ليس إدانة قضائية.
لذلك يبقى كلام رفيق جورج حاوي الكبير شهادة على قناعته وعلى ذاكرة ذلك الجيل، وليس دليلاً قضائياً يسمح لنا بالجزم بمن أعطى الأمر أو نفذ الاغتيال.
وهذا التمييز لا يضعف المقال، بل يجعله أكثر قوة، لأن السؤال الذي أطرحه هنا سياسي وتاريخي قبل أن يكون جنائياً.
السادات وعرفات: هل انتصرا فعلاً؟
الجزء الآخر من كلام رفيق حاوي يستحق تحليلاً مستقلاً.
قال:
«مصر السادات انتصرت عليهم، وعرفات انتصر بشكل أو بآخر وعاد إلى فلسطين. هم فقط انهزموا».
تاريخياً، يجب أن نكون أكثر دقة.
لا يمكن وصف حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 ببساطة بأنها انتصار عسكري مصري كامل. حققت القوات المصرية إنجازاً استراتيجياً وعسكرياً بالغ الأهمية بعبور قناة السويس وتحطيم التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية، ثم تغير مسار العمليات العسكرية لاحقاً.
لكن أنور السادات فعل شيئاً بالغ الأهمية: حوّل الحرب إلى سياسة.
لم يجعل الحرب غاية دائمة.
استخدم نتائجها لتغيير ميزان سياسي كان مجمداً منذ هزيمة 1967، ثم دخل في مسار تفاوضي انتهى، عبر اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، باستعادة مصر سيناء.
يمكن الاعتراض على خيارات السادات السياسية، ويمكن مناقشة الثمن العربي والفلسطيني لاتفاقه المنفرد مع إسرائيل، لكن من الصعب إنكار أنه استطاع تحويل استخدام القوة إلى نتيجة سياسية وجغرافية ملموسة: عودة سيناء إلى السيادة المصرية.[6]
وهذه النقطة هي مفتاح المقارنة.
عرفات: الهزيمة العسكرية والانتصار السياسي الجزئي
الأمر أكثر تعقيداً مع ياسر عرفات.
عرفات لم يهزم إسرائيل عسكرياً.
خرجت منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982، وتوزعت قيادتها وقواتها بعيداً عن فلسطين. وإذا اعتمدنا ميزان القوة العسكري وحده، كان من الممكن اعتبار ذلك نهاية مرحلة كاملة من المشروع الفلسطيني المسلح.
لكن عرفات عاد.
في الأول من تموز/يوليو 1994 دخل ياسر عرفات قطاع غزة بعد سنوات طويلة في المنفى، في سياق تطبيق اتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية.[7]
لم تكن فلسطين قد تحررت.
ولم تقم الدولة الفلسطينية المستقلة.
ولم ينته الاحتلال.
بل أثبتت السنوات اللاحقة حدود أوسلو ومشكلاته البنيوية الخطيرة.
لكن هناك حقيقة لا يمكن محوها: قيادة منظمة التحرير التي كانت تعمل من المنفى أصبحت موجودة على جزء من الأرض الفلسطينية، وظهر لأول مرة منذ عقود كيان سياسي فلسطيني يدير مؤسسات على أرض فلسطين.
ولهذا عندما يقول رفيق حاوي إن «عرفات انتصر بشكل أو بآخر وعاد إلى فلسطين»، فهو لا يتحدث عن انتصار عسكري.
إنه يتحدث عن قدرة السياسي على تحويل خسارته العسكرية إلى إمكانية سياسية جديدة.
متى تصبح المقاومة منتصرة؟
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
ربما كان السؤال الخاطئ الذي طرحناه طوال عقود هو:
من أطلق صواريخ أكثر؟
السؤال الصحيح هو:
ماذا بقي بعد الصواريخ؟
هل استعدت أرضاً؟
هل بنيت دولة؟
هل عززت سيادة مجتمعك؟
هل أصبح شعبك أكثر أمناً؟
هل تحولت القوة العسكرية إلى مكسب سياسي؟
أم أن المقاومة أصبحت غاية بذاتها، بحيث يحتاج استمرار المشروع السياسي إلى استمرار الحرب؟
الفرق هائل بين الحالتين.
