الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

قراءة في طقطوقة للدكتور جهاد حمدان “لحبيبي فوهٌ من عنبرْ”

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ فايز ابراش

لنبدأ بالطقطوقة ونُتبعها بالقراءة.

لحبيبي فوهٌ من عنبرْ
عسلٌ من فاكهة السكّرْ
لمْ يَرْوِ الشِعْر له ندّاً
لا عندَ جميلٍ أو عنترْ
يلقاني كأساٌ يطلبني
لا مرّةْ، لثمتُ ولم أسكرْ
في الحرّ نسيمٌ مختالٌ
في البرد لهيبٌ يتأمّرْ

هذه الطقطوقة لافتة جدًا؛ وأول ما جذبني فيها أنها لا تتعامل مع الغزل بوصفه وصفًا للجمال فقط، بل تجعل الفم والعنبر والعسل والكأس والنسيم واللهيب شبكةً واحدة من الحواس. وفيها خفّة شعبية محببة، مع مبالغة غزلية مقصودة.
بداية الإعجاب بها
لو كنتُ أمتلك ناصية اللحن والعزف، لبدأتُ معها من عبارة«لحبيبي فوهٌ من عنبر»نفسها؛ فهي جملة تصلح لأن تكون مفتاح الطقطوقة. أتخيلها في مقام شرقي دافئ، بجملة لحنية قصيرة صاعدة عند «من عنبر»، ثم هبوط رقيق عند «عسلٌ من فاكهة السكر»، بحيث يشعر السامع أنّ الكلