أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
قبل أن أكتب عن مسعود بارزاني بوصفه زعيماً كردياً وعن ثمانين عاماً من حياته المتداخلة مع ثمانين عاماً من تاريخ الحزب الديمقراطي الكردستاني، لا أستطيع أن أخفي أن لهذا الاسم مكاناً شخصياً وعاطفياً في حياتي يسبق السياسة والكتابة والتحليل.
فحين ولدت، اختار لي والدي اسم مسعود تيمناً بمسعود بارزاني. لم يكن ذلك اختياراً عابراً لاسم أعجبه، بل كان تعبيراً عن انتماء وقناعة وذاكرة سياسية عاشها بنفسه؛ فقد كان والدي عضواً في قيادة فرع لبنان للحزب الديمقراطي الكردستاني، وكان اسم بارزاني بالنسبة إلى جيله يتجاوز شخصاً أو عائلة ليختصر قضية شعب، وجبالاً وثورات ومنفى وحلماً كردياً ظل ينتقل من جيل إلى آخر.
كبرت وأنا أحمل الاسم، ثم كبرت معي دلالته. وما كان بالنسبة إلى والدي موقفاً وانتماءً أصبح بالنسبة إليّ سؤالاً تاريخياً وسياسياً يستحق القراءة والنقد والتأمل. لذلك، عندما أكتب اليوم عن مسعود بارزاني في عيد ميلاده الثمانين، المتزامن بصورة استثنائية مع الذكرى الثمانين لتأسيس حزبه، فإنني لا أكتب عن شخصية بعيدة تماماً عن ذاكرتي الشخصية؛ أكتب عن اسم دخل بيتنا قبل أن أفهم السياسة، وعن رجل اختار والدي أن يضع اسمه في اسمي، وعن مرحلة كان أبي نفسه جزءاً صغيراً من تاريخها.
وربما لهذا السبب تحديداً أشعر أن أفضل وفاء لوالدي وللاسم الذي منحني إياه ليس كتابة مديح، بل محاولة كتابة التاريخ كما حدث: بما فيه من نضال وانتصارات، ومن هزائم وأخطاء، ومن قرارات صعبة وإنجازات صنعت واقعاً لم يكن جيل الآباء يتخيل أنه سيراه يوماً.
فهذا المقال، قبل أن يكون عن مسعود بارزاني، هو أيضاً تحية إلى والدي وإلى جيل آمن بأن كردستان يمكن أن تصبح يوماً أكثر من حلم.
في السادس عشر من آب/أغسطس 2026 تجتمع في الذاكرة السياسية الكردية مناسبتان نادراً ما تلتقيان بهذا القدر من الرمزية: مرور ثمانين عاماً على تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبلوغ مسعود بارزاني عامه الثمانين. فكلاهما وُلد في 16 آب/أغسطس 1946، لكن في مكانين مختلفين وفي قلب لحظة كردية استثنائية: الحزب تأسس سراً في بغداد، بينما وُلد مسعود مصطفى بارزاني في مهاباد، عاصمة جمهورية كردستان القصيرة العمر في إيران.[1]
ولذلك يصعب كتابة سيرة مسعود بارزاني كسيرة رجل منفصلة عن تاريخ الحركة الكردية العراقية. فمن جمهورية مهاباد إلى ثورة أيلول، ومن اتفاق 11 آذار إلى انهيار الثورة عام 1975، ومن الأنفال إلى انتفاضة 1991، ومن الحرب الكردية الداخلية إلى الفيدرالية، ثم الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية واستفتاء 2017، كان بارزاني حاضراً، بصورة أو بأخرى، في معظم المنعطفات التي صنعت كردستان العراق المعاصرة.
لكن الكتابة التاريخية عن زعيم بهذا الحجم لا تكتمل بالاحتفاء وحده. فمسعود بارزاني صاحب إنجازات تاريخية يصعب إنكارها، وفي الوقت نفسه ارتبط اسمه بقرارات شديدة الجدل، وبصراعات داخلية وحروب وتسويات ومغامرات سياسية نجح بعضها وأخفق بعضها الآخر. وهنا تحديداً تكمن أهمية تجربته.