المقاومة، في معناها الأصلي، وسيلة وليست غاية.
نقاوم لأن هناك احتلالاً نريد إنهاءه.
نحمل السلاح لأن هناك هدفاً سياسياً لا نستطيع الوصول إليه بوسائل أخرى.
لكن إذا تحول السلاح نفسه إلى مصدر الشرعية، تصبح هناك مشكلة عميقة: التنظيم المسلح يحتاج عندئذ إلى بقاء حالة الصراع لكي يبقى دوره الاستثنائي مبرراً.
وهنا تبدأ المقاومة بالتحول من وسيلة لتحرير المجتمع إلى بنية فوق المجتمع.
المعيار ليس البقاء بل النتيجة
لهذا يمكن إعادة صياغة كلام رفيق جورج حاوي الكبير بطريقة أكثر دقة:
الانتصار ليس أن تبقى تقاتل إلى الأبد؛ الانتصار أن تعرف ماذا تريد من القتال، ومتى تتوقف، وكيف تحول ما حققته في الميدان إلى نتيجة سياسية.
السادات فعل ذلك بطريقته.
عرفات حاول فعله بطريقته، ونجح جزئياً وفشل جزئياً.
وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ساهمت في جعل الاحتلال الإسرائيلي مكلفاً منذ السنوات الأولى للاجتياح.
أما التجربة التي قادتها إيران وحلفاؤها فقد بنت نموذجاً مختلفاً: محوراً إقليمياً مسلحاً يمتد عبر أكثر من دولة، ويجعل المقاومة جزءاً من بنية استراتيجية طويلة الأمد.
وهنا يصبح السؤال عن النتيجة مشروعاً:
بعد كل هذه العقود، ماذا كانت الحصيلة بالنسبة إلى المجتمعات التي حملت هذا المشروع؟
هذا ليس سؤالاً عن شجاعة المقاتلين أو تضحياتهم.
إنه سؤال سياسي عن النتيجة.
حين تأكل المقاومة أبناءها
أعود إلى بداية الحديث.
سألت رفيق جورج حاوي الكبير:
من قتل جورج حاوي؟
أعطاني إجابته.
ثم سألته ماذا كان يستطيع أن يفعل.
فأعطاني إجابة أخرى تماماً:
«أدعو عليهم إلى الله».
بين الجملتين تاريخ كامل.
تاريخ جيل دخل السياسة معتقداً أن بإمكانه تغيير العالم بالسلاح والتنظيم والحزب والثورة، ثم وجد نفسه بعد عقود عاجزاً حتى عن معرفة الحقيقة القضائية الكاملة حول اغتيال أحد أهم قادته.
وربما لهذا كانت عبارته عن «العدالة الإلهية» مؤثرة بالنسبة إليّ.
ليس لأنها تثبت أن ما حدث كان عقاباً إلهياً؛ فهذا أمر لا يستطيع التحليل السياسي إثباته أو نفيه.
بل لأنها تكشف حجم الشعور بالعجز.
حين تعجز الدولة عن تحقيق العدالة، وحين يبقى الاغتيال بلا خاتمة قضائية حاسمة، يبحث الإنسان عن محكمة أخرى.
ورفيق جورج حاوي الكبير وجدها في السماء.
وحين رأى حسن نصرالله يُقتل وبشار الأسد يسقط، اعتبر أن الدائرة قد أغلقت.
وقال إنها العدالة الإلهية التي كان ينتظرها.
قد نتفق معه.
وقد نختلف معه.
لكن الجملة الأخرى تبقى، بالنسبة إليّ، أكثر أهمية:
«إسرائيل لم تهزمنا».
إنها تختصر مأساة قسم كبير من اليسار اللبناني.
جيل قاتل إسرائيل، ثم خسر المقاومة.
جيل ساهم في تأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، ثم رأى اسم المقاومة يصبح مرتبطاً بقوة سياسية أخرى.
جيل خسر السلاح، ثم خسر الشارع، ثم كاد يخسر ذاكرته أيضاً.
