أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ليس السؤال اليوم ما إذا كان عبد الله أوجلان سيخرج من إمرالي فقط، ولا ما إذا كان حزب العمال الكردستاني قد انتهى تنظيمياً بعد قرار مؤتمره الثاني عشر حل بنيته وإنهاء الكفاح المسلح. السؤال الأخطر هو: أي أوجلان يمكن أن يخرج؟ وأي مشروع سياسي سيحمله معه؟ وهل ستكون مهمته إنهاء الحرب الكردية–التركية، أم إعادة صياغة المسألة الكردية كلها بحيث تُسحب منها مشاريع الدولة والفيدرالية والحكم الذاتي في أجزاء كردستان الأربعة؟
السؤال ليس اتهاماً يحتاج إلى إجابة جاهزة، بل تفرضه مقارنة ثلاثة أزمنة: أوجلان الذي ظهر في استجوابات 1999 عارضاً على الدولة التركية استخدام حزبه في مواجهة مسعود البارزاني وجلال الطالباني؛ وأوجلان صاحب نظرية «الأمة الديمقراطية» الرافضة للدولة القومية الكردية؛ ثم أوجلان 2025–2026 الذي دعا حزب العمال الكردستاني إلى حل نفسه ووضع السلاح والانتقال إلى السياسة، في عملية أصبحت أنقرة نفسها طرفاً مركزياً فيها.
وهنا تصبح العودة إلى ما قيل سنة 1999 ضرورية، لا للنبش في الماضي، وإنما لأن بعض عباراته تبدو اليوم شديدة الصلة بما يجري بعد أكثر من ربع قرن.
من إمرالي: «لا تتركوا الساحة للبارزاني والطالباني»
ينقل العقيد التركي المتقاعد حسن أتيلا أوغور Hasan Atilla Uğur، الذي كان ضمن الفريق الذي استجوب أوجلان بعد نقله إلى تركيا سنة 1999، في كتابه Abdullah Öcalan’ı Nasıl Sorguladım، أقوالاً بالغة الدلالة حول نظرته إلى القيادات الكردية العراقية وإقليم كردستان.[1]
فالكتاب ينسب إلى أوجلان قوله إن وجود حزب العمال الكردستاني في شمال العراق لم يكن مرتبطاً بالجغرافيا العسكرية وحدها، وإنما أيضاً بعدم ترك الساحة لمسعود البارزاني وجلال الطالباني. وتنقل المادة المنشورة عن الكتاب أن التنظيم اختار المنطقة لأنها مناسبة عسكرياً، ولأنهم لا يريدون ترك الميدان للبارزاني والطالباني.[2]
لكن الموقف الأكثر إثارة هو ذلك المنسوب إليه في نصوص الاستجواب المتداولة، حين اقترح تجميع ما تبقى من قوات PKK في شمال العراق بما يجعل البارزاني والطالباني غير قادرين على التنفس، وقال، وفق النصوص المنشورة، إن التنظيم يستطيع تحقيق ما لم تستطع تركيا تحقيقه خلال عشرة أو عشرين عاماً، وصولاً إلى اقتراحه السيطرة على أربيل.[3]
والأشد أهمية سياسياً ما نُسب إليه بشأن الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد اعتبر أن المشروع الأميركي يتجه إلى تحويل البارزاني والطالباني إلى كيان دولتي، ووصفهما بـ Maşa، أي الأداة أو الذراع المستخدمة من قوة أخرى، مع تركيز خاص على علاقة البارزاني بالولايات المتحدة وإسرائيل. ثم عرض، بحسب رواية الاستجواب، توجيه التنظيم ضد هذا المشروع بطريقة تخدم ما اعتبره مصلحة تركيا.[4]
لا يجوز التعامل مع هذه الكلمات بلا تحفظ منهجي. لقد قيلت، بحسب المصادر، في ظروف أسر واستجواب وبعد نقل أوجلان إلى تركيا، ونحن نعتمد هنا بصورة أساسية على الرواية التي نشرها أحد ضباط الاستجواب وعلى ما نقلته عنها الصحافة التركية. لذلك فإن قيمتها الأساسية ليست في اعتبار كل كلمة فيها برنامجاً سياسياً ثابتاً، بل في أنها تكشف عن نمط تفكير تجاه التجربة الكردية العراقية كان موجوداً بالفعل في تلك المرحلة.
