الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
31.3 C
Beirut

من كرونشتادت إلى المكسيك: هل كان تروتسكي نقيض ستالين حقاً؟ .. في ذكرى اغتياله في 21 آب/ أغسطس 1940: من الثورة الدائمة إلى المنفى والفأس التي وصلت إليها يد ستالين

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

تربّينا، نحن الذين مررنا في أحزاب شيوعية سوفياتية الهوى أو تأثرنا بثقافتها السياسية، على أن نكون ضد ليون تروتسكي قبل أن نقرأ تروتسكي. كان الاسم يصل إلينا مسبوقاً بالحكم عليه: «التروتسكية» انحراف، والتروتسكي عدو للحزب والثورة، وستالين هو وريث لينين وحامي الاتحاد السوفياتي وباني الاشتراكية.

لم يكن مطلوباً منا دائماً أن نسأل: ماذا كتب تروتسكي فعلاً؟ ماذا كان دوره الحقيقي في ثورة أكتوبر؟ من أسس الجيش الأحمر وقاده في أصعب سنوات الحرب الأهلية؟ ما طبيعة خلافاته مع لينين؟ ولماذا تحول أحد أبرز قادة الثورة إلى عدو يجب شطبه من الصور والكتب والتاريخ؟

مع مرور الزمن، وخصوصاً بعد انكشاف حجم القمع الستاليني والمحاكمات الصورية والتطهير الكبير ومعسكرات الاعتقال وسياسة صناعة «عدو الشعب»، أصبح ممكناً إعادة قراءة التاريخ خارج الرواية الحزبية الرسمية. ولم يعد السؤال: هل نكون مع تروتسكي أم ضده؟ بل: كيف استطاعت سلطة سياسية أن تعيد كتابة تاريخ ثورة كاملة بحيث يتحول أحد أهم صانعيها إلى خائن في ذاكرتها الرسمية؟

وتروتسكي نفسه لم يكن ديمقراطياً ليبرالياً ولا بريئاً من عنف التجربة البلشفية. لقد دافع عن الديكتاتورية الثورية وعن استخدام القوة، وقاد الجيش الأحمر في حرب أهلية شديدة الوحشية، وارتبط اسمه أيضاً بسياسات قمعية، بما فيها قمع تمرد كرونشتادت. لذلك فإن إعادة الاعتبار إلى موقعه التاريخي لا تعني تحويله إلى قديس مضاد لستالين، بل تحرير سيرته من شيطنة المدرسة الستالينية كما من الأسطرة التروتسكية المضادة.[1]

من ليف برونشتاين إلى ليون تروتسكي

ولد ليف دافيدوفيتش برونشتاين سنة 1879 في يانوفكا، في أراضي الإمبراطورية الروسية التي تقع اليوم في أوكرانيا، لعائلة يهودية ميسورة نسبياً تعمل في الزراعة. دخل النشاط الثوري في شبابه، واعتقلته السلطات القيصرية عام 1898 ثم نُفي إلى سيبيريا. وبعد هروبه سنة 1902 وصل إلى أوروبا وانخرط في الوسط الماركسي الروسي المنفي، حيث التقى لينين ومارتوف وغيرهما وكتب في صحيفة إيسكرا.[2]

لكن العلاقة مع لينين لم تبدأ بوصفها علاقة تابع بقائد.

عندما انقسم حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي سنة 1903 إلى البلاشفة والمناشفة، وقف تروتسكي ضد مفهوم لينين التنظيمي وانحاز بداية إلى مارتوف والمناشفة، قبل أن يبتعد عنهم أيضاً. وكان اعتراضه المبكر يتعلق خصوصاً بخطر التركيز المفرط للسلطة داخل الحزب.

هنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في حياته: الرجل الذي سيصبح بعد 1917 واحداً من أقرب شركاء لينين كان قبل ذلك واحداً من منتقديه البارزين.