طفل وُلد في جمهورية لم تعش طويلاً
حين وُلد مسعود بارزاني في مهاباد، كان والده الملا مصطفى بارزاني أحد أبرز القادة العسكريين للجمهورية الكردية التي أُعلنت هناك مطلع عام 1946 بقيادة قاضي محمد. وفي اليوم نفسه الذي وُلد فيه الابن، انعقد في بغداد المؤتمر التأسيسي للحزب الديمقراطي الكردي، وانتُخب الملا مصطفى بارزاني رئيساً له وهو موجود خارج العراق.[2]
كانت المفارقة قاسية: الطفل الذي وُلد تحت راية كيان كردي سيشهد انهيار ذلك الكيان قبل أن يعي معناه.
انهارت جمهورية مهاباد أواخر 1946، وأُعدم قاضي محمد في العام التالي. عاد أفراد عائلة بارزاني إلى العراق، بينما قاد الملا مصطفى بارزاني مئات من مقاتليه في انسحاب طويل انتهى بوصولهم إلى الاتحاد السوفيتي، حيث بقي حتى سقوط النظام الملكي العراقي سنة 1958.[3]
وهكذا لم تكن طفولة مسعود طفولة ابن زعيم يعيش في قصر السلطة، بل ابن قائد منفي وأسرة موضوعة تحت ضغط الدولة ومراقبتها. وهذه نقطة ضرورية لفهم شخصيته السياسية اللاحقة: فقد تشكل وعيه في بيئة كان فيها اسم العائلة مرتبطاً بالثورة والمنفى والسلاح والاضطهاد بقدر ارتباطه بالزعامة.
من المدرسة إلى البيشمركة
بعد ثورة 14 تموز/يوليو 1958 عاد الملا مصطفى بارزاني من الاتحاد السوفيتي إلى العراق، لكن التفاهم مع عبد الكريم قاسم لم يدم. وفي أيلول/سبتمبر 1961 بدأت الثورة الكردية الجديدة.
وفي 20 أيار/مايو 1962، وكان مسعود بارزاني في الخامسة عشرة متجهاً إلى السادسة عشرة، ترك دراسته والتحق بقوات البيشمركة.[4]
من هنا تبدأ سيرته الفعلية داخل الحركة.
لم يكن دوره مقتصراً على القتال. ومع مرور السنوات دخل أجهزة الحزب ومؤسساته، وكان من المشاركين في تأسيس جهاز «باراستن» سنة 1967، ثم أصبح جزءاً من الدائرة السياسية التي أدارت المفاوضات مع بغداد.[5]
وهذا التحول مهم: فمسعود بارزاني لم يتكون بوصفه قائداً عسكرياً فقط، بل في المدرسة السياسية للملا مصطفى، حيث كان العمل الكردي يتحرك باستمرار بين حرب الجبال ومفاوضات بغداد، وبين البحث عن الدعم الخارجي ومحاولة الحفاظ على القرار الكردي.
11 آذار 1970: لحظة الأمل الكبير
كانت اتفاقية 11 آذار/مارس 1970 بين قيادة الحركة الكردية والحكومة العراقية واحدة من أهم محطات التاريخ الكردي الحديث. فقد اعترفت الاتفاقية للمرة الأولى على هذا المستوى بالطابع القومي الكردي وبمشروع الحكم الذاتي، وشارك مسعود بارزاني في عملية التفاوض التي قادت إليها.[6]
بدت تلك اللحظة وكأنها انتصار لسنوات طويلة من الثورة.
لكن الخلافات حول التطبيق، ولا سيما قضية كركوك والمناطق المتنازع عليها وترتيبات الحكم الذاتي، أعادت الطرفين إلى الصدام. وفي 1974 اندلعت الحرب مجدداً.
ثم جاءت الصدمة الكبرى.
في 6 آذار/مارس 1975 وقع صدام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي اتفاق الجزائر. حصلت إيران على تسوية حدودية مع العراق، وأوقفت مقابل ذلك دعمها للثورة الكردية. انهارت خطوط البيشمركة بسرعة، وانتهت الثورة التي قادها الملا مصطفى بارزاني.
كانت 1975 من أكثر التجارب تأثيراً في تفكير مسعود بارزاني. فقد تعلم جيل كامل من القيادات الكردية أن الدعم الدولي والإقليمي ليس تحالفاً أبدياً، وأن القضية الكردية يمكن أن تتحول إلى ورقة في مساومات الدول.
ومن الصعب فهم الحذر والبراغماتية الشديدين اللذين ميزا بارزاني لاحقاً من دون العودة إلى جرح 1975.