المشكلة لم تكن مع البارزاني كشخص فقط
الأهم أن الخلاف بين مدرسة أوجلان ومدرسة البارزاني لم يكن مجرد نزاع بين زعيمين.
إنه اختلاف في الإجابة عن السؤال الكردي نفسه.
مدرسة مصطفى البارزاني التي ورثها الحزب الديمقراطي الكردستاني سارت، مع كل تغيراتها وتحالفاتها وتناقضاتها، في اتجاه بناء مؤسسة سياسية كردية داخل أرض محددة: إدارة، برلمان، حكومة، بيشمركة، علاقات خارجية، ثم إقليم اتحادي معترف به دستورياً داخل العراق.
أما أوجلان فقد انتقل، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واعتقاله، تدريجياً من نموذج التحرر القومي التقليدي إلى «الأمة الديمقراطية» و«الكونفدرالية الديمقراطية»، أي إلى تصور يعتبر الدولة القومية ذاتها جزءاً من المشكلة.
وهذا ليس استنتاجاً من خصومه.
في نداء السلام والمجتمع الديمقراطي الذي أُعلن في 27 شباط/فبراير 2025، قال أوجلان إن الانحرافات القومية المتطرفة التي تقود إلى الدولة القومية المنفصلة والفيدرالية والاستقلال الإداري والحلول الثقافوية لا تجيب، بحسب طرحه، عن السوسيولوجيا التاريخية للمجتمع، ثم دعا جميع المجموعات إلى إلقاء السلاح وحزب العمال الكردستاني إلى عقد مؤتمره وحل نفسه.[5]
هذه العبارة شديدة الأهمية.
لأن أوجلان لم يقل فقط إن الدولة الكردية المستقلة لم تعد هدفه؛ لقد وضع إلى جانبها الفيدرالية والاستقلال الإداري أيضاً ضمن الصيغ التي ينتقدها.
وهنا يجب على الأكراد أن يتوقفوا طويلاً.
فإذا كان العراق قد أثبت أن الفيدرالية يمكن أن تتحول إلى حماية دستورية لكيان كردي، وإذا كان كرد سوريا يبحثون عن صيغة دستورية تحفظ إدارتهم وحقوقهم، وإذا كان جزء أساسي من أحزاب كرد إيران يطرح الفيدرالية أو الحكم الذاتي، فما معنى أن تصبح هذه الصيغ جميعاً، في خطاب أوجلان، امتداداً لقومية ينبغي تجاوزها؟
من «السيطرة على أربيل» إلى اتهام أربيل بالخيانة
لو بقي كلام 1999 وحيداً لأمكن القول إنه ابن لحظة الاعتقال.
لكن خطاب الحركة المحيطة بأوجلان تجاه تجربة كردستان العراق استمر بعد ذلك بسنوات طويلة، وإن تغيرت مفرداته.
ومن أكثر الأمثلة وضوحاً سلسلة نشرتها وكالة ANF المقربة من الحركة في أيلول/سبتمبر 2024 تحت عنوان صريح هو: «عائلة البارزاني: تاريخ من الخيانة».[6]
المادة لم تنتقد سياسة بعينها فقط، بل قدمت مسعود البارزاني ومسرور البارزاني ونيجيرفان البارزاني باعتبارهم امتداداً لما وصفته بخط الخيانة، ووصفت الحزب الديمقراطي الكردستاني بأنه قوة تعمل على إحباط جهود التحرر الكردية، واتهمته بخدمة القوى الإقليمية والدولية والعمل على القضاء على مشروع حزب العمال الكردستاني.[7]
هذه ليست صياغة صحفية محايدة، بل خطاب سياسي–أيديولوجي شديد العداء لقيادة أربيل.