ثورة 1905: البروفة الأولى

لم ينتظر تروتسكي سنة 1917 ليصبح قائداً ثورياً. ففي ثورة 1905 برز في سان بطرسبورغ وتولى رئاسة سوفييت العمال فيها، ليصبح وهو في السادسة والعشرين تقريباً واحداً من أبرز وجوه الحركة الثورية الروسية.[3]

هزمت الثورة، واعتقل تروتسكي مجدداً وحكم عليه بالنفي، ثم هرب وعاد إلى حياة المنفى.

لكن تجربة 1905 أصبحت مختبره النظري والسياسي. ومنها تطورت الفكرة التي ستصبح مرتبطة باسمه أكثر من أي فكرة أخرى: الثورة الدائمة.

كان السؤال المطروح على الماركسيين الروس: كيف يمكن أن تحدث ثورة اشتراكية في بلد متأخر اقتصادياً، ذي أغلبية فلاحية، لم يستكمل بعد تطوره الرأسمالي؟

رأى تروتسكي أن البرجوازية الروسية أضعف وأكثر ارتباطاً بالنظام القديم من أن تنجز ثورتها الديمقراطية حتى النهاية، وأن الطبقة العاملة يمكن أن تضطر إلى تولي القيادة السياسية، متحالفة مع الفلاحين، ثم تنتقل من المهام الديمقراطية إلى إجراءات اشتراكية. لكنه اعتبر أن الثورة الروسية لن تستطيع تثبيت انتصارها النهائي في عزلة، وأن مستقبلها مرتبط بامتداد الثورة إلى أوروبا والعالم.[4]

وهنا يكمن لاحقاً أحد جذور صدامه النظري الكبير مع ستالين.

تروتسكي ولينين: خلاف طويل ثم تحالف تاريخي

من الخطأ تصوير تروتسكي على أنه كان دائماً «رجل لينين الثاني». فقد اختلف الرجلان سنوات طويلة حول الحزب والتنظيم والاستراتيجية.

لكن عام 1917 قلب المعادلة.

بعد سقوط القيصرية في ثورة فبراير، عاد لينين وتروتسكي إلى روسيا كل بطريقه. ومع تطور الأحداث، اقترب تروتسكي من الموقف البلشفي، وانضم رسمياً إلى الحزب البلشفي في صيف 1917، ثم انتخب رئيساً لسوفييت بتروغراد في سبتمبر.

ومن تلك اللحظة أصبح دوره في ثورة أكتوبر مركزياً.

إذا كان لينين هو صاحب الدفع السياسي والاستراتيجي الحاسم نحو الاستيلاء على السلطة، فإن تروتسكي لعب دوراً تنفيذياً وتنظيمياً أساسياً في بتروغراد، خصوصاً من خلال السوفييت واللجنة العسكرية الثورية. وتصفه مراجع تاريخية بأنه أحد أبرز منظمي عملية الاستيلاء البلشفي على السلطة في أكتوبر 1917.[5]

لم تكن ثورة أكتوبر، إذاً، قصة رجل واحد.

كانت هناك قيادة، وحزب، وسوفييتات، وعمال وجنود وبحارة، وفي قلب القيادة كان لينين وتروتسكي شخصيتين مركزيتين لا يمكن كتابة تاريخ تلك اللحظة من دون أي منهما.

بريست-ليتوفسك: عندما اختلف مع لينين مجدداً

بعد انتصار الثورة، أصبح تروتسكي أول مفوض للشؤون الخارجية في الحكومة السوفياتية الجديدة، وتولى المفاوضات مع ألمانيا وحلفائها لإخراج روسيا من الحرب العالمية الأولى.

هنا ظهر خلاف جوهري جديد مع لينين.

كان لينين يرى أن الثورة الوليدة تحتاج إلى السلام بأي ثمن تقريباً كي تبقى. أما تروتسكي فحاول اعتماد صيغة اشتهرت بعبارة «لا حرب ولا سلام»: وقف القتال من دون قبول الشروط الألمانية القاسية بصورة كاملة.