إعادة بناء الحركة ثم وراثة ثقيلة
بعد الانهيار لم تختفِ الحركة. لعب مسعود وشقيقه إدريس بارزاني دوراً أساسياً في إعادة تنظيم الحزب وقواته وتأسيس مرحلة جديدة من المقاومة.
وفي الأول من آذار/مارس 1979 توفي الملا مصطفى بارزاني في الولايات المتحدة.
هنا انتقلت الزعامة إلى الابن.
يمكن وصف ذلك، من منظور علم الاجتماع السياسي، بأنه انتقال ذو طابع وراثي داخل عائلة سياسية شديدة النفوذ، لكن اختزاله بكلمة «الوراثة» وحدها لا يشرح ما حدث تاريخياً. ففي المؤتمر التاسع للحزب عام 1979 انتُخب مسعود بارزاني رئيساً للحزب، وكان قبل ذلك قد أمضى نحو سبعة عشر عاماً في صفوف الثورة والحزب وأجهزته ومفاوضاته.[7]
أي أنه ورث عن أبيه الرمزية والاسم ورأس المال التاريخي للبارزانية، لكنه تسلم أيضاً حزباً مهزوماً، وحركة كردية منقسمة، وعراقاً يتجه إلى واحدة من أكثر مراحله دموية.
وهذا ربما كان أثقل ما ورثه عن والده: لم يرث دولة جاهزة، بل قضية غير محسومة.
بين بغداد وطهران وحرب الثمانينيات
جاءت الحرب العراقية الإيرانية سنة 1980 لتضع الحركة الكردية مجدداً وسط صراع إقليمي هائل.
قاتل الحزب الديمقراطي الكردستاني نظام صدام حسين، واستفاد من العلاقة مع إيران، بينما كانت الساحة الكردية نفسها منقسمة بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستاني الذي أسسه جلال طالباني عام 1975.
وفي النصف الثاني من الثمانينيات انتقلت حرب بغداد ضد الحركة الكردية إلى مستوى كارثي. جاءت حملات الأنفال سنة 1988، واستخدام الأسلحة الكيميائية، وتدمير آلاف القرى والتهجير والقتل الجماعي. أصبحت الأنفال واحدة من أكثر صفحات التاريخ العراقي الحديث مأساوية.[8]
خرجت الحركة الكردية من الثمانينيات مثقلة بالدمار، لكن النظام العراقي نفسه خرج من حرب إيران منهكاً، ثم ارتكب خطأه الاستراتيجي باجتياح الكويت سنة 1990.
وكان ذلك بداية تحول تاريخي جديد.
1991: من الثورة إلى الإقليم
بعد هزيمة الجيش العراقي في حرب الخليج اندلعت انتفاضة آذار/مارس 1991. سيطر الأكراد على معظم مدن كردستان، قبل أن تعود قوات النظام وتدفع مئات الآلاف إلى الجبال والحدود.
لكن هذه المرة تدخل العامل الدولي بصورة مختلفة. أدت الكارثة الإنسانية إلى إقامة منطقة حماية في الشمال، ثم انسحبت مؤسسات النظام العراقي من معظم مناطق الإقليم في خريف 1991.
للمرة الأولى أصبحت أمام القيادات الكردية مساحة جغرافية يمكن إدارتها بعيداً عن بغداد.
كان قرار إجراء الانتخابات عام 1992 تحولاً بالغ الأهمية. أُنشئ برلمان وحكومة إقليمية، وتقاسم الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني النفوذ بصورة شبه متساوية.[9]
هنا انتقل بارزاني تدريجياً من قائد حركة تحرر مسلحة إلى أحد مؤسسي تجربة حكم.
وهذه ربما إحدى أهم نقاط التحول في حياته: الجبل بدأ يتحول إلى مؤسسة، والبيشمركة إلى سلطة سياسية، والحركة القومية إلى مشروع حكم.
الحرب الكردية الداخلية: الصفحة الأصعب
لكن التجربة لم تسر في خط مستقيم.
منذ 1994 انفجر الصراع بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وتحول إلى حرب داخلية دامية. سقط المئات ثم الآلاف خلال سنوات الصراع، وانقسم الإقليم عملياً بين إدارتين.