وفي تموز/يوليو 2024 ذهبت بسه هوزات، الرئيسة المشتركة للمجلس التنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني KCK، إلى أبعد من ذلك، فقالت إن الحزب الديمقراطي الكردستاني يخوض مع تركيا حرباً ضد الكرد، واتهمته بفتح المجال أمام القوات التركية والمشاركة في ما تصفه الحركة بالمشروع التركي في جنوب كردستان.[8]
وفي كانون الأول/ديسمبر 2024 حذر دوران كالكان، عضو المجلس التنفيذي لـKCK، الحزب الديمقراطي الكردستاني من «اللعب بالنار»، وربط استمرار الوجود العسكري التركي في مناطق كردستان العراق بالدعم أو التسهيلات المقدمة من أطراف عراقية وكردية.[9]
يمكن الاتفاق مع جانب من انتقادات الوجود العسكري التركي في إقليم كردستان أو الاختلاف معها. لكن القضية التي يعالجها هذا المقال مختلفة: لماذا يتحول الخلاف مع حزب كردي آخر بصورة متكررة إلى لغة التخوين وإلى التشكيك بشرعية نموذجه الكردي نفسه؟
هنا يصبح تشابه المسار بين 1999 و2024 جديراً بالدراسة.
في 1999: البارزاني والطالباني عقبة ينبغي خنقها سياسياً والسيطرة على أربيل.
وفي 2024: قيادة البارزاني تمثل، في أدبيات مقربة من PKK، «خط الخيانة».
أما في 2025 فيأتي التحول الأكبر: أوجلان نفسه يدعو إلى تجاوز الدولة القومية والفيدرالية والاستقلال الإداري.
ثلاث حلقات لا تكفي لإثبات وجود «خطة تركية» واحدة ممتدة منذ 1999، لكنها تكفي بالتأكيد لطرح سؤال سياسي كبير.
تركيا: إنهاء PKK أم إعادة تعريف القضية الكردية؟
في 27 شباط/فبراير 2025 طالب أوجلان حزب العمال الكردستاني بحل نفسه وإلقاء السلاح. وفي أيار/مايو عقد التنظيم مؤتمره الثاني عشر وقرر حل بنيته التنظيمية وإنهاء الكفاح المسلح، في واحدة من أكبر التحولات في تاريخ الصراع الكردي–التركي منذ بدء التمرد المسلح سنة 1984.[10]
وفي تموز/يوليو 2025 ظهرت خطوة رمزية أخرى بإحراق مجموعة من المقاتلين أسلحتهم في إقليم كردستان العراق، بوصف ذلك جزءاً من مسار الانتقال من العمل المسلح إلى السياسة.[11]
ومع تقدم العملية، لم يعد الحديث التركي محصوراً بنزع السلاح فقط، بل أصبح الدور الذي يمكن أن يلعبه أوجلان في إدارة انتقال الحركة إلى مرحلة ما بعد السلاح جزءاً من النقاش السياسي التركي.[12]
ومن هنا يأتي السؤال الذي لا ينبغي أن يخيف أحداً:
لماذا أصبح الرجل الذي أسس أكبر حركة مسلحة كردية ضد الجمهورية التركية الشخص الذي يُعوّل عليه اليوم لإنهائها؟
الجواب البسيط هو: لأن الزعيم الذي يستطيع إشعال الحرب يستطيع أن يكون الأكثر قدرة على إنهائها.
وهذا تفسير ممكن ومحترم.
لكن هناك تفسيراً آخر يجب اختباره: أن أنقرة اكتشفت أن أوجلان، بعد تحوله الأيديولوجي، يستطيع أن يقدم لها أكثر مما يستطيع السلاح التركي أن يقدمه وحده؛ أي تحويل المسألة من قضية شعب يطالب بحقوق سياسية وقومية ودستورية إلى مشروع «ديمقراطية عامة» داخل الدول القائمة، من دون حدود كردية سياسية واضحة، ومن دون دولة، وربما من دون فيدرالية أو حكم ذاتي بالمعنى التقليدي.
