أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم تكن هذه السلسلة محاولة لكتابة لائحة اتهام بحق اليسار العربي، ولا تمريناً في جلد تجربة تاريخية انتهت، بل كانت في جوهرها محاولة للعثور على ذلك اليسار الذي حمل، في مراحل مختلفة، أحلام الفقراء والعمال والمهمشين، ودفع كثير من مناضليه أثماناً باهظة في السجون والمنافي والمقاومات والاغتيالات، ثم وجد نفسه، بعد عقود طويلة، أضعف من القضايا التي وُلد أساساً للدفاع عنها.
بدأنا من المركزية الديمقراطية وسألنا كيف تحولت، في تجارب حزبية عديدة، من محاولة للجمع بين النقاش والوحدة التنظيمية إلى مركزية ازدادت قوة كلما ضعفت الديمقراطية داخل الحزب. ثم انتقلنا إلى أزمة تعريب الفكر الماركسي: هل قرأت الأحزاب العربية ماركس من داخل مجتمعاتها، أم قرأت مجتمعاتها من خلال النموذج السوفياتي؟ وبعد ذلك وصلنا إلى المثقف والحزب، وإلى ذلك الصراع الدائم بين المثقف الذي ينتج الأسئلة والقيادة التي تحتاج أحياناً إلى أجوبة جاهزة. ثم كان لا بد من الوصول إلى السلاح: تجربة الشيوعيين اللبنانيين في المقاومة وتجربة الشيوعيين العراقيين في الأنصار، والسؤال عن اللحظة التي يصبح فيها السلاح أداة للسياسة، واللحظة التي تبدأ فيها السياسة نفسها بالتشكل وفق منطق السلاح.
وأثناء الكتابة انتبهت إلى موضوع اليسارية الطفولية فعالجته من ضمن المواضيع متطرقاً إلى تجارب الاحزاب الشيوعية في العراق وسوريا والسودان .
لكن كل ذلك يقود إلى سؤال أخطر من الأسئلة الخمسة السابقة:
إذا كان اليسار العربي قد أخطأ في التنظيم، وفي علاقته بالمركز الخارجي، وفي علاقته بالمثقف، وفي علاقته بالسلاح، وكان في بعض المواقف طفولياً، فهل يعني ذلك أن اليسار نفسه أصبح فكرة من الماضي؟
أم أن العكس هو الصحيح؟
هل أصبحت المنطقة، بما تعيشه من تفاوت طبقي وانهيار اجتماعي وبطالة وهجرة وفساد وطائفية واستبداد وحروب واحتلال وتهميش، أكثر حاجة إلى اليسار، بينما أصبح اليسار نفسه أقل قدرة على تمثيلها؟
ربما تكمن المفارقة كلها هنا:
المشكلات التي استدعت وجود اليسار لم تختفِ؛ الذي اختفى أو تراجع هو قدرة اليسار على ترجمتها سياسياً.
هل سقطت الماركسية أم سقط نموذج تاريخي منها؟
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991، بدا لقطاع واسع من العالم أن المسألة حُسمت: الرأسمالية انتصرت والشيوعية هُزمت.
لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، لا يبدو الأمر بهذه البساطة.
فتراكم الثروة، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتحول العمل، وهيمنة رأس المال المالي، وتفاوت التنمية بين المركز والأطراف، كلها مسائل لم تختفِ بسقوط الاتحاد السوفياتي.
وهنا تظهر أهمية سمير أمين.
فالمفكر المصري لم ينظر إلى التخلف باعتباره مجرد مرحلة متأخرة على الطريق نفسه الذي قطعته الدول الصناعية، بل وضعه ضمن بنية عالمية غير متكافئة بين المركز والأطراف، حيث لا يكون تقدم المركز منفصلاً عن آليات إنتاج التبعية في الأطراف.[1]
وهذه الفكرة ما تزال شديدة الأهمية بالنسبة إلى المنطقة العربية.
فالسؤال ليس فقط لماذا لا تنتج اقتصاداتنا ما يكفي؟
بل:
من يملك رأس المال؟
أين تذهب الأرباح؟
ما علاقة الاقتصاد المحلي بالسوق العالمية؟
ما طبيعة الدولة الريعية؟
من يستفيد من الخصخصة؟
ومن يدفع ثمن الأزمات؟
لكن أهمية سمير أمين تكمن أيضاً في أنه يسمح لنا بفصل الماركسية عن النموذج السوفياتي.
فإذا كان نقد الرأسمالية صحيحاً في جوانب أساسية، فهذا لا يعني أن اقتصاد الدولة المغلق أو الحزب الواحد أو التجربة السوفياتية هو الحل الوحيد الممكن.
وهنا تبدأ أول مراجعة ضرورية:
اليسار الجديد لا يحتاج إلى الدفاع عن الاتحاد السوفياتي لكي يدافع عن العدالة الاجتماعية.
ياسين الحافظ: الهزيمة ليست عسكرية فقط
ربما كان ياسين الحافظ من أكثر المفكرين العرب قسوة في نقد البيئة السياسية والفكرية التي خرج منها.
بعد هزيمة حزيران 1967 لم يتعامل مع الهزيمة باعتبارها مجرد نتيجة لتفوق عسكري إسرائيلي.
كتب عن «الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة».[2]
وهنا تكمن عبقرية السؤال.
فالجيش قد يُهزم في ستة أيام.
لكن لماذا انهزم المجتمع السياسي الذي أنتج ذلك الجيش؟
لماذا لم تستطع الأنظمة التي رفعت شعارات التحرر والوحدة والاشتراكية بناء دولة حديثة ومواطن حديث ومؤسسات حديثة؟
الحافظ لم يكن يريد من الماركسي العربي أن يردد قاموساً ماركسياً.
كان يريد منه أن يصبح جزءاً من مشروع حداثة عربية.
وهذا التفريق بالغ الأهمية.
فيمكن لحزب أن يملك برنامجاً اشتراكياً شديد الراديكالية، وفي داخله علاقات أبوية شديدة التقليدية.
يمكن أن يتحدث عن تحرير المجتمع بينما لا يستطيع أعضاؤه انتخاب قيادتهم بحرية.
يمكن أن يطالب بالديمقراطية في الدولة ويمنعها في الحزب.
ويمكن أن يتحدث عن الثورة بينما يعيد إنتاج الثقافة التي يريد الثورة عليها.
ومن هنا يصبح سؤال ياسين الحافظ سؤالاً معاصراً:
هل يكفي أن تكون أيديولوجيتنا تقدمية إذا كانت بنيتنا السياسية والاجتماعية غير ديمقراطية؟
إلياس مرقص: لا ماركسية من دون عقل نقدي
ومن داخل الأزمة نفسها جاء إلياس مرقص.
كان نقده موجهاً إلى الجمود العقائدي وإلى تحويل الماركسية من منهج للتحليل إلى منظومة مغلقة من الإجابات.