وفي آب/أغسطس 1996 اتخذ بارزاني أحد أكثر قرارات حياته إثارة للجدل عندما استعان بقوات صدام حسين لطرد قوات الاتحاد الوطني من أربيل.[10]
بالنسبة إلى خصومه، كان ذلك خطأً تاريخياً لأنه أعاد جيش النظام الذي اضطهد الأكراد إلى قلب أربيل. أما أنصار الحزب فيضعون القرار ضمن ظروف حرب داخلية كان فيها الطرف الآخر يستند بدوره إلى دعم إيراني، ويرونه محاولة لمنع خسارة أربيل وتغيير ميزان القوى.
المؤرخ لا يستطيع حذف هذه الصفحة من السيرة، كما لا يستطيع فهمها خارج ظروفها.
كانت الحرب الداخلية برهاناً على أن أكبر تهديد للمشروع الكردي لم يكن دائماً آتياً من بغداد أو الدول المحيطة؛ ففي بعض اللحظات كان الانقسام الكردي نفسه أكثر خطورة.
وفي 1998 جلس مسعود بارزاني وجلال طالباني في واشنطن ووقعا الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة لإنهاء الصراع وترتيب تقاسم السلطة والموارد.[11]
ومن رماد تلك الحرب بدأت مرحلة مختلفة من العلاقة بين الرجلين.
2003: سقوط صدام وتثبيت الفيدرالية
شكّل سقوط نظام صدام حسين سنة 2003 أكبر تغيير في ميزان القوة العراقي منذ تأسيس الدولة الحديثة.
دخل الأكراد العراق الجديد وهم يمتلكون ما لم يمتلكوه سابقاً: إقليماً قائماً، مؤسسات وحكومة وبرلماناً وقوات بيشمركة وعلاقات دولية وتجربة حكم امتدت أكثر من عقد.
كان بارزاني أحد الشخصيات الأساسية في المفاوضات التي أعادت صياغة الدولة العراقية. شارك في مجلس الحكم العراقي، ثم في المفاوضات السياسية والدستورية التي انتهت بدستور 2005.
وأقر الدستور العراق دولة اتحادية واعترف بإقليم كردستان وسلطاته القائمة.
إذا كان الملا مصطفى بارزاني قد أمضى حياته مطالباً بالحكم الذاتي، فإن جيل مسعود بارزاني استطاع تثبيت وضع دستوري أكثر تقدماً بكثير: إقليم اتحادي معترف به دستورياً داخل العراق.
وهذا بلا شك أحد أكبر الإنجازات السياسية في مسيرته.
رئيساً لإقليم كردستان
في حزيران/يونيو 2005 انتخب برلمان كردستان مسعود بارزاني أول رئيس للإقليم في إطار مؤسسة الرئاسة الجديدة، ثم أعيد انتخابه شعبياً سنة 2009 بنحو سبعين في المئة من الأصوات.[12]
شهدت سنوات رئاسته توسعاً كبيراً في علاقات كردستان الخارجية وفي الاستثمار والبناء والطاقة، وتحولت أربيل إلى مركز دبلوماسي واقتصادي معروف إقليمياً ودولياً.
لكن هذه المرحلة حملت معها أيضاً إشكالات دولة ما بعد الثورة: هيمنة الأحزاب الكبيرة، تداخل الحزب ومؤسسات الحكم، الخلافات حول النفط والموارد مع بغداد، وضع البيشمركة والأجهزة الأمنية، وتنامي المعارضة التي طالبت بإصلاحات أعمق وفصل أوضح بين الحزب والدولة.
وهنا ظهرت المعضلة التي تواجه معظم حركات التحرر حين تتحول إلى سلطة: كيف ينتقل الحزب الذي صنع الدولة من شرعية النضال إلى شرعية المؤسسات؟
ولم تحسم التجربة الكردستانية هذا السؤال بصورة نهائية.
داعش: عندما عادت الحرب إلى أبواب أربيل
في صيف 2014 انهارت قطاعات واسعة من الجيش العراقي أمام تنظيم الدولة الإسلامية، وسقطت الموصل، ثم أصبح التنظيم على مسافة خطيرة من أربيل.
وجد بارزاني نفسه، وهو في أواخر الستينيات، أمام حرب وجودية جديدة.
تحولت البيشمركة إلى شريك رئيسي للتحالف الدولي في الحرب ضد داعش، واكتسبت القضية الكردية حضوراً دولياً غير مسبوق.