لم تنجح المناورة. استأنفت ألمانيا هجومها، واضطرت الحكومة البلشفية في النهاية إلى قبول معاهدة بريست-ليتوفسك بشروط قاسية. كان لينين أكثر براغماتية في تلك اللحظة، بينما راهن تروتسكي بدرجة أكبر على قرب اندلاع الثورة في أوروبا.[6]

وهذا الخلاف مهم لأنه يهدم الصورة اللاحقة التي جعلت من كل اختلاف مع لينين دليلاً تلقائياً على «الخيانة». فالقيادة البلشفية نفسها عرفت خلافات حادة، وكان تروتسكي أحياناً في مواجهة مباشرة مع لينين، ثم يعود الرجلان إلى العمل معاً.

الجيش الأحمر: الإنجاز الذي حاول التاريخ الستاليني تقزيمه

في مارس/آذار 1918 انتقل تروتسكي إلى المهمة التي ستجعل اسمه جزءاً لا يمكن فصله عن تاريخ الدولة السوفياتية: أصبح مفوض الشعب للشؤون العسكرية والبحرية.

كانت الدولة الجديدة محاصرة، والجيش القيصري القديم يتفكك، والحرب الأهلية تتسع، والقوات البيضاء تتلقى دعماً خارجياً.

في هذه الظروف شارك تروتسكي بصورة حاسمة في بناء وتنظيم الجيش الأحمر وتحويل القوى الثورية المتفرقة إلى جيش منظم قادر على خوض حرب تقليدية واسعة.[7]

وهنا ظهرت براغماتيته بوضوح.

ففي مواجهة اعتراضات داخل الحزب، استعان بضباط محترفين خدم كثير منهم سابقاً في الجيش القيصري، ووضع إلى جانبهم مفوضين سياسيين لضمان ولائهم للسلطة الجديدة. كما دعم التجنيد والانضباط العسكري الصارم.

وكان يتنقل بين الجبهات في قطاره المدرع الشهير، حاملاً معه هيئة قيادة ووسائل اتصال وطباعة، وينتقل إلى نقاط الخطر لتعبئة القوات وإعادة تنظيمها.

انتصار البلاشفة في الحرب الأهلية لم يكن إنجاز تروتسكي وحده بطبيعة الحال، لكن من الصعب تاريخياً فصل ذلك الانتصار عن الدور التنظيمي والعسكري الذي أداه.

وتلك هي المفارقة: الرجل الذي ساهم بصورة مركزية في بناء القوة المسلحة التي حمت الدولة السوفياتية الوليدة سيُمحى لاحقاً من روايتها الرسمية.

كرونشتادت: عندما تمرّد أبطال الأمس على السلطة الجديدة

لكن أكثر المحطات إحراجاً في سيرة تروتسكي تبقى انتفاضة كرونشتادت في آذار/مارس 1921، لأنها تكشف أن الصراع داخل الثورة الروسية لم يكن دائماً بين البلاشفة و«الثورة المضادة»، بل أصبح في لحظة معينة صراعاً بين السلطة البلشفية نفسها وقطاعات من العمال والبحارة الذين شاركوا في صنع الثورة.

كانت كرونشتادت قاعدة بحرية استراتيجية في خليج فنلندا قرب بتروغراد، وكان بحارتها من أكثر الفئات راديكالية ودعماً للثورة عام 1917. لذلك كانت صدمة القيادة البلشفية كبيرة عندما انتفض هؤلاء البحارة ضد الحكومة بعد سنوات قليلة فقط من أكتوبر.[8]

لم يأتِ التمرد من فراغ. كانت روسيا قد خرجت شبه مدمرة من الحرب العالمية الأولى ثم الحرب الأهلية، وفرضت السلطة خلال «شيوعية الحرب» سياسة مصادرة الحبوب بالقوة من الفلاحين، بينما كانت المدن تعاني نقص الغذاء وانهيار الإنتاج والتضخم. وفي شباط/فبراير 1921 اندلعت إضرابات واحتجاجات عمالية في بتروغراد بسبب تدهور الظروف المعيشية والمطالبة بهوامش أكبر من الحرية السياسية. ووصلت أصداء هذه الاحتجاجات إلى بحارة كرونشتادت الذين كان كثير منهم مرتبطين بأسر فلاحية عانت بدورها من فرق مصادرة المحاصيل.[9]