وفي مشروعه حول نقد العقلانية العربية وفي سجاله الطويل مع الفكر القومي والماركسي، حاول إعادة الاعتبار إلى العقل والنقد والتاريخ والدولة والمجتمع المدني.[3]
وهنا تقع إحدى المآسي الفكرية لليسار العربي:
ماركس الذي قال إن المطلوب هو النقد الجذري تحول عند بعض أتباعه إلى مجموعة نصوص مقدسة.
وبدل استخدام النظرية لاكتشاف الواقع، بدأ الواقع يُقصّ ويُعاد ترتيبه لكي يدخل في النظرية.
إذا لم يتصرف الفلاح كما تقول النظرية، فالمشكلة في الفلاح.
إذا لم تتحرك الطبقة العاملة كما توقع الحزب، فالمشكلة في وعيها.
إذا لم يصوت الناس لليسار، فالمشكلة في الناس.
وهكذا يستطيع الحزب أن يخسر المجتمع كله ويبقى مقتنعاً بأن النظرية انتصرت.
وهذا ربما أحد أكثر أشكال الهزيمة الفكرية اكتمالاً.
مهدي عامل: كيف ننتج ماركسية من داخل المجتمع نفسه؟
وهنا نعود إلى مهدي عامل، لكن هذه المرة ليس بوصفه مثقفاً حزبياً فقط، بل باعتباره محاولة للإجابة عن السؤال الذي بقي مفتوحاً أمام الماركسيين العرب:
كيف نفكر ماركسياً في مجتمع لا يشبه المجتمع الذي كتب عنه ماركس؟
في كتاباته حول الطائفية والاستعمار والبنية الاجتماعية، حاول مهدي عامل ألا يعامل المجتمع اللبناني باعتباره نسخة ناقصة من المجتمع الأوروبي.
خصوصية الطائفية بالنسبة إليه لم تكن سبباً للتخلي عن التحليل الطبقي، بل سبباً لتعميقه.[4]
وهذا درس بالغ الأهمية.
فالطائفة ليست بديلاً ميكانيكياً من الطبقة.
والطبقة لا تلغي الطائفة.
والإنسان يستطيع أن يكون عاملاً وفقيراً وشيعياً أو سنياً أو مسيحياً أو درزياً في الوقت نفسه.
ويستطيع أن يتصرف في المصنع وفق مصلحته الاقتصادية، ثم يصوت في الانتخابات وفق خوفه الطائفي.
وهنا لا يكفي أن يقول له اليسار:
أنت لا تفهم مصلحتك الطبقية.
بل عليه أن يسأل نفسه:
لماذا استطاعت الطائفة أن تمنح هذا الإنسان شعوراً بالحماية والانتماء لم يستطع الحزب أن يمنحه إياه؟
هذا هو السؤال الأصعب.
هشام شرابي: ماذا لو كانت السلطة موجودة داخل المجتمع أيضاً؟
وهنا يصبح مفهوم الأبوية المستحدثة عند هشام شرابي ضرورياً.[5]
فالمشكلة العربية، وفق هذا المنظور، لا توجد فقط في القصر الرئاسي أو جهاز الأمن.
هناك بنية سلطوية تمتد من الدولة إلى العائلة، ومن المدرسة إلى المؤسسة، ومن المجتمع إلى التنظيم السياسي.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا استطاع حزب ثوري أن يكون سلطوياً.
فالأمين العام قد يهاجم الأب السياسي في الدولة، ثم يتحول هو نفسه إلى أب داخل الحزب.
يعرف أكثر.
ويقرر أكثر.
ويبقى أكثر.
ومن يعارضه يصبح ابناً متمرداً لا رفيقاً يملك حق الاختلاف.
وهكذا قد تتغير الأيديولوجيا بينما تستمر البنية الأبوية للسلطة.
وهذه من أهم خلاصات نقاشنا عن المركزية الديمقراطية.
فلا يكفي تغيير النظام الداخلي.
يجب تغيير الثقافة السياسية التي تنتج الزعيم الأب.
عبد الخالق محجوب: الحزب ليس بديلاً من الجماهير
ومن التجربة الشيوعية السودانية يأتي عبد الخالق محجوب، أحد أهم المفكرين والقادة الشيوعيين العرب الذين حاولوا التفكير في علاقة الحزب بالمجتمع من داخل التجربة نفسها.
في «إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير» كان السؤال مركزياً: كيف يمكن للحزب أن يعمل بين الناس دون أن يتحول إلى جهاز مغلق يتحدث باسمهم؟[6]
وهذا النص يستحق أن يعاد قراءته اليوم.
لأن مأزق أحزاب كثيرة لم يكن فقط في أنها لم تصل إلى الجماهير.
بل في أنها وصلت إليها وهي مقتنعة مسبقاً بأنها تعرف ما تحتاج إليه الجماهير.
قال لي الرفيق جورج حاوي في احد نقاشاتنا الحامية حول طليعية الحزب على طريقته ” كنا بدنا نكون بطليعة الجماهير قمنا طلعنا من بينهم” ..
وهناك فرق هائل بين ان تكون في طليعة الجماهير او فوقها.
فالحزب الديمقراطي لا يذهب إلى المجتمع لكي يعلمه فقط.
بل يذهب أيضاً لكي يتعلم منه.
حسين مروة: التراث ليس ملكاً للخصم
وفي الجانب الفكري نفسه، جاءت تجربة حسين مروة لتطرح سؤالاً آخر شديد الأهمية:
ماذا يفعل اليسار بالتراث العربي الإسلامي؟
في مشروعه الكبير النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية حاول مروة قراءة التراث من داخله، والبحث عن الصراع والتعدد والتيارات العقلية والمادية في التاريخ الفكري العربي الإسلامي.[7]
وبغض النظر عن النقاشات المنهجية التي أثارها مشروعه، فإن سؤاله ما يزال حياً.
فاليسار الذي يترك التراث كله للتيارات المحافظة يرتكب خطأً استراتيجياً.
واليسار الذي يتعامل مع قرون من التاريخ العربي والإسلامي باعتبارها كتلة واحدة من التخلف يعزل نفسه عن ذاكرة المجتمع.
المطلوب ليس تحويل الماركسية إلى دين.
ولا تحويل الدين إلى ماركسية.
المطلوب أن يفهم اليسار أن المجتمع لا يبدأ من الصفحة التي كتب فيها برنامجه.
صادق جلال العظم: الهزيمة تحتاج إلى نقد الذات
بعد 1967 أيضاً، جاء صادق جلال العظم بكتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة».[8]
وكانت أهمية الكتاب في رفض ثقافة الأعذار.
فالهزيمة لا تصبح مفيدة إلا عندما تنتج معرفة بأسبابها.
وهذا ينطبق على اليسار نفسه.
لا يستطيع اليسار العربي أن يفسر كل تراجعه بالمؤامرة.
ولا بالقمع.
ولا بالإسلام السياسي.
ولا بانهيار الاتحاد السوفياتي.
ولا بالمال الخليجي.
ولا بالإمبريالية.
كل هذه عوامل حقيقية في سياقات مختلفة.