لكن الحرب حملت كذلك إحدى أكثر الوقائع إيلاماً وإثارة للجدل: سقوط سنجار في 3 آب/أغسطس 2014 وانسحاب قوات البيشمركة من مناطق إيزيدية أمام هجوم داعش. وثقت منظمات حقوقية شهادات إيزيديين تحدثوا عن انسحاب القوات التي كانت تتولى حمايتهم من دون تفسير كافٍ، بينما ارتكب داعش بعد ذلك جرائم إبادة جماعية وسبي وقتل بحق المجتمع الإيزيدي.[13]
لاحقاً شاركت قوات كردية متعددة، ومن بينها البيشمركة، في استعادة مناطق واسعة من داعش، وأعلن بارزاني من سنجار في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 تحرير المدينة.
لكن جرح الثالث من آب بقي جزءاً من الجدل حول تلك المرحلة.
2017: الحلم الذي تحول إلى أكبر مقامرة سياسية
وصل مشروع بارزاني القومي إلى ذروته في 25 أيلول/سبتمبر 2017.
أصر على إجراء استفتاء استقلال كردستان رغم اعتراض بغداد والولايات المتحدة وتركيا وإيران وقوى دولية وإقليمية عديدة.
وكانت النتيجة الشعبية واضحة: 92.73 في المئة من المشاركين صوتوا لمصلحة الاستقلال، بنسبة مشاركة بلغت نحو 72.6 في المئة.[14]
من الناحية القومية كان ذلك أعلى تعبير انتخابي عن الرغبة في الدولة الكردية في تاريخ كردستان العراق.
لكن من الناحية الجيوسياسية كانت الحسابات مختلفة.
رفضت بغداد النتائج، ولم تعترف بها القوى الدولية الكبرى. وبعد أسابيع تحركت القوات العراقية إلى كركوك والمناطق المتنازع عليها، وانسحبت قوات كردية منها وسط خلافات واتهامات متبادلة بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني.
خسر الإقليم كركوك في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2017، وتحول الانتصار المعنوي في صناديق الاستفتاء إلى انتكاسة استراتيجية على الأرض.
تحمل بارزاني المسؤولية السياسية، وأعلن أنه لن يستمر في رئاسة الإقليم بعد الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2017.[15]
كانت تلك ربما أقسى لحظة سياسية في حياته منذ انهيار ثورة 1975.
لكن المفارقة التاريخية لافتة: سنة 1975 كان شاباً يشاهد مشروع والده ينهار بعد اتفاق دول إقليمية فوق رأس الأكراد، وفي 2017 كان هو الزعيم الذي اكتشف مرة أخرى حدود ما يمكن للإرادة الكردية تحقيقه عندما لا تتوافق مع ميزان القوى الإقليمي والدولي.
خرج من الرئاسة ولم يخرج من القيادة
بعد 2017 لم يعد مسعود بارزاني رئيساً للإقليم، لكنه لم يتحول إلى رئيس سابق بالمعنى التقليدي.
احتفظ برئاسة الحزب الديمقراطي الكردستاني وبمكانته السياسية والرمزية، بينما انتقلت المؤسسات التنفيذية تدريجياً إلى جيل جديد: نيجيرفان بارزاني في رئاسة الإقليم، ومسرور بارزاني في رئاسة الحكومة.
وهنا تظهر مجدداً مسألة الإرث العائلي في التجربة البارزانية. فخصوم الحزب يرون في استمرار أفراد العائلة في المواقع الأساسية دليلاً على تكريس سلطة سياسية عائلية، بينما يرى أنصار الحزب أن البارزانيين يستمدون شرعيتهم أيضاً من تاريخ طويل ومن قاعدة انتخابية واسعة ومن مؤسسات حزبية وانتخابات دورية.
والحقيقة التاريخية أكثر تعقيداً من الروايتين المنفردتين: لقد أصبحت عائلة بارزاني مؤسسة سياسية داخل الحركة الكردية، لكن الحزب في الوقت نفسه ليس مجرد عائلة؛ فهو تنظيم عمره ثمانون عاماً، مرّ بأجيال من الكوادر والبيشمركة والمناضلين، واحتفظ بقاعدة اجتماعية وانتخابية واسعة سمحت له بالبقاء لاعباً مركزياً في كردستان والعراق.
ثمانون عاماً: كيف يحكم التاريخ على مسعود بارزاني؟
ليس من مهمة المؤرخ أن يحول الزعيم إلى قديس، ولا أن يختزل ثمانين عاماً من الحياة في أخطاء سياسية.