رفع المتمردون مجموعة من المطالب كان أبرزها إجراء انتخابات جديدة للسوفييتات، والتخفيف من احتكار الحزب الشيوعي للحياة السياسية، ومنح هامش أوسع من حرية التعبير والتنظيم للقوى الثورية غير البلشفية، والتخفيف من القيود الاقتصادية، وإنهاء مصادرة الحبوب القسرية.

لذلك لم يكن خطابهم، في جوهره، دعوة إلى إعادة القيصرية، بل كان يحمل مطالبة بالعودة إلى سلطة السوفييتات مع رفض تحول الحزب إلى بديل عنها. وهذا ما جعل كرونشتادت لاحقاً إحدى أهم القضايا التي استند إليها منتقدو البلشفية للقول إن الثورة بدأت تقمع بعض أبنائها باسم الدفاع عن الثورة نفسها.[10]

رأت قيادة لينين في التمرد تهديداً وجودياً، خصوصاً أنه جاء مباشرة بعد حرب أهلية طاحنة وفي لحظة كانت فيها الدولة السوفياتية لا تزال شديدة الهشاشة. فصدر القرار بقمع الانتفاضة عسكرياً.

وقادت القوات الحكومية هجوماً واسعاً عبر جليد خليج فنلندا بقيادة ميخائيل توخاتشيفسكي، وسقطت كرونشتادت في 18 آذار/مارس 1921 بعد معارك دامية. قُتل وسُجن عدد من المتمردين، بينما فر آخرون إلى فنلندا.[11]

أما مسؤولية تروتسكي، فينبغي تناولها بدقة بعيداً عن المبالغة في الاتجاهين. فقد كان وقتها مفوض الشعب للشؤون العسكرية وأحد كبار المسؤولين عن الجيش الأحمر، وكان جزءاً من القيادة التي قررت سحق التمرد ودافع سياسياً عن ذلك القرار، ولذلك يتحمل مسؤولية سياسية واضحة عن القمع، حتى وإن كان التنفيذ العسكري المباشر للهجوم النهائي قد ارتبط بتوخاتشيفسكي وقادة ميدانيين آخرين.[12]

وتزداد مفارقة كرونشتادت أهمية لأن الانتفاضة، إلى جانب تمردات الفلاحين والإضرابات العمالية، كانت من بين العوامل التي دفعت لينين إلى القناعة بأن استمرار «شيوعية الحرب» أصبح خطراً على بقاء النظام نفسه.

وفي الشهر ذاته انتقلت السلطة إلى السياسة الاقتصادية الجديدة – NEP، فألغيت مصادرة الحبوب القسرية واستُبدلت بضريبة عينية، وسمح بهامش من النشاط الاقتصادي الخاص والتجارة.[13]

وهنا تصبح كرونشتادت ضرورية لفهم تروتسكي بعيداً عن صناعة بطل مضاد لستالين. فالرجل الذي سيكتب لاحقاً ضد البيروقراطية والاستبداد الستاليني كان عام 1921 جزءاً من سلطة لم تتردد في استخدام الجيش ضد بحارة كانوا قبل أربعة أعوام فقط من رموز الثورة.

لذلك فإن نقد ستالين لا يستوجب تبرئة تروتسكي، كما أن تحميل تروتسكي مسؤولية كرونشتادت لا يبرر محوه من تاريخ أكتوبر أو اغتياله لاحقاً.

إنها واحدة من أكثر تناقضات الثورة الروسية قسوة: بحارة ساعدوا البلاشفة على الوصول إلى السلطة طالبوا بعد سنوات بسوفييتات أكثر حرية، فردت عليهم السلطة التي رفعت شعار «كل السلطة للسوفييتات» بمدافع الجيش الأحمر.