وعندها لا تعود المسألة تركية فقط.
كردستان تركيا: نهاية مشروع الدولة أولاً
في الجزء التركي تبدو النتيجة أكثر وضوحاً.
حزب العمال الكردستاني الذي تأسس عام 1978 وخاض تمرده المسلح منذ 1984 بدأ أصلاً ضمن خطاب استقلالي ثوري يسعى إلى إقامة دولة كردية، ثم خفض مطالبه تدريجياً عبر العقود إلى أشكال مختلفة من الحكم الذاتي والحقوق السياسية، قبل أن يعيد أوجلان بناء منظومته الفكرية حول «الأمة الديمقراطية» و«الكونفدرالية الديمقراطية».
أما خطاب أوجلان الحالي فيذهب أبعد: الدولة الكردية ليست الهدف، والفيدرالية ليست الحل، والاستقلال الإداري أيضاً موضع نقد؛ البديل هو «المجتمع الديمقراطي» والتنظيم الذاتي داخل فضاء الدولة القائمة.[13]
إذا نجح ذلك ضمن ضمانات حقيقية للغة والهوية والسياسة والحريات فقد يصبح انتقالاً تاريخياً من الحرب إلى الديمقراطية.
أما إذا حصل من دون ضمانات دستورية ومؤسساتية، فقد يتحول عملياً إلى حل التنظيم من دون حل القضية التي أنتجته.
وهذا هو الفارق كله.
كردستان العراق: النموذج الأخطر على نظرية أوجلان
أربيل تمثل مشكلة فكرية عميقة لنموذج أوجلان لأنها تثبت أن الكرد يستطيعون امتلاك أرض ومؤسسات وبرلمان وحكومة وعلاقات دولية وقوات أمن، مع بقائهم داخل دولة اتحادية.
أي أن تجربة إقليم كردستان، رغم أزماتها الهائلة والفساد والصراعات الحزبية والانقسام بين أربيل والسليمانية، تشكل النقيض العملي لفكرة أن الفيدرالية بالضرورة طريق خاطئ.
ولهذا فإن الصراع مع البارزاني ليس مجرد صراع KDP–PKK على مناطق نفوذ في الجبال.
إنه صراع بين نموذجين:
أربيل تقول: حوّل القومية الكردية إلى مؤسسة سياسية دستورية.
وأوجلان يقول: تجاوز الدولة القومية وابنِ أمة ديمقراطية وكونفدرالية اجتماعية تتخطى الدولة.
وفي رسالة سياسية وفكرية نُقلت عنه خلال مرحلة التحضير للمؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني، ربط أوجلان نجاح مشروع «المجتمع الديمقراطي» في تركيا بتأثيرات محتملة تمتد إلى سوريا والعراق وإيران، وطرح منظوراً ذا بعد إقليمي يتجاوز حدود المسألة الكردية داخل تركيا.[14]
وهذه نقطة بالغة الأهمية لأنها تثبت أن تصوره الفكري لا يتوقف عند حدود الجمهورية التركية.
كردستان سوريا: الاختبار الثاني
في سوريا تبدو المسألة أكثر حساسية.
فالتجربة التي نشأت في شمال وشرق سوريا تأثرت بوضوح بفكر أوجلان، لكنها أنتجت على الأرض شيئاً يشبه، وظيفياً وإن اختلف الاسم، إدارة ذاتية إقليمية لها مؤسسات وقوات أمن وإدارة وجغرافيا سياسية.
وهنا يظهر التناقض: إذا كانت «الاستقلالية الإدارية» من الصيغ التي ينتقدها نداء أوجلان لعام 2025، فأي مستقبل يتصوره لهذه التجربة؟
هل يريد الحفاظ عليها تحت اسم جديد؟
أم إدماجها داخل الدولة السورية مقابل حقوق ديمقراطية عامة؟
أم أن فلسفة الأمة الديمقراطية ستصبح وسيلة لإنهاء المطالبة الكردية بكيان دستوري خاص؟
هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالنوايا، بل فقط بما ستنتهي إليه المفاوضات المتعلقة بمستقبل مناطق شمال وشرق سوريا.