مسعود بارزاني لم يصنع الحركة الكردية العراقية؛ فقد سبقته أجيال وثورات وانتفاضات، وكان والده الملا مصطفى أحد كبار مؤسسي مرحلتها الحديثة. لكنه تسلم تلك الحركة في واحدة من أضعف لحظاتها بعد 1975، وقاد حزبها الأكبر خلال ما يقارب نصف قرن.
خلال حياته انتقلت القضية الكردية العراقية من ثورة جبلية تطاردها جيوش بغداد إلى إقليم دستوري له برلمان وحكومة ورئاسة وقوات أمن وعلاقات خارجية ومطارات واقتصاد ومكان على الخريطة السياسية الدولية.
وهذا التحول لا يمكن نسبته إلى رجل واحد. شارك فيه جلال طالباني، وإدريس بارزاني، وقيادات الأحزاب الكردية، وعشرات الآلاف من البيشمركة، ومئات الآلاف من الضحايا والمهجرين وعائلات الأنفال والشهداء، إضافة إلى ظروف دولية لم يصنعها الأكراد وحدهم.
لكن من الصعب كذلك كتابة تاريخ هذا التحول وحذف اسم مسعود بارزاني منه.
نجح في الحفاظ على الحزب بعد كارثة 1975. واجه نظام صدام. ساهم في بناء تجربة 1992. دخل حرباً داخلية أصبحت واحدة من أكثر صفحات تاريخه إثارة للألم والانتقاد، ثم شارك في إنهائها. ساهم في تثبيت الفيدرالية بعد 2003. قاد الإقليم خلال سنوات صعود اقتصادي وانفتاح دولي، ثم خلال الحرب ضد داعش. وأخيراً وضع كل رصيده السياسي تقريباً خلف استفتاء الاستقلال سنة 2017، فكسب التصويت وخسر معركة ميزان القوى.
وهذا التناقض ربما يلخص الرجل أكثر من أي وصف آخر: مسعود بارزاني سياسي شديد البراغماتية حين يتعلق الأمر بالتكتيك، لكنه ظل يحمل هدفاً قومياً يتجاوز في بعض اللحظات حسابات البراغماتية نفسها.
الرجل والحزب: ميلادان في يوم واحد
في 16 آب/أغسطس 2026 بلغ مسعود بارزاني الثمانين، وبلغ الحزب الديمقراطي الكردستاني الثمانين أيضاً. وقد وصف بارزاني الحزب في رسالته بهذه المناسبة بأنه تأسس في زمن صعب لإعادة الأمل والقوة إلى الشعب الكردي، مؤكداً أن مهمته الأساسية بقيت خدمة شعب كردستان.[16]
ثمانون عاماً ليست مجرد ذكرى ميلاد.
إنها المسافة بين مهاباد وأربيل؛ بين جمهورية سقطت بعد أشهر وإقليم كردستان قائم منذ عقود؛ بين ملا مصطفى الذي مات قبل أن يرى الحكم الذاتي الذي قاتل من أجله مستقراً، ومسعود الذي رأى الفيدرالية تتحقق ثم حاول تجاوزها نحو الاستقلال؛ بين البيشمركة التي كانت تختبئ في الجبال والوفود الكردية التي تستقبل اليوم في العواصم الدولية.
ومع ذلك لم تنته القصة.
فالدولة الكردية التي حلم بها بارزاني لم تولد، وكركوك بقيت عقدة، والعلاقة مع بغداد لم تُحسم نهائياً، والانقسام الحزبي الكردي لم يختفِ، كما أن بناء المؤسسات الديمقراطية المستقلة عن الأحزاب والعائلات السياسية سيبقى أحد أكبر اختبارات الجيل القادم.
لذلك فإن الإرث الحقيقي لمسعود بارزاني لن يحدده فقط ما فعله خلال ثمانين عاماً، بل ما سيبقى مما فعله بعد غيابه عن المسرح السياسي.
إذا استطاعت المؤسسات التي ساهم في بنائها أن تصبح أقوى من الأشخاص، وإذا تمكن الجيل التالي من حماية الكيان الكردستاني وتطوير ديمقراطيته والحفاظ على قراره ومنع الاقتتال الداخلي، فسيقرأ التاريخ تجربة بارزاني باعتبارها إحدى المراحل المؤسسة في انتقال الأكراد من الثورة إلى الكيان السياسي.