لكنه لم يكن الوجه الديمقراطي للثورة

كرونشتادت ليست الاستثناء الوحيد الذي يمنعنا من تقديم تروتسكي بوصفه الوجه الديمقراطي المقابل لستالين.

فخلال مرحلة «شيوعية الحرب» دافع تروتسكي عن انضباط شديد وعن أفكار تتعلق بعسكرة العمل، ودخل في خلاف حاد مع لينين حول موقع النقابات العمالية ودورها في الدولة السوفياتية.[14]

كان يؤمن، مثل معظم القيادة البلشفية آنذاك، بأن الثورة تواجه حرباً داخلية وخارجية لا تسمح بالتساهل، وأن بقاء السلطة الثورية يبرر استخدام إجراءات قسرية واسعة.

إذن فالفارق بين تروتسكي وستالين لا يمكن اختزاله في معادلة سهلة: ديمقراطي في مواجهة ديكتاتور. كلاهما خرج من تجربة سياسية قبلت بالعنف الثوري وباحتكار الحزب للسلطة.

لكن ذلك لا يلغي اختلافاً جوهرياً ظهر لاحقاً حول طبيعة النظام والحزب والبيروقراطية واتجاه الثورة العالمية.

موت لينين ومعركة الخلافة

وهنا نصل إلى واحدة من أكثر النقاط التي تحتاج إلى الدقة.

من الشائع القول إن تروتسكي كان «الخليفة الذي عيّنه لينين». تاريخياً، العبارة بهذه الصيغة ليست دقيقة. لينين لم يعيّن تروتسكي رسمياً خليفة له.

لكن تروتسكي كان، من حيث المكانة الثورية والقدرة الفكرية والشهرة الدولية والدور العسكري، من أبرز المرشحين الطبيعيين للقيادة بعد لينين.

وفي ما عُرف لاحقاً بـ«وصية لينين»، وصف لينين تروتسكي بأنه من أبرز أعضاء اللجنة المركزية وأشار إلى قدراته الاستثنائية، لكنه انتقد أيضاً ثقته المفرطة بنفسه وميله إلى الجانب الإداري للأمور.

وكان أخطر ما ورد بالنسبة إلى ستالين أن لينين أبدى قلقه من تركز سلطة كبيرة في يد الأمين العام، وانتقد فظاظة ستالين واقترح أن يفكر الحزب في نقله من موقعه.[15]

لكن السياسة لا تحسمها الكفاءة الفكرية وحدها.

كان ستالين قد فهم شيئاً لم يمنحه تروتسكي الاهتمام الكافي: من يسيطر على جهاز الحزب يستطيع، مع الوقت، أن يسيطر على الدولة.

ستالين ينتصر

كان تروتسكي خطيباً وكاتباً ومنظّراً وقائداً عسكرياً استثنائياً، لكنه لم يكن بالمستوى نفسه في بناء شبكات الولاء داخل الجهاز الحزبي.

أما ستالين فكان الأمين العام للحزب منذ 1922، واستطاع تحويل موقع بدا إدارياً إلى مركز هائل للقوة السياسية والتنظيمية.

تحالف أولاً مع غريغوري زينوفييف وليف كامينيف لعزل تروتسكي، ثم تغيرت التحالفات بعد ذلك، لكن النتيجة بقيت واحدة: كان خصوم ستالين يسقطون تباعاً بينما تتوسع قبضته على الحزب.

بعد 1924 أصبح الخلاف الفكري أكثر وضوحاً.

طرح ستالين نظرية «الاشتراكية في بلد واحد»، بينما تمسك تروتسكي بمنظور «الثورة الدائمة» والأممية الثورية، معتبراً أن عزلة الثورة السوفياتية ستساعد على نمو البيروقراطية وانفصالها عن الطبقة العاملة.[16]

وفي 1923 بدأ تروتسكي معارضة أكثر وضوحاً للبيروقراطية المتنامية داخل الحزب، ثم قاد «المعارضة اليسارية».