لكن يبقى السؤال:
ماذا فعل اليسار بنفسه؟
ماذا فعلت قياداته؟
ماذا فعلت المركزية؟
ماذا فعل غياب الديمقراطية الداخلية؟
ماذا فعل الارتهان الخارجي؟
ماذا فعل العجز عن تجديد اللغة؟
وماذا فعل احتقار قطاعات من المجتمع لأنها لم تتصرف وفق ما توقعته النظرية؟
النقد الذاتي ليس إدانة.
إنه شرط البقاء.
برهان غليون: لا نهضة بين سلفية وتبعية
أما برهان غليون فقد وضع في «اغتيال العقل» سؤال الثقافة العربية بين السلفية والتبعية.[9]
وهذه الثنائية مهمة لليسار أيضاً.
فليس المطلوب الاختيار بين العودة إلى الماضي وبين استيراد المستقبل.
والمشكلة التي واجهها الماركسي العربي كانت أحياناً أنه أراد الخروج من السلفية الدينية، فسقط في نوع آخر من السلفية: السلفية الأيديولوجية.
موسكو تعرف.
المركز يعرف.
اللجنة المركزية تعرف.
النص يعرف.
أما المجتمع فعليه أن يتعلم.
وهنا يتشابه، بصورة مفارقة، العقل العقائدي الديني والعقل العقائدي السياسي:
كلاهما يمتلك الحقيقة قبل أن يبدأ الحوار.
عبدالله العروي: لا يمكن القفز فوق سؤال الدولة
ومن عبدالله العروي نتعلم أن الحداثة السياسية لا يمكن اختزالها في شعار الثورة.
فالدولة والمؤسسة والقانون والمواطنة والتاريخ ليست تفاصيل برجوازية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التحرر الاجتماعي.[10]
وهذا درس بالغ الأهمية لليسار العربي.
لقد كان سهلاً أن نقول:
سنحل المشكلة الديمقراطية بعد التحرير.
سنحل المسألة الكردية بعد الاشتراكية.
سنحل حقوق المرأة بعد الثورة.
سنحل الطائفية بعد إزالة الطبقات.
سنحل الحريات بعد انتهاء المواجهة.
لكن التاريخ أثبت أن المؤجل السياسي يتحول غالباً إلى مؤجل دائم.
سمير أمين مجدداً: لا عدالة داخل اقتصاد تابع
إذا أردنا يساراً جديداً، فلا يمكن أن يكون يسار الحريات وحدها.
فالحرية السياسية دون عدالة اجتماعية قد تنتج ديمقراطية يستطيع فيها الفقير انتخاب من يدير فقره.
وهنا تعود أهمية سمير أمين ونظرية التبعية.[11]
المنطقة العربية تعيش مفارقات هائلة:
ثروات ضخمة وفقر واسع.
اقتصادات ريعية.
دول تعتمد على النفط أو التحويلات أو المساعدات.
قطاعات عامة ضعيفة.
خصخصة في بعض الحالات دون منافسة حقيقية.
بطالة شبابية.
هجرة للكفاءات.
تراجع في الحماية الاجتماعية.
وتفاوت شديد في القدرة على الوصول إلى التعليم والصحة والسكن.
إذا لم يستطع اليسار تحويل هذه الوقائع إلى برنامج اقتصادي مفهوم وقابل للتطبيق، فلن تكفيه كل كتب ماركس.
لكن من هي الطبقة العاملة اليوم؟
هذا سؤال يجب أن يطرحه اليسار الجديد على نفسه بجدية.
هل هي فقط عامل المصنع؟
ماذا عن عامل التوصيل؟
وموظف المنصة الرقمية؟
والعامل المهاجر؟
واللاجئ العامل بلا حماية قانونية؟
والمرأة التي تقوم بعمل منزلي غير مدفوع؟
والمعلم؟
والممرض؟
والشاب الجامعي الذي يعمل بعقد مؤقت؟
وصاحب المشروع الصغير المهدد بالاحتكار؟
والموظف الذي يستهلك التضخم نصف راتبه؟
إذا لم يعد اليسار تعريف الطبقة وفق تحول بنية العمل نفسها، فإنه سيدافع عن طبقة موجودة في كتبه أكثر مما هي موجودة في الشارع.
الطائفة ليست وهماً يمكن شطبه
وهنا لا يمكن تجاوز مساهمة عزمي بشارة في تحليل الطائفة والطائفية بوصفهما ظاهرتين تاريخيتين وسياسيتين، لا مجرد امتداد آلي للاعتقاد الديني.[12]
وهذا مهم جداً.
فالطائفية ليست ببساطة كثرة الأديان.
يمكن أن يكون المجتمع متعدد الأديان وغير طائفي سياسياً.
الطائفية تظهر عندما تتحول الهوية الجماعية إلى أداة في توزيع السلطة والموارد والتمثيل والخوف.
وهنا أخطأ جزء من اليسار حين اعتقد أن الحل هو مطالبة الإنسان بالتخلي عن هويته.
ليس المطلوب أن يتوقف المسيحي عن كونه مسيحياً.
ولا المسلم عن كونه مسلماً.
ولا الكردي عن كونه كردياً.
ولا العربي عن كونه عربياً.
المطلوب بناء نظام سياسي تصبح فيه هذه الانتماءات غير محددة لقيمة المواطن وحقوقه.
وهنا ينتقل اليسار من مشروع محو الهويات إلى مشروع تحرير الإنسان داخل تعدد الهويات.
المسألة الكردية امتحان لليسار العربي
لا يستطيع يسار عربي جديد أن يطالب بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ثم يتعامل مع كل مطالبة كردية بالحقوق القومية باعتبارها مؤامرة خارجية.
كما لا يستطيع يسار كردي أن يطالب بحقوقه ثم يعيد إنتاج القومية الإقصائية تجاه العرب أو الآشوريين أو التركمان أو غيرهم.
العدالة لا تعمل باتجاه واحد.
وإذا كان اليسار يريد تجاوز إرث القومية المغلقة، فعليه أن ينتقل إلى مفهوم للمواطنة يسمح بالاعتراف بالحقوق الفردية والجماعية في الوقت نفسه.
فاللغة حق.
والثقافة حق.
والهوية حق.
والمشاركة السياسية حق.
ولا ينبغي أن يحتاج الإنسان إلى إنكار قوميته لكي يصبح مواطناً متساوياً.
الدين: المعركة التي خسرها اليسار عندما أساء تعريفها
كذلك لا يستطيع اليسار الجديد التعامل مع الدين باعتباره مجرد «وعي زائف».
فالدين في مجتمعاتنا عقيدة، لكنه أيضاً تاريخ وهوية وذاكرة ومؤسسة وعائلة وطقوس ولغة أخلاقية وشبكات تضامن.
ويمكن أن يكون أداة للتحرر كما يمكن أن يستخدم لتبرير السلطة.
المشكلة ليست في وجود المؤمن.
المشكلة في تحويل الإيمان إلى امتياز سياسي.