كردستان إيران: الحلقة التي لا ينبغي تجاهلها
أما في إيران، فالمسألة ربما تكون أشد تعقيداً.
الحركة القومية الكردية الإيرانية أقدم بكثير من حزب العمال الكردستاني، وتجربة جمهورية مهاباد عام 1946 جزء مركزي من ذاكرتها السياسية. كما أن عدداً مهماً من القوى الكردية الإيرانية لا يطالب بدولة مستقلة اليوم، بل بفيدرالية أو حكم ذاتي وديمقراطية حقيقية داخل إيران.
فإذا انتقلت مقولة أن «الدولة والفيدرالية والاستقلال الإداري» نماذج تجاوزها التاريخ إلى شرق كردستان أيضاً، ستكون النتيجة عملياً نزع الأساس السياسي من برامج تلك الأحزاب.
وعندها يصبح السؤال مشروعاً:
هل تتحول «الكونفدرالية الديمقراطية» من نظرية لتحرير الكرد من حدود الدول إلى نظرية تساعد الدول الأربع في الاحتفاظ بحدودها كما هي إلى الأبد؟
هنا يكمن التناقض الأكبر في فكر أوجلان.
فهو يريد تجاوز الدولة القومية، لكنه يفعل ذلك في منطقة توجد فيها أربع دول بالفعل، بينما الطرف الذي لا يملك دولة هو الكرد.
إلغاء الحاجة إلى الدولة القومية نظرياً لا يلغي الدولة التركية أو الإيرانية أو العراقية أو السورية.
إنه يلغي، أولاً، المطالبة الكردية بإقامة واحدة.
لكن هناك حقيقة تناقض فرضية «المهمة السرية»
حتى يكون التحليل منصفاً، هناك تطور لا يجوز تجاوزه.
ففي حزيران/يونيو 2025 أعلن حزب DEM أن أوجلان يرغب في التواصل مع مسعود البارزاني ونيجيرفان البارزاني ومظلوم عبدي وقباد الطالباني وبافل الطالباني، وأنه يرى هذه الاتصالات مفيدة لمسار الحل.[15]
هذه المعلومة تمنعنا من القفز إلى استنتاج أن أوجلان اليوم يريد ببساطة «احتلال أربيل» بالمعنى الذي ورد في روايات استجوابات 1999.
لقد تغير الرجل، وتغير حزب العمال الكردستاني، وتغيرت تركيا، وتحولت كردستان العراق من منطقتي نفوذ شبه محاصرتين إلى إقليم دستوري، ومات جلال الطالباني، وأصبح أبناء جيل جديد يقودون الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي، وظهرت تجربة كردية جديدة في سوريا.
لكن تغير التكتيك لا يعني بالضرورة تغير جوهر الصراع الفكري.
قد لا يريد أوجلان اليوم إسقاط أربيل.
وقد يريد التفاهم مع البارزاني.
لكن السؤال يبقى:
هل يعترف بشرعية النموذج السياسي الذي تمثله أربيل؟
وهذا هو السؤال الأصعب.
من «أربيل يجب أن تُؤخذ» إلى «الفيدرالية ليست حلاً»
ربما تكون هذه هي الجملة التي تختصر القصة كلها.
في 1999 نُسب إلى أوجلان أنه اقترح السيطرة على أربيل وأن حزب العمال الكردستاني يستطيع تحجيم البارزاني والطالباني بطريقة لم تستطع تركيا فعلها خلال سنوات طويلة.[16]
وفي 2025 لم يعد بحاجة إلى اقتراح السيطرة العسكرية على أربيل.
لقد أصبح النقاش أعمق من ذلك بكثير.
فهو يقول إن الدولة القومية والفيدرالية والاستقلال الإداري ليست الحل.[17]
أي أن المعركة انتقلت من السيطرة على العاصمة الكردية إلى النقاش حول فلسفة وجود الكيان الكردي نفسه.