لكن المعركة كانت قد بدأت تميل بشدة لمصلحة ستالين.

أُبعد تروتسكي من المكتب السياسي سنة 1926، وطُرد من الحزب سنة 1927، ونُفي إلى ألما آتا سنة 1928، ثم طُرد من الاتحاد السوفياتي نهائياً عام 1929.[17]

وهكذا خرج أحد أبرز قادة أكتوبر من الدولة التي ساهم في تأسيسها.

محو الرجل من الصورة

لم يكتف ستالين بهزيمة خصمه سياسياً.

بدأت عملية أشد خطورة: إعادة كتابة الذاكرة.

تحولت «التروتسكية» إلى تهمة سياسية. وأعيدت صياغة تاريخ الثورة والحرب الأهلية بما ينسجم مع شرعية القيادة الجديدة. وفي الحقبة الستالينية صار مجرد الارتباط بتروتسكي أو اتهام شخص بالتروتسكية كافياً في ظروف كثيرة لتدمير حياته.

ثم جاءت محاكمات موسكو والتطهير الكبير في الثلاثينيات، وأُعدم أو سجن عدد كبير من قادة الثورة والجيش والحزب.

وهنا تصبح قصة تروتسكي أكبر من صراع شخصين.

إنها قصة كيف تأكل الثورة أبناءها، ثم تعيد كتابة سيرتهم بعد أن تأكلهم.

المنفى: تركيا وفرنسا والنرويج والمكسيك

تنقل تروتسكي بعد طرده من الاتحاد السوفياتي بين تركيا وفرنسا والنرويج، قبل أن يحصل على حق اللجوء في المكسيك سنة 1937.[18]

لكن المنفى لم يسكت صوته.

كتب بغزارة، وهاجم النظام الستاليني، وحاول تفسير كيف تحولت الثورة التي شارك في قيادتها إلى دولة تسيطر عليها بيروقراطية متضخمة.

وفي كتابه «الثورة المغدورة» قدّم واحداً من أشهر تحليلاته للاتحاد السوفياتي، معتبراً أنه ما زال دولة عمالية من حيث أساسه الاقتصادي، لكنه تعرض لانحطاط بيروقراطي خطير.

وفي 1938 ساهم في تأسيس الأممية الرابعة بديلاً ثورياً عن الأممية الشيوعية التي أصبحت، في نظره، خاضعة لمصالح السياسة الخارجية الستالينية.[19]

كان ستالين قد انتصر في موسكو، لكن خصمه بقي حياً ويكتب من الخارج.

وهذا ما جعل المنفى غير كافٍ.

يد ستالين تصل إلى المكسيك

تعرض منزل تروتسكي في كويواكان بالمكسيك في مايو/أيار 1940 لهجوم مسلح نجا منه.

لكن المحاولة التالية نجحت.

كان رامون ميركادير، الشيوعي الإسباني المرتبط بجهاز الاستخبارات السوفياتي، قد تمكن من الاقتراب من محيط تروتسكي عبر علاقة أقامها مع إحدى النساء العاملات في دائرته.

في 20 أغسطس/آب 1940 دخل ميركادير إلى مكتب تروتسكي بحجة عرض نص عليه، ثم ضربه على رأسه بأداة حادة. لم يمت تروتسكي فوراً، ونقل إلى المستشفى، لكنه توفي في 21 أغسطس/آب 1940 عن ستين عاماً.[20]

وتنسب المصادر التاريخية الموثوقة عملية الاغتيال إلى جهاز الأمن السوفياتي، وتشير دراسات عديدة إلى أن العملية نُفذت بأمر من ستالين وفي إطار مطاردة جهازية لتروتسكي وأنصاره في الخارج.[21]

كان الرجل الذي لم يستطع ستالين إسكات أفكاره في موسكو قد لاحقه إلى الطرف الآخر من العالم.