ولهذا فإن العلمانية التي يحتاجها اليسار ليست حرباً على الدين.
بل دولة لا تسأل المواطن عن علاقته بالله قبل أن تمنحه حقوقه.
دولة تحمي المسجد والكنيسة وحق غير المؤمن أيضاً.
وتمنع، في الوقت نفسه، تحويل أي مؤسسة دينية إلى سلطة فوق المواطن.
الديمقراطية ليست تكتيكاً
وهنا نصل ربما إلى أهم مراجعة ينبغي أن يقوم بها اليسار.
الديمقراطية ليست الطريق إلى الاشتراكية فقط.
الديمقراطية قيمة في ذاتها.
فالحزب الذي يبرر إسكات خصمه باسم الثورة سيجد قريباً مبرراً لإسكات رفيقه باسم وحدة الحزب.
والقيادة التي تعتقد أنها تمثل التاريخ لن ترى حاجة إلى الانتخابات.
والحزب الذي يعتقد أنه يمتلك الوعي الصحيح لن يحتاج إلى مجتمع حر، بل إلى مجتمع يقتنع بأنه على حق.
ومن هنا نعود إلى الحلقة الأولى.
ربما كانت المأساة الكبرى للمركزية الديمقراطية في تطبيقاتها الجامدة أن المركزية امتلكت جهازاً يحميها، بينما لم تمتلك الديمقراطية جهازاً يحميها من المركزية.
المثقف: من مهدي عامل إلى سؤالنا المعاصر
وهنا تعود الحلقة الخاصة بالمثقف.
مهدي عامل يمثل المثقف الذي بقي داخل الحزب لكنه حاول أن ينتج فكراً يتجاوز التلقين.
إدوارد سعيد يمثل المثقف الذي بقي داخل القضية الفلسطينية حتى عندما دخل في مواجهة فكرية وسياسية مع قيادتها.[13]
ورفعت السعيد يقدم نموذجاً مختلفاً يسمح لنا بدراسة كيف يمكن للخوف من خصم أيديولوجي، مع الزمن، أن يعيد ترتيب علاقة المثقف بالسلطة.
وهذه النماذج تقود إلى معيار واحد:
ليس السؤال مع من يقف المثقف، بل هل يستطيع نقد من يقف معه؟
المثقف الذي يستطيع نقد عدوه ليس بالضرورة حراً.
الاختبار الحقيقي عندما ينتقد صديقه.
وحزبه.
وقائده.
ومموله.
والقناة التي تستضيفه.
والجمهور الذي يصفق له.
السلاح: عندما يغير الوسيط صاحبه
ثم نعود إلى التجربتين اللبنانية والعراقية.
الحزب الشيوعي العراقي حمل السلاح في ظروف القمع البعثي، وظهرت تجربة الأنصار الشيوعيين في كردستان.
والحزب الشيوعي اللبناني شارك في المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي وكان أحد الأطراف الأساسية في إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية سنة 1982.[14]
في الحالتين كانت هناك أسباب تاريخية حقيقية للسلاح.
لكن السؤال السوسيولوجي يبقى:
ماذا يفعل السلاح بالتنظيم الذي يحمله؟
السلاح يحتاج إلى السرية.
والسرية تحتاج إلى الثقة.
والثقة العسكرية تميل إلى تقليل مساحة الاعتراض.
والحرب تحتاج إلى سرعة القرار.
وسرعة القرار تعزز القيادة.
والقيادة العسكرية لا تستطيع أن تدير معركة بالتصويت على كل خطوة.
المشكلة تبدأ عندما تنتقل هذه الثقافة من الجبهة إلى الحزب.
فيصبح الخلاف عصياناً.
والنقد ضعفاً.
والتعدد خطراً أمنياً.
وهكذا قد يبدأ الحزب بحمل السلاح.
ثم يبدأ السلاح، من حيث لا يدري الحزب، بحمل الحزب إلى مكان آخر.
لبنان: لماذا لم يتحول التحرير إلى مشروع سياسي؟
وهنا يأتي السؤال الذي لا يمكن تجاوزه.
بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت سنة 1982، نشأت ظروف لبنانية مختلفة، وأعلنت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية عملياتها ضد الاحتلال الإسرائيلي.[15]
كانت تلك لحظة مهمة في محاولة إنتاج مقاومة لبنانية ذات حضور يساري ووطني.
لكن لماذا لم يتحول رصيد المقاومة إلى مشروع سياسي اجتماعي واسع؟
لا يوجد جواب واحد.
هناك الحرب الأهلية.
والانقسام الطائفي.
والاحتلال.
والتدخل السوري.
والتحولات الإقليمية.
وصعود حزب الله.
وتراجع الدور السوفياتي عالمياً.
وتغير البيئة الشيعية.
وأزمة اليسار التنظيمية نفسها.
لكن الدرس الأهم هو:
البندقية تستطيع تحرير أرض، لكنها لا تستطيع وحدها بناء كتلة تاريخية.
وهنا نستعير من غرامشي مفهوم الكتلة التاريخية وحرب المواقع.[16]
فالسيطرة السياسية لا تُبنى بالقوة وحدها.
تحتاج إلى مجتمع.
وثقافة.
ونقابات.
وجامعات.
وإعلام.
ومؤسسات.
وتحالف اجتماعي يستطيع تحويل التضحية إلى مشروع دولة.
ربما نجح اليسار اللبناني في لحظة في أن يكون قوة مقاومة أكبر من قدرته اللاحقة على أن يصبح مشروعاً اجتماعياً جامعاً.
وهذا الفرق بين تحرير الأرض وبناء السياسة.
فواز طرابلسي: اليسار بوصفه تجربة يجب أن تُقرأ لا أسطورة يجب أن تُحفظ
وهنا تصبح كتابات فواز طرابلسي وتجربته في اليسار الجديد اللبناني مهمة، لأنها تحاول قراءة اليسار من داخل تجربته وتحولاته، لا باعتباره قصة بطولية مغلقة.[17]
وهذا ما يحتاج إليه اليسار العربي كله.
لا نحتاج إلى كتابة تاريخ يقول إننا كنا دائماً على حق.
هذا التاريخ لا يعلم شيئاً.
نحتاج إلى تاريخ يقول:
هنا أصبنا.
هنا أخطأنا.
هنا قاومنا.
هنا صمتنا.
هنا كنا ضحايا.
وهنا مارسنا نحن أيضاً الإقصاء.
كريم مروة: هل يمكن أن يولد يسار جديد؟
ولهذا تكتسب محاولة كريم مروة في «نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي» أهميتها.[18]
فمجرد طرح «النهضة الجديدة» يعني الاعتراف بأن إعادة إنتاج القديم غير كافية.
لا يمكن أن يكون التجديد تغيير اسم اللجنة المركزية.
ولا إضافة شباب إلى القيادة.
ولا فتح صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي.
التجديد الحقيقي هو مراجعة العلاقة بالديمقراطية، والدين، والقومية، والمرأة، والاقتصاد، والبيئة، والدولة، والحريات الفردية، والهوية، والعالم.