ومن هنا يأتي عنوان هذا المقال.
ليس المقصود بوصف أوجلان بـ«التركي» أصله الإثني، فهو كردي المولد والانتماء، بل السؤال عن الوظيفة السياسية التي يمكن أن يؤديها مشروعه اليوم داخل الاستراتيجية التركية.
هل يخرج من إمرالي زعيماً كردياً صنع تسوية تاريخية توقف حرباً دامت أكثر من أربعين عاماً وتفتح الطريق أمام الاعتراف الدستوري الحقيقي بالكرد؟
إذا حدث ذلك سيكون حدثاً تاريخياً إيجابياً لا يمكن التقليل من أهميته.
أم يخرج ليصبح الرجل الذي يقدم لأنقرة الصيغة الفكرية التي تحتاجها لإنهاء ليس حزب العمال الكردستاني فقط، وإنما فكرة القضية القومية الكردية بوصفها قضية حقوق سياسية وجغرافية ودستورية خاصة؟
أربعة أجزاء… ومركز واحد للقرار؟
الخطر ليس أن يجلس أوجلان مع الدولة التركية.
كل حرب تنتهي بالتفاوض.
وليست المشكلة أن يدعو إلى السلام.
السلام حاجة كردية وتركية بقدر ما هو حاجة إقليمية.
المشكلة تبدأ إذا أصبح السلام مشروطاً بأن يقبل الكرد في تركيا والعراق وسوريا وإيران تفسيراً واحداً لقضيتهم، صيغ في إمرالي وبالتفاوض مع أنقرة.
ليس لأوجلان، مثلما ليس لمسعود البارزاني أو أي زعيم كردي آخر، أن يقرر منفرداً ماذا يريد ملايين الكرد الموجودين في أربع دول.
لكرد العراق تجربتهم.
ولكرد إيران حركاتهم وأحزابهم وتاريخهم.
ولكرد سوريا ظروفهم وتركيبتهم الخاصة.
ولكرد تركيا حقهم في تحديد شكل علاقتهم بالدولة التركية.
وحدة الشعب لا تعني وحدة القرار السياسي.
وهذا ربما أهم درس ينبغي استخلاصه من قرن كامل من القضية الكردية.
السؤال الذي يجب أن يسبق خروج أوجلان
لهذا فإن القضية ليست:
هل يخرج أوجلان؟
بل:
بأي مشروع سيخرج؟
إذا كان سيخرج ليقول للأتراك إن إنكار الكرد انتهى، وإن اللغة الكردية يجب أن تكون حرة ومحمية، وإن المشاركة السياسية والحكم المحلي والحقوق الدستورية يجب أن تكون مضمونة، وإن الشعب الكردي حر في اختيار النموذج السياسي الذي يناسب ظروف كل جزء من كردستان، فإن خروجه قد يصبح بداية سلام تاريخي.
أما إذا كانت المعادلة هي:
حل حزب العمال الكردستاني في تركيا،
واحتواء التجربة الكردية في سوريا،
ومحاصرة النموذج الفيدرالي في العراق،
وإضعاف فكرة الفيدرالية أو الحكم الذاتي لدى كرد إيران،
ثم تسمية ذلك كله «الأمة الديمقراطية»؛
فعندها لن نكون أمام حل للقضية الكردية.
سنكون أمام إعادة هندستها بحيث تصبح قابلة للتعايش مع الدول الأربع من دون أن تضطر هذه الدول إلى إعادة النظر جذرياً في بنيتها وعلاقتها بالكرد.
وهنا تعود كلمات 1999 لتطارد الحاضر.
الرجل الذي نُسب إليه يوم اعتقاله القول إن حزب العمال الكردستاني يستطيع أن يفعل بالبارزاني والطالباني ما لم تستطع تركيا فعله خلال عشرين عاماً، أصبح بعد أكثر من ربع قرن الرجل الذي تحتاج تركيا إلى كلمته كي يحل الحزب الذي أسسه نفسه.
هذه المفارقة وحدها تستحق الدراسة.