هل كان تروتسكي سيصنع اتحاداً سوفياتياً مختلفاً؟

هذا السؤال مغرٍ، لكنه سؤال افتراضي لا يستطيع المؤرخ الإجابة عنه بيقين.

لا توجد أسباب كافية لتحويل تروتسكي إلى بطل ديمقراطي كان سيقيم دولة تعددية لو انتصر على ستالين. فتجربته أثناء الحرب الأهلية ومواقفه من العنف الثوري والحزب الواحد والنقابات وكرونشتادت تمنع مثل هذه القراءة الرومانسية.

لكن هناك أيضاً فارق لا يجوز تجاهله.

فالتروتسكية تطورت إلى نقد منهجي للبيروقراطية الستالينية ولنظرية الاشتراكية في بلد واحد، بينما بنى ستالين نظاماً بلغ فيه تركيز السلطة الشخصية والقمع السياسي والتطهير والإعدامات والترحيل القسري مستويات كارثية.

لذلك فإن نقد الستالينية لا يستلزم تبني التروتسكية، تماماً كما أن إعادة تروتسكي إلى مكانه الحقيقي في تاريخ الثورة لا تعني تبرئته من مسؤوليات التجربة البلشفية.

أن نعيد قراءة ما لقّنونا إياه

ربما هنا تكمن أهمية تروتسكي بالنسبة إلى جيلنا أكثر من السؤال القديم: تروتسكي أم ستالين؟

لقد تربينا على أجوبة جاهزة.

كان هناك «خط صحيح» و«خط منحرف»، قائد لا يخطئ وخصوم لا يصيبون. وكانت كتب التاريخ الحزبية تقدم الماضي كما لو أنه محضر اجتماع صادقت عليه اللجنة المركزية.

لكن التاريخ أكثر تعقيداً.

تروتسكي اختلف مع لينين ثم أصبح شريكه في قيادة أكتوبر. عارض بعض سياساته ثم تولى أهم المسؤوليات في دولته. بنى الجيش الأحمر وساهم في إنقاذ النظام البلشفي، ثم طرده النظام نفسه. مارس الإكراه عندما كان في السلطة، ثم أصبح في المنفى واحداً من أهم نقاد البيروقراطية التي خرجت من تلك السلطة.

أما ستالين، الذي تعلمنا طويلاً النظر إليه بوصفه الامتداد الطبيعي للينين، فقد بنى نظاماً شخصياً هائلاً، وأدار حقبة من التطهير والمحاكمات والإعدامات والقمع تركت مأساة إنسانية وسياسية ضخمة في تاريخ الاتحاد السوفياتي.

ولذلك ربما يكون أهم ما نتعلمه بعد ستة وثمانين عاماً على اغتيال تروتسكي ألا نستبدل صورة ستالين بصورة تروتسكي على الجدار.

بل أن ننزع الصور عن الجدار ونقرأ التاريخ.

فالمشكلة لم تكن فقط أن ستالين قتل خصمه في المكسيك.

المشكلة الأعمق أن نظاماً كاملاً استطاع أن يقنع أجيالاً من الشيوعيين في العالم بأن الرجل الذي ساهم في صنع الثورة وتأسيس جيشها كان منذ البداية عدواً لها.

وفي 21 آب/أغسطس، ذكرى وفاة ليون تروتسكي، لا تبدو إعادة قراءة سيرته دفاعاً عن «التروتسكية» بقدر ما هي دفاع عن حقنا في مراجعة ما لقّنته لنا أحزابنا، وعن حق التاريخ في أن يكون أكثر تعقيداً من الرواية التي يكتبها المنتصر.

فالمنتصر يستطيع أن يطرد خصمه من الحزب، وأن يمحو وجهه من الصورة، وأن يحذف اسمه من الكتاب، بل وأن يرسل قاتلاً خلفه إلى المكسيك.

لكنه لا يستطيع إلى الأبد أن يمنع الأجيال التالية من العودة إلى الأرشيف وطرح السؤال:

ماذا حدث فعلاً؟

Notes

[1] Robert Service, Trotsky: A Biography, Harvard University Press, 2009؛ Isaac Deutscher, The Prophet Armed: Trotsky, 1879–1921, Oxford University Press.