سلامة كيلة: ماذا لو وقف اليسار ضد الثورة باسم الجغرافيا السياسية؟
ومن التجارب الأكثر إيلاماً ما كشفته الثورات العربية.
فقد رأى سلامة كيلة في موقف قطاعات من اليسار العربي تجاه الثورة السورية علامة على أزمة عميقة: قراءة الصراع من خلال موقع النظام في العلاقات الدولية بدلاً من البدء بالبنية الاجتماعية والاحتجاج الشعبي نفسه.[19]
وهذه مسألة تتجاوز سوريا.
إذا أصبح معيار اليسار هو:
من يقف ضد الولايات المتحدة؟
بدلاً من:
من يقف مع حرية الإنسان؟
فقد يستطيع نظام استبدادي أن يحصل على شهادة «تقدمية» بمجرد أن تكون علاقته بواشنطن سيئة.
وهنا يتحول معاداة الإمبريالية من أداة للتحرر إلى غطاء محتمل للاستبداد.
والعكس صحيح أيضاً.
فليس كل من تدعمه الولايات المتحدة ديمقراطياً.
ولا كل من تعاديه ثورياً.
السياسة أكثر تعقيداً من خريطة المعسكرات.
فلسطين: امتحان أخلاقي لا شعار شرعية
لا يمكن تخيل يسار عربي لا تكون فلسطين في قلب مشروعه.
لكن فلسطين نفسها تحتاج إلى تحريرها من الاستخدام الأيديولوجي.
فالدفاع عن الفلسطيني لأنه محروم من الحرية يعني أن الحرية هي القيمة.
وإذا كانت الحرية هي القيمة، فلا يمكن أن تصبح حرية السوري أو العراقي أو اللبناني أو الكردي أقل أهمية.
لا يستطيع اليسار أن يقول:
الحرية في فلسطين مقدسة.
لكنها في دولة «صديقة» مؤامرة.
هنا تنهار البنية الأخلاقية كلها.
فلسطين لا ينبغي أن تكون ذريعة لتأجيل الديمقراطية.
بل يجب أن تكون أحد أسباب الدفاع عنها.
اليسار والمرأة: لا اشتراكية داخل بيت أبوي
ولا يمكن الحديث عن يسار جديد دون إعادة وضع قضية المرأة في مركز المشروع.
ليس بوصفها «قطاعاً نسائياً» داخل الحزب.
بل باعتبار علاقة الرجل بالمرأة واحدة من علاقات القوة الأساسية داخل المجتمع.
فما قيمة أن يطالب المناضل بالمساواة بين الطبقات ثم يعود إلى بيت لا يعترف فيه بالمساواة؟
وما قيمة حزب يتحدث عن تحرير المجتمع إذا بقيت قيادته حكراً على الرجال؟
وهنا يظهر مرة أخرى أن الثورة ليست فقط تغيير ملكية وسائل الإنتاج.
إنها أيضاً إعادة توزيع السلطة داخل الحياة اليومية.
والبيئة أصبحت مسألة طبقية
الماء.
والتصحر.
والتلوث.
والحرارة.
والطاقة.
والهجرة المناخية.
هذه ليست قضايا ترفية.
الفقير هو أول من يدفع ثمن انهيار البيئة.
ومن يستطيع شراء المياه والكهرباء والتبريد والسكن الآمن لا يعيش الأزمة نفسها التي يعيشها الفقير.
إذن العدالة البيئية أصبحت جزءاً من العدالة الاجتماعية.
واليسار الذي لا يمتلك تصوراً للمناخ والطاقة والمياه والزراعة هو يسار يتحدث عن عالم يختفي.
ما الاقتصاد الذي نريده؟
هنا يجب أن يتوقف اليسار عن الاختباء خلف الشعارات.
لا يكفي القول:
ضد الرأسمالية.
ما البديل؟
ليس المطلوب استعادة اقتصاد الأوامر السوفياتي.
ولا قبول السوق بلا حدود.
يمكن أن يكون المشروع:
اقتصاداً مختلطاً.
ضرائب تصاعدية عادلة.
صحة عامة قوية.
تعليماً عاماً عالي الجودة.
ضماناً اجتماعياً.
حقاً نقابياً حقيقياً.
حماية للعمال المهاجرين.
مكافحة للاحتكار.
دولة تنظيمية قوية.
قطاعاً خاصاً منتجاً لا يحتكر الدولة.
قطاعاً تعاونياً.
وسياسة إسكان تجعل المدينة مكاناً للعيش لا مجرد أصل مالي للمضاربة.
هذا هو المكان الذي يجب أن يعود إليه اليسار:
الحياة اليومية للناس.
من الصراع على الدولة إلى الصراع داخل المجتمع
وهنا يعود غرامشي مرة أخرى.
فالتغيير لا يحدث فقط بالاستيلاء على القصر.
هناك ما سماه حرب المواقع داخل المجتمع المدني.[20]
النقابة موقع.
الجامعة موقع.
البلدية موقع.
المدرسة موقع.
الجمعية موقع.
الصحافة موقع.
المسرح موقع.
النقابة المهنية موقع.
وسائل التواصل موقع.
اليسار الذي ينتظر الانتخابات لكي يظهر ثم يختفي بعدها ليس حركة اجتماعية.
إنه ماكينة انتخابية ضعيفة.
واليسار الذي يريد استعادة المجتمع يجب أن يعيش حيث يعيش الناس.
من الحزب الطليعي إلى الحزب المتعلم
وهنا ربما تكون المراجعة التنظيمية الأكثر جذرية.
الحزب القديم كان يقول:
نحن الطليعة.
أي أننا نمتلك وعياً أكثر تقدماً من المجتمع.
لكن ماذا لو قلنا:
نحن تنظيم يتعلم مع المجتمع؟
هذا لا يعني التخلي عن النظرية.
بل التخلص من الغرور النظري.
الحزب الجديد يجب أن يستطيع الاعتراف بأنه لا يعرف.
أن يجرب.
أن يخطئ.
أن يغير أمينه العام.
أن ينتخب قيادته.
أن يحدد الولايات.
أن ينشر حساباته.
أن يسمح بتكوين التيارات داخله.
أن يحمي حق الأقلية.
وأن يعتبر الاختلاف مورداً فكرياً لا مؤامرة تنظيمية.
لا أمين عام أبدي بعد اليوم
هذه ربما أبسط علامة على صدقية التجديد.
الحزب الذي يتحدث عن تداول السلطة في الدولة ولا يستطيع تداولها داخله يعاني تناقضاً لا يمكن إخفاؤه.
لا يوجد عقل لا بديل منه.
ولا أمين عام تاريخي إلى الأبد.
ولا قائد يعرف المجتمع أكثر من المجتمع.
القيادة وظيفة مؤقتة.
وليست رتبة وجودية.
وهنا فقط يمكن أن تتحول المركزية الديمقراطية من مركزية تتذكر الديمقراطية في اسمها إلى ديمقراطية تنظيمية حقيقية.