فهل تغير أوجلان؟
أم تغيرت الوسيلة؟
هل انتهت «مهمة أربيل» القديمة؟
أم انتقلت من محاولة إخضاع المدينة إلى محاولة إسقاط النموذج الذي تمثله؟
وهل نحن أمام سلام تاريخي يحل القضية الكردية في تركيا، أم أمام مشروع أكبر يعيد تعريف القضية الكردية في أجزاء كردستان الأربعة حتى لا يبقى منها في النهاية إلا هوية ثقافية وتنظيم اجتماعي داخل الحدود القائمة؟
لا أملك جواباً نهائياً بعد.
لكن بين محاضر 1999، وخطاب KCK تجاه أربيل في 2024، ونداء أوجلان في 2025 الرافض للدولة والفيدرالية والاستقلال الإداري، ثم الدور المركزي الذي أصبح يُناقش لأوجلان في مسار الانتقال من السلاح إلى السياسة، توجد خيوط كافية لكي نطرح السؤال بأعلى صوت:
حين يُفتح باب إمرالي، هل يخرج منه عبد الله أوجلان ليحل المشكلة الكردية… أم ليكمل المهمة التي عجزت أربع دول عن إنجازها: إنهاء القضية الكردية بصفتها قضية سياسية قومية تمتلك حق اختيار شكلها ومستقبلها؟
Notes
[1] Hasan Atilla Uğur, Abdullah Öcalan’ı Nasıl Sorguladım [كيف استجوبت عبد الله أوجلان]، Kaynak Yayınları، إسطنبول. أوغور ضابط تركي متقاعد شارك في استجواب أوجلان بعد نقله إلى تركيا عام 1999، والكتاب يعرض روايته للاستجواب ومقتطفات من الأقوال المنسوبة إلى أوجلان.
[2] انظر العرض الصحفي التركي لكتاب حسن أتيلا أوغور ومقتطفات الاستجواب المنشورة في صحيفة Aydınlık، والتي تنقل عن أوجلان تفسيره لتمركز PKK في شمال العراق بعدم ترك المجال للبارزاني والطالباني، إضافة إلى الاعتبارات العسكرية والجغرافية.
[3] Hasan Atilla Uğur, Abdullah Öcalan’ı Nasıl Sorguladım؛ وانظر أيضاً النصوص التركية المنشورة لاحقاً من محاضر وروايات الاستجواب المتعلقة باقتراح أوجلان تركيز قوات PKK في شمال العراق وتقليص قدرة البارزاني والطالباني على الحركة، وصولاً إلى العبارة المنسوبة إليه بشأن السيطرة على أربيل. يجب التعامل مع هذه الأقوال باعتبارها روايات منشورة عن الاستجواب وليست تسجيلاً مستقلاً كاملاً متاحاً للعامة.
[4] المرجع نفسه. تتضمن رواية الاستجواب أقوالاً منسوبة إلى أوجلان حول الولايات المتحدة وإسرائيل ومشروع إقامة كيان كردي في شمال العراق، واستخدامه كلمة Maşa في وصف دور القيادات الكردية العراقية. ويجب إبقاء هذه الأقوال ضمن سياق الأسر والاستجواب سنة 1999.
[5] Abdullah Öcalan, “Call for Peace and Democratic Society,” الرسالة التي نقلها وفد حزب DEM من إمرالي وأُعلنت في 27 شباط/فبراير 2025. دعا فيها أوجلان PKK إلى عقد مؤتمر وحل نفسه وإلقاء السلاح، وانتقد الدولة القومية المنفصلة والفيدرالية والاستقلال الإداري بوصفها صيغاً لا تقدم، بحسب رؤيته، حلاً للمسألة الاجتماعية الكردية.
[6] ANF News, “Barzani Family, a History of Betrayal,” سلسلة منشورة في أيلول/سبتمبر 2024. العنوان نفسه يعكس شدة الخطاب المستخدم تجاه عائلة البارزاني وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني.