أما إذا أصبحت المؤسسات أضعف من الأحزاب، والأحزاب أضعف من العائلات، وعادت الانقسامات الداخلية لتلتهم المنجزات، فسيكون حكم التاريخ أكثر تعقيداً.
ومع ذلك تبقى حقيقة يصعب تجاوزها: وُلد مسعود بارزاني في وطن كردي لم يعش إلا أشهراً، وبلغ الثمانين وهو يرى جزءاً كبيراً من شعبه يعيش في كيان كردستاني دستوري لم يكن موجوداً عندما ولد.
وبين الصورتين تقع ثمانون سنة من الثورة والمنفى والحرب والمفاوضات والانتصارات والهزائم والرهانات الصعبة.
إنها ليست سيرة رجل فحسب.
إنها، إلى حد بعيد، سيرة مرحلة كاملة من تاريخ كردستان.
Notes
[1] Masoud Barzani, Official Biography, Office of President Masoud Barzani؛ Presidency of the Kurdistan Region, biography of Masoud Barzani.
[2] Kurdistan Democratic Party, Foreign Relations Office, About the Kurdistan Democratic Party؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني، «نبذة عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني».
[3] David McDowall, A Modern History of the Kurds, I.B. Tauris؛ وانظر كذلك السيرة الرسمية لمسعود بارزاني حول مرحلة مهاباد وعودة الأسرة إلى العراق ومنفى الملا مصطفى في الاتحاد السوفيتي.
[4] Masoud Barzani, Official Biography؛ حيث تؤرخ السيرة الرسمية التحاقه بالبيشمركة في 20 أيار/مايو 1962.
[5] Ibid.؛ حول تأسيس جهاز باراستن سنة 1967 ودور بارزاني في هياكل الحركة.
[6] David McDowall, A Modern History of the Kurds, I.B. Tauris, pp. 327–328؛ وانظر أيضاً السيرة الرسمية لمسعود بارزاني بشأن مشاركته في المفاوضات المؤدية إلى اتفاق 11 آذار 1970.
[7] Kurdistan Democratic Party, party history and congress records؛ المؤتمر التاسع للحزب، 1979، الذي انتُخب فيه مسعود بارزاني رئيساً للحزب بعد وفاة الملا مصطفى بارزاني.
[8] Human Rights Watch/Middle East Watch, Genocide in Iraq: The Anfal Campaign Against the Kurds, 1993؛ Human Rights Watch, Bureaucracy of Repression: The Iraqi Government in Its Own Words, 1994.
[9] Human Rights Watch, World Report 1994: Iraq and Iraqi Kurdistan؛ حول الانتخابات الكردية في أيار/مايو 1992 وتأسيس البرلمان والحكومة الإقليمية وتقاسم النفوذ بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني.
[10] Reuters, September 1996؛ وتقارير المرحلة المتعلقة بدخول القوات العراقية إلى أربيل في آب/أغسطس 1996 ودعمها قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني خلال الحرب الداخلية.
[11] Barton Gellman, “Kurdish Rivals Cement U.S.-Brokered Pact,” The Washington Post, 18 September 1998؛ حول اتفاق واشنطن بين مسعود بارزاني وجلال طالباني.
[12] Presidency of the Kurdistan Region, official biography of Masoud Barzani؛ انتخابه رئيساً في حزيران/يونيو 2005 وإعادة انتخابه بالاقتراع الشعبي سنة 2009.
[13] Human Rights Watch, “The Nightmare in Iraq,” 9 August 2014؛ Human Rights Watch, Flawed Justice: Accountability for ISIS Crimes in Iraq, 2017؛ حول هجوم داعش على سنجار وشهادات الإيزيديين وانسحاب قوات البيشمركة والجرائم التي ارتكبها التنظيم.
[14] Kurdistan Region Independent High Electoral and Referendum Commission؛ النتائج الرسمية لاستفتاء 25 أيلول/سبتمبر 2017: 92.73% لمصلحة الاستقلال ومشاركة بلغت 72.61%؛ ونقلتها Reuters في 27 أيلول/سبتمبر 2017.
[15] Reuters, 29 October 2017؛ حول قرار مسعود بارزاني عدم تمديد ولايته بعد 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 في أعقاب الاستفتاء وأحداث كركوك.
[16] Masoud Barzani, Message on the 80th Anniversary of the Kurdistan Democratic Party, 16 August 2026؛ ورسالة الحزب وقيادته في الذكرى الثمانين للتأسيس.