ولهذا ربما لم تكن هزيمته الكبرى أمام إسرائيل.
كانت الهزيمة عندما فقد القدرة على تعريف المشروع الذي ساهم هو نفسه في إطلاقه.
وعندما أصبحت المقاومة ملكاً لطرف واحد، أصبح من الممكن إعادة كتابة تاريخها وكأن ما سبق ذلك الطرف لم يكن موجوداً.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فأخطر هزيمة لا تقع عندما يهزمك عدوك، بل عندما يستولي حليف الأمس على قضيتك، وعلى تاريخك، وعلى ذاكرتك، ثم يكتب الرواية من جديد بحيث تصبح أنت هامشاً في قصة كنت أحد الذين بدأوها.
وربما لهذا فإن السؤال الذي تركه لي حديث رفيق جورج حاوي الكبير لم يعد فقط:
من قتل جورج حاوي؟
بل أصبح:
من قتل مشروع جورج حاوي السياسي؟ ومن أخرج اليسار الذي أطلق المقاومة الوطنية اللبنانية من ذاكرة المقاومة؟ وهل يمكن لمقاومة أن تعتبر نفسها منتصرة إذا انتهت بعد عقود وقد خسرت الدولة والمجتمع والسياسة التي كان يفترض أن يحميها السلاح؟
هذه الأسئلة، لا الثأر، هي التي تستحق أن تبقى مفتوحة.
Notes – المراجع
[1] United Nations International Independent Investigation Commission (UNIIIC), Report of the International Independent Investigation Commission established pursuant to Security Council Resolution 1595 (2005)، وتقارير اللجنة اللاحقة حول سلسلة الاغتيالات في لبنان؛ يوثق التقرير مقتل جورج حاوي في 21 حزيران/يونيو 2005 بانفجار عبوة استهدفت سيارته.
[2] United Nations International Independent Investigation Commission (UNIIIC), Third Report of the International Independent Investigation Commission, 2006، الفقرات 73–75؛ حول عمليات استهداف سمير قصير وجورج حاوي ومي شدياق، وتشابه طريقة وضع العبوات أسفل السيارات، ومواقف الشخصيات الثلاث المنتقدة للوجود السوري في لبنان.
[3] إبراهيم حيدر، «ذكرى نداء “جمول” في 16 أيلول 1982: هل تتذكّرون جورج حاوي ومحسن إبراهيم؟»، النهار، 16 أيلول/سبتمبر 2016؛ وانظر أيضاً: Fawwaz Traboulsi, A History of Modern Lebanon, London: Pluto Press, 2007.
[4] L’Orient-Le Jour, “Le 25e anniversaire du Front de la résistance nationale libanaise,” 17 September 2007؛ حول إعلان جورج حاوي ومحسن إبراهيم جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في 16 أيلول/سبتمبر 1982 والدعوة إلى مقاومة الاحتلال دفاعاً عن لبنان المستقل والسيد.
[5] United Nations, Security Council, briefing on the work of the United Nations International Independent Investigation Commission, 19 July 2007؛ ويتناول استمرار التحقيق في عمليات استهداف جورج حاوي وسمير قصير ومروان حمادة ومي شدياق وجبران تويني وغيرهم، ودراسة الروابط المحتملة بينها وبين قضية اغتيال رفيق الحريري.
[6] William B. Quandt, Camp David: Peacemaking and Politics, Washington, D.C.: Brookings Institution Press, 1986؛ وانظر أيضاً: Kenneth W. Stein, Heroic Diplomacy: Sadat, Kissinger, Carter, Begin, and the Quest for Arab-Israeli Peace, New York: Routledge, 1999.
[7] William B. Quandt, Peace Process: American Diplomacy and the Arab-Israeli Conflict Since 1967, Washington, D.C.: Brookings Institution Press؛ وانظر كذلك التغطيات المعاصرة لعودة ياسر عرفات إلى غزة في 1 تموز/يوليو 1994 بعد سنوات المنفى وبداية مرحلة الحكم الذاتي الفلسطيني.