[7] المرجع نفسه. تتضمن السلسلة اتهامات مباشرة للحزب الديمقراطي الكردستاني وعائلة البارزاني بخدمة القوى الخارجية وتقويض حركة التحرر الكردية والتعاون ضد حزب العمال الكردستاني.
[8] Bese Hozat, تصريحات منشورة عبر ANF News في تموز/يوليو 2024 بشأن العمليات العسكرية التركية في إقليم كردستان العراق، اتهمت فيها قيادة KDP بالتعاون مع أنقرة وفتح المجال أمام القوات التركية والعمل ضد الحركة الكردية المرتبطة بـPKK.
[9] Duran Kalkan, عضو المجلس التنفيذي لـKCK، تصريحات منشورة في ANF News، كانون الأول/ديسمبر 2024، تضمنت تحذيراً للحزب الديمقراطي الكردستاني وربطاً بين الوجود العسكري التركي في كردستان العراق وبين التعاون أو التسهيلات المقدمة من قوى محلية.
[10] Reuters, 12 May 2025، تقرير حول إعلان حزب العمال الكردستاني حل بنيته التنظيمية وإنهاء الكفاح المسلح عقب مؤتمره الثاني عشر، استجابة لنداء عبد الله أوجلان الصادر في شباط/فبراير 2025.
[11] Reuters, July 2025، تقارير حول المرحلة الأولى الرمزية من نزع السلاح، بما في ذلك قيام مجموعة من مقاتلي PKK بإحراق أسلحتهم في إقليم كردستان العراق في إطار عملية الانتقال من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي.
[12] Reuters, 13 May 2026، تقرير تحليلي حول مسار إنهاء الصراع بين تركيا وPKK، والعقبات المرتبطة بنزع السلاح والضمانات القانونية، والنقاش التركي حول الدور الذي يمكن أن يؤديه عبد الله أوجلان في المرحلة الانتقالية. وحتى ذلك التاريخ لم يكن إطلاق سراح أوجلان أو تغيير وضعه القانوني أمراً محسوماً رسمياً.
[13] Abdullah Öcalan, “Call for Peace and Democratic Society,” 27 February 2025؛ وانظر أيضاً الأدبيات الأوجلانية حول «الأمة الديمقراطية» و«الكونفدرالية الديمقراطية»، التي أعادت تعريف الهدف من التحرر القومي القائم على الدولة إلى تنظيم مجتمعي وسياسي عابر للدولة القومية التقليدية.
[14] Abdullah Öcalan، الرسالة/التصور المرسل إلى المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني في ربيع 2025، والمنشور عبر وسائل الإعلام المقربة من الحركة، حيث ربط مشروع «المجتمع الديمقراطي» بتطورات القضية الكردية في تركيا وسوريا والعراق وإيران وطرح منظوراً كونفدرالياً على المستوى الإقليمي.
[15] Bianet، حزيران/يونيو 2025، نقلاً عن حزب DEM، حول رغبة عبد الله أوجلان في التواصل مع مسعود البارزاني ونيجيرفان البارزاني وبافل الطالباني وقباد الطالباني ومظلوم عبدي، باعتبار هذه الاتصالات جزءاً من الجهد الهادف إلى دعم مسار الحل السياسي.
[16] Hasan Atilla Uğur, Abdullah Öcalan’ı Nasıl Sorguladım؛ والمقتطفات الصحفية التركية المنشورة عن استجواب 1999، المتعلقة بأربيل والبارزاني والطالباني. ينبغي التمييز دائماً بين ما هو منقول على لسان أوجلان في رواية الاستجواب وبين التصريحات السياسية التي أدلى بها بحرية في مراحل لاحقة.
[17] Abdullah Öcalan, “Call for Peace and Democratic Society,” 27 February 2025. تمثل هذه الرسالة أحد أوضح النصوص الحديثة التي تحدد موقف أوجلان من الدولة القومية والفيدرالية والاستقلال الإداري، ولذلك تشكل مرجعاً أساسياً عند مقارنة فكره الحالي بالمشاريع السياسية الكردية في العراق وسوريا وإيران.