المثقف يجب أن يعود إلى مكانه الطبيعي: مصدر إزعاج
أما المثقف فلا ينبغي أن يكون زينة للمكتب السياسي.
وظيفته ليست كتابة البيان بعد اتخاذ القرار.
بل المساهمة في التفكير قبل القرار وضده وبعده.
الحزب الذي لا يحتمل مثقفيه سيجد موظفين ثقافيين.
لكن الموظف سيقول للقيادة ما تريد سماعه.
وحين تحيط القيادة نفسها بمن يقولون لها إنها دائماً على حق، تبدأ نهايتها قبل أن تعرف.
ولهذا كانت خلاصة مقالنا عن المثقف:
القائد الذي يخاف من المثقف لا يحمي الحزب من الانقسام؛ إنه يحرم الحزب من جهاز الإنذار المبكر.
هل نحتاج إلى ماركس؟
نعم.
لكننا نحتاج أيضاً إلى غرامشي.
وإلى سمير أمين.
ومهدي عامل.
وحسين مروة.
وياسين الحافظ.
وإلياس مرقص.
وصادق جلال العظم.
وهشام شرابي.
وعبد الخالق محجوب.
وفواز طرابلسي.
وكريم مروة.
وسلامة كيلة.
وإدوارد سعيد.
وإلى قراءة نقدية لعبدالله العروي وبرهان غليون وعزمي بشارة وغيرهم.
ليس لأن هؤلاء يشكلون مدرسة واحدة.
بل تحديداً لأنهم لا يشكلون مدرسة واحدة.
نحتاج إلى خلافاتهم.
فاليسار الذي نبحث عنه لا ينبغي أن يولد من كتاب واحد.
بل من حوار عربي طويل مع واقع عربي شديد التعقيد.
ربما كانت المشكلة أننا لم نكن محليين بما يكفي
وهنا أصل إلى خلاصة هذه السلسلة.
ربما لم تكن مأساة اليسار العربي أنه كان يسارياً أكثر مما ينبغي.
ربما كانت مأساته أنه، في مراحل كثيرة، لم يكن عربياً ومحلياً بما يكفي في إنتاج أسئلته.
استعار التنظيم.
واستعار القاموس.
واستعار أحياناً تعريف الطبقات.
واستعار الصراع السوفياتي–الصيني.
واستعار خلافات موسكو.
ثم حاول أن يضع كل ذلك فوق مجتمعات فيها:
الدين.
والطائفة.
والقبيلة.
والعشيرة.
والقومية.
والاحتلال.
والاستعمار.
والريف.
والمدينة.
واللاجئ.
والعامل المهاجر.
والحدود الموروثة.
والدولة الريعية.
والاقتصاد غير الرسمي.
وعندما لم يتطابق الواقع مع النظرية، كان من السهل اتهام الواقع بأنه متخلف.
لكن النظرية التي لا تستطيع تفسير الواقع تحتاج إلى المراجعة، لا الواقع.
هل ما زال اليسار قادراً على ترجمة حالة سياسية تشبه المنطقة؟
نعم، ولكن بشرط ألا يحاول إعادة إنتاج نفسه كما كان.
إذا كان اليسار يعني العدالة الاجتماعية، فهو ضروري.
إذا كان يعني كرامة العمل، فهو ضروري.
إذا كان يعني الدفاع عن الفقير أمام الاحتكار، فهو ضروري.
إذا كان يعني دولة المواطنة، فهو ضروري.
إذا كان يعني المساواة بين المرأة والرجل، فهو ضروري.
إذا كان يعني حق الفلسطيني في الحرية، فهو ضروري.
إذا كان يعني حق الكردي في هويته، فهو ضروري.
إذا كان يعني حماية المؤمن وغير المؤمن، فهو ضروري.
إذا كان يعني دولة القانون، فهو ضروري.
إذا كان يعني مقاومة الاحتلال والاستبداد معاً، فهو ضروري.
إذا كان يعني الديمقراطية داخل الحزب والدولة، فهو ضروري.
لكن إذا كان يعني إعادة إنتاج الأمين العام الأبدي، واللجنة المركزية المغلقة، والمثقف الموظف، والنص المقدس، والمركز الخارجي، والسلاح الذي يعلو على السياسة، والديمقراطية المؤجلة إلى ما بعد الثورة، فعندها لا تكون المشكلة أن الناس تركوا اليسار.
المشكلة أن اليسار ترك الناس.
كيف يعود؟
لا يعود ببيان.
ولا بمؤتمر توحيدي آخر.
ولا بصورة جماعية لقيادات تجاوزت المجتمع الذي تريد قيادته.
يعود عندما يدخل النقابة.
والجامعة.
والحي.
والبلدية.
والقرية.
والمنصة الرقمية.
وحركة النساء.
وحركة البيئة.
وحركة الطلاب.
وتجمع العمال المهاجرين.
وحركات الدفاع عن السكن.
يعود عندما يستطيع الشاب أن يرى في برنامجه جواباً عن إيجاره وراتبه ومستقبله، لا درساً في تاريخ المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي.
ويعود عندما يشعر المؤمن أن اليسار لا يريد انتزاع إيمانه منه.
ويشعر الكردي أنه لا يحتاج إلى التخلي عن قوميته لكي يكون يسارياً.
وتشعر المرأة أنها ليست ملحقاً بنضال الرجل.
ويشعر المثقف أنه يستطيع الاعتراض.
ويشعر العضو أنه يستطيع تغيير الأمين العام.
ويعرف المواطن أن الحزب الذي يطالبه بمنحه السلطة يمارس داخل نفسه القيم التي يعده بها.
من «كيف نجعل المجتمع يشبه النظرية؟» إلى «كيف نصنع نظرية تشبه المجتمع؟»
هذه ربما هي الثورة الفكرية التي يحتاجها اليسار.
لم يعد السؤال:
كيف نطبق النص؟
بل:
ماذا يقول الواقع؟
ثم نعود إلى ماركس وغرامشي ومهدي عامل وسمير أمين وياسين الحافظ وغيرهم لكي يساعدونا على فهمه.
لا لكي يتكلموا بدلاً منه.
النظرية خريطة.
وليست الأرض.
ومن يصر على السير وفق الخريطة عندما تتغير الأرض لن يصل إلى هدفه مهما كانت الخريطة جميلة.
خاتمة السلسلة: العودة إلى المجتمع
بدأنا هذه المقالات بالمركزية الديمقراطية.
ثم وصلنا إلى السوفياتية وتعريب الماركسية.
ثم إلى المثقف.
ثم إلى السلاح.
واليسارية الطفولية
والآن نكتشف أن القضايا الخمسة كانت في الحقيقة سؤالاً واحداً:
ما علاقة اليسار بالمجتمع؟
حين أصبح المركز أهم من العضو، ابتعد عن المجتمع.
وحين أصبحت موسكو أهم من قراءة الواقع المحلي، ابتعد عن المجتمع.