[2] Isaac Deutscher, The Prophet Armed: Trotsky, 1879–1921؛ Robert Service, Trotsky: A Biography.

[3] Leon Trotsky, 1905؛ Isaac Deutscher, The Prophet Armed.

[4] Leon Trotsky, Results and Prospects؛ Leon Trotsky, The Permanent Revolution.

[5] Alexander Rabinowitch, The Bolsheviks Come to Power: The Revolution of 1917 in Petrograd, Haymarket Books؛ Leon Trotsky, History of the Russian Revolution.

[6] Leon Trotsky, History of the Russian Revolution to Brest-Litovsk؛ E. H. Carr, The Bolshevik Revolution 1917–1923.

[7] Francesco Benvenuti, The Bolsheviks and the Red Army, 1918–1922, Cambridge University Press؛ Evan Mawdsley, The Russian Civil War.

[8] Paul Avrich, Kronstadt 1921, Princeton University Press, 1970؛ Israel Getzler, Kronstadt 1917–1921: The Fate of a Soviet Democracy, Cambridge University Press, 1983.

[9] Paul Avrich, Kronstadt 1921؛ Orlando Figes, A People’s Tragedy: The Russian Revolution 1891–1924.

[10] Israel Getzler, Kronstadt 1917–1921: The Fate of a Soviet Democracy؛ Paul Avrich, Kronstadt 1921.

[11] Paul Avrich, Kronstadt 1921؛ Evan Mawdsley, The Russian Civil War.

[12] Leon Trotsky, “Hue and Cry Over Kronstadt”؛ Paul Avrich, Kronstadt 1921. وللدقة التاريخية، ينبغي التمييز بين مسؤولية تروتسكي السياسية والعسكرية العليا وبين القيادة الميدانية المباشرة للهجوم التي تولّاها ميخائيل توخاتشيفسكي.

[13] E. H. Carr, The Bolshevik Revolution 1917–1923؛ Alec Nove, An Economic History of the USSR.

[14] V. I. Lenin, “The Trade Unions, the Present Situation and Trotsky’s Mistakes,” 1920؛ Leon Trotsky, Terrorism and Communism.

[15] V. I. Lenin, “Letter to the Congress,” 1922–1923، المعروف لاحقاً باسم «وصية لينين»؛ Moshe Lewin, Lenin’s Last Struggle.

[16] Leon Trotsky, The Permanent Revolution؛ Joseph Stalin, The Foundations of Leninism؛ E. H. Carr, Socialism in One Country.

[17] Robert Service, Trotsky: A Biography؛ Isaac Deutscher, The Prophet Unarmed: Trotsky, 1921–1929.

[18] Isaac Deutscher, The Prophet Outcast: Trotsky, 1929–1940؛ Robert Service, Trotsky: A Biography.

[19] Leon Trotsky, The Revolution Betrayed؛ Pierre Broué, Trotsky؛ Documents of the Fourth International, 1938.

[20] Bertrand M. Patenaude, Stalin’s Nemesis: The Exile and Murder of Leon Trotsky, Faber and Faber؛ Robert Service, Trotsky: A Biography.

[21] Christopher Andrew and Vasili Mitrokhin, The Mitrokhin Archive؛ Pavel Sudoplatov, Special Tasks؛ Bertrand M. Patenaude, Stalin’s Nemesis: The Exile and Murder of Leon Trotsky.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

موازنة بلا إصلاح مالي: من لا يجيد إدارة الأزمة فليرحل

أخباركم - أخبارنا/ د. وفيق ريحان إن طرح مشروع الموازنة على مجلس الوزراء بهذه...

الكتلة التاريخية وإنقاذ لبنان من مخالب الصراع الإقليمي!

أخباركم - أخبارنا / أكرم محمود مقدمة: جغرافيا القدر وبحثاً عن المخرجعاش لبنان عقوداً طويلة...