وحين أصبح المثقف موظفاً عند القيادة، فقد الحزب قدرته على فهم المجتمع.
وحين أصبح السلاح أعلى من السياسة، تقلص المجتمع أمام التنظيم.
إذن ربما لا يحتاج اليسار العربي إلى «إنقاذ الماركسية».
ولا إلى دفنها.
يحتاج إلى شيء أكثر بساطة وأشد صعوبة:
أن يعود إلى الناس.
أن يعترف بأخطائه دون أن يخجل من تاريخه.
أن يحترم شهداءه دون أن يقدس قياداته.
أن يحتفظ بماركس دون أن يحول ماركس إلى نبي.
أن يقرأ التراث دون أن يصبح سلفياً.
أن يحترم الدين دون أن يصبح دينياً.
أن يعترف بالقوميات دون أن يصبح قومياً مغلقاً.
أن يقاوم الاحتلال دون أن يبرر الاستبداد.
أن يدافع عن الدولة دون أن يقدس السلطة.
أن يدافع عن السوق حيث ينتج، وعن الدولة حيث تحمي، وعن المجتمع حيث يراقبهما معاً.
وأن يفهم، أخيراً، أن الديمقراطية ليست تنازلاً يقدمه اليسار للبرجوازية.
الديمقراطية هي الضمانة التي تمنع اليسار نفسه من التحول إلى سلطة على الذين جاء لتحريرهم.
وهنا نعود إلى مهدي عامل وحسين مروة وياسين الحافظ وإلياس مرقص وسمير أمين وعبد الخالق محجوب وصادق جلال العظم وهشام شرابي وإدوارد سعيد، لا لكي نصنع منهم آباء جدداً.
بل لكي نتعلم منهم شيئاً آخر:
أن الفكر يبقى حياً فقط عندما نستطيع تجاوزه.
ولذلك فإن السؤال الأخير ليس:
هل ما زال اليسار العربي قادراً على الحياة؟
السؤال الأكثر دقة هو:
هل ما زال قادراً على التغيير لكي يستحق الحياة؟
فإذا استطاع أن يتحول من حزب يعرف الإجابات إلى حركة تعرف كيف تطرح الأسئلة؛ ومن قيادة تعلم الناس إلى تنظيم يتعلم منهم؛ ومن مركزية تخاف الاختلاف إلى ديمقراطية تنتج المعرفة من الاختلاف؛ ومن ماركسية مترجمة إلى فكر نقدي مولود من حاجات المنطقة؛ ومن مقاومة تحمل السلاح إلى مشروع يعرف متى يخضع السلاح للسياسة؛ ومن مثقف يبرر القيادة إلى مثقف يزعجها؛ ومن خطاب عن الجماهير إلى وجود يومي بينها—عندها فقط يمكن القول إن اليسار لم ينته.
ربما يكون قد تأخر فقط.
وربما تكون مهمته التاريخية الجديدة مختلفة تماماً عن مهمته القديمة.
فهو لا يحتاج هذه المرة إلى أن يعد الناس بجنة تأتي بعد الثورة.
يكفي أن يبدأ بمساعدتهم على بناء دولة يستطيعون فيها أن يكونوا أحراراً ومختلفين ومتساوين اليوم.
وعندها فقط ينتقل السؤال من:
كيف نجعل مجتمعاتنا تشبه النظرية؟
إلى السؤال الذي كان ينبغي أن يبدأ منه كل شيء:
كيف نبني يساراً يشبه هذه المجتمعات، يفهم تناقضاتها وهوياتها ومخاوفها وأحلامها، ثم يساعدها على أن تصبح أكثر حرية وعدلاً وإنسانية؟
ربما هناك، لا في موسكو القديمة ولا في حنيننا إلى زمن مضى، يبدأ اليسار العربي من جديد.
Notes
[1] سمير أمين، التراكم على الصعيد العالمي: نقد نظرية التخلف؛ وانظر أيضاً: Samir Amin, Accumulation on a World Scale: A Critique of the Theory of Underdevelopment, New York: Monthly Review Press, 1974. يشكل تحليل العلاقة البنيوية بين المركز والأطراف أحد المحاور الأساسية في مشروع أمين الفكري.
[2] ياسين الحافظ، الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة، بيروت: دار الطليعة. وانظر أيضاً كتاباته المجموعة حول العقلانية والحداثة والتجربة القومية والماركسية العربية.
[3] إلياس مرقص، نقد العقلانية العربية، دمشق: دار الحصاد، 1997؛ وانظر أيضاً أعماله وسجالاته المتعلقة بالماركسية والقومية والدولة والمجتمع المدني.
[4] مهدي عامل، في الدولة الطائفية؛ ومقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركةالتحرر الوطني؛ وفي نقد الفكر اليومي. وتمثل هذه الأعمال محطات أساسية في محاولته إنتاج تحليل ماركسي للبنية الاجتماعية والسياسية اللبنانية والعربية من داخل خصوصيتها التاريخية.
[5] Hisham Sharabi, Neopatriarchy: A Theory of Distorted Change in Arab Society, New York: Oxford University Press, 1988. يقدم شرابي مفهوم «الأبوية المستحدثة» لتحليل استمرار علاقات السلطة الأبوية داخل مؤسسات تبدو حديثة في شكلها.
[6] عبد الخالق محجوب، إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير، من النصوص الأساسية في تجربة الحزب الشيوعي السوداني وفي التفكير النقدي بعلاقة الحزب بالجماهير والتنظيم والعمل السياسي.
[7] حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، بيروت: دار الفارابي، 1978، في مجلدين. وهو مشروع لإعادة قراءة التراث الفلسفي العربي الإسلامي من منظور مادي تاريخي.
[8] صادق جلال العظم، النقد الذاتي بعد الهزيمة، بيروت: دار الطليعة، 1968. يمثل الكتاب أحد أبرز نصوص المراجعة النقدية العربية التي أعقبت هزيمة حزيران 1967.
[9] برهان غليون، اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1985.
[10] عبدالله العروي، مفهوم الدولة؛ وانظر أيضاً الأيديولوجيا العربية المعاصرة. تشكل الدولة والتاريخ والحداثة والمواطنة والعقل السياسي الحديث محاور مركزية في مشروع العروي.
[11] سمير أمين، التطور اللامتكافئ: دراسة في التشكيلات الاجتماعية للرأسمالية المحيطية؛ وانظر كذلك أعماله حول فك الارتباط ونقد المركزية الأوروبية والرأسمالية العالمية.
[12] عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/بيروت، 2018. يميز بشارة بين الطائفة الدينية والطائفية بوصفها ظاهرة اجتماعية وسياسية حديثة مرتبطة بتكوين الدولة والصراع على السلطة.
[13] Edward W. Said, Representations of the Intellectual: The 1993 Reith Lectures, New York: Pantheon Books, 1994؛ وانظر أيضاً: Peace and Its Discontents: Essays on Palestine in the Middle East Peace Process, New York: Vintage, 1996.
[14] حول التجربتين المسلحتين للشيوعيين اللبنانيين والعراقيين، انظر أدبيات الحزب الشيوعي اللبناني المتعلقة بجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، والمذكرات والدراسات المتعلقة بحركة الأنصار الشيوعيين العراقيين في كردستان، مع ضرورة قراءة التجربتين في سياقيهما المختلفين وعدم اختزالهما في نموذج تنظيمي واحد.
[15] حول تأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في أيلول/سبتمبر 1982 وتجربة المقاومة اليسارية والوطنية للاحتلال الإسرائيلي، انظر فواز طرابلسي، تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلىاتفاق الطائف، إضافة إلى أدبيات وشهادات الحركة الوطنية والحزب الشيوعي اللبناني.
[16] Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, ed. Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith, London: Lawrence & Wishart, 1971. ولا سيما أفكاره حول الهيمنة والمجتمع المدني والمثقف العضوي و«حرب المواقع».
[17] فواز طرابلسي، زمن اليسار الجديد: صورة الفتى بالأحمر، بأجزائه، وهو من الأعمال المهمة في قراءة تجربة اليسار الجديد اللبناني من داخل سياقاتها الفكرية والسياسية والتنظيمية، وفي مراجعة العلاقة بين الثورة والحرب والمقاومة والتحولات الاجتماعية.
[18] كريم مروة، نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي، بيروت: دار الساقي. يقدم مروة مراجعة لتجربة اليسار العربي وانكساراته ويطرح الحاجة إلى تجديد مشروعه وأدواته ورؤيته للواقع العربي المعاصر.
[19] سلامة كيلة، ثورة حقيقية: منظور ماركسي للثورة السورية؛ وانظر أيضاً كتاباته النقدية حول مواقف قطاعات من اليسار العربي من الثورات العربية، والتي رأى فيها تعبيراً عن أزمة في قراءة المجتمع والصراع الطبقي واستمرار منطق الاصطفافات الدولية القديمة.
[20] Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks، ولا سيما تحليله للتمييز بين «حرب الحركة» و«حرب المواقع»، ولدور المجتمع المدني والهيمنة الثقافية في بناء القوة السياسية.
[21] جورج طرابيشي، نقد نقد العقل العربي، بأجزائه المختلفة، بيروت: دار الساقي. يقدم المشروع نموذجاً مهماً لممارسة النقد والنقد المضاد داخل الفكر العربي، ولرفض تحويل المشاريع الفكرية الكبرى إلى مرجعيات محصنة من المساءلة.
[22] محمد جابر الأنصاري، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. يفيد الكتاب في فهم العلاقة بين البنى الاجتماعية العربية والدولة والعصبيات والانقسامات التي لا يمكن للتحليل السياسي اختزالها في العامل الطبقي وحده.
[23] Hanna Batatu, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq, Princeton: Princeton University Press, 1978. يعد من أهم الدراسات الاجتماعية التاريخية لبنية المجتمع العراقي والحزب الشيوعي والحركات القومية والبعثية وعلاقة السياسة بالطبقات الاجتماعية.
[24] Hanna Batatu, Syria’s Peasantry, the Descendants of Its Lesser Rural Notables, and Their Politics, Princeton: Princeton University Press, 1999. يقدم تحليلاً اجتماعياً تاريخياً مهماً لفهم العلاقة بين الريف والطبقات والجيش والبعث وتحولات السلطة في سوريا.
[25] Pierre Bourdieu, The Field of Cultural Production, Cambridge: Polity Press, 1993؛ وانظر أيضاً “The Forms of Capital,” in John G. Richardson, ed., Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education, New York: Greenwood, 1986، ص 241–258. تساعد مفاهيم الحقل والرأسمال الثقافي والاجتماعي والرمزي على فهم علاقة المثقف بالمؤسسة والسلطة والموقع.
[26] Leon Festinger, A Theory of Cognitive Dissonance, Stanford: Stanford University Press, 1957. يفيد مفهوم التنافر المعرفي في فهم الكيفية التي يستطيع بها الفاعل السياسي إعادة تفسير تنازلاته ومواقفه بما يحافظ على صورة متماسكة عن ذاته.
[27] Robert Michels, Political Parties: A Sociological Study of the Oligarchical Tendencies of Modern Democracy, 1911. صاغ ميخلز مفهوم «القانون الحديدي للأوليغارشية»، وهو مفيد لفهم ميل التنظيمات الكبيرة، بما فيها التنظيمات التي تبدأ ديمقراطية أو ثورية، إلى تركيز القرار في أيدي قيادة محترفة.
[28] Rosa Luxemburg, The Russian Revolution, 1918، إضافة إلى كتاباتها حول التنظيم والإضراب الجماهيري والديمقراطية الاشتراكية. تظل نقديات لوكسمبورغ المبكرة لتركيز السلطة وتقييد الحياة الديمقراطية مرجعاً مهماً لأي مراجعة يسارية للعلاقة بين الثورة والحرية.
[29] Ernesto Laclau and Chantal Mouffe, Hegemony and Socialist Strategy: Towards a Radical Democratic Politics, London: Verso, 1985. يمثل الكتاب محاولة لإعادة التفكير في المشروع اليساري انطلاقاً من تعدد الصراعات الاجتماعية وعدم اختزال السياسة كلها في تناقض طبقي واحد.
[30] Nancy Fraser, Fortunes of Feminism: From State-Managed Capitalism to Neoliberal Crisis, London: Verso, 2013؛ وانظر أيضاً أعمالها حول العدالة وإعادة التوزيع والاعتراف والتمثيل، وهي مفيدة لبناء يسار يجمع بين المسألة الاجتماعية وقضايا الهوية والجندر والاعتراف.
[31] Karl Polanyi, The Great Transformation, New York: Farrar & Rinehart, 1944. يظل تحليله لإخضاع المجتمع لمنطق السوق وللحاجة إلى حماية المجتمع من التفكك الذي تسببه السوق المنفلتة مرجعاً مهماً لتصور يسار اجتماعي لا يقوم بالضرورة على إعادة إنتاج النموذج السوفياتي.
[32] Amartya Sen, Development as Freedom, New York: Alfred A. Knopf, 1999. يوسع سين مفهوم التنمية بحيث لا تقتصر على النمو الاقتصادي، بل ترتبط بتوسيع الحريات والقدرات الفعلية للأفراد، وهو مدخل يمكن أن يفيد أي يسار عربي يريد الجمع بين العدالة الاجتماعية والحرية السياسية.
[33] هذه الإسنادات لا تعني أن المفكرين المذكورين ينتمون إلى تيار فكري واحد؛ بل العكس هو المقصود. فإعادة بناء يسار عربي قابل للحياة تقتضي الحوار النقدي بين الماركسية والقومية والديمقراطية ونقد الاستبداد ودراسات الدولة والطائفية والتبعية والنسوية، بدلاً من البحث مرة أخرى عن «مركز» فكري واحد يمتلك الإجابات النهائية.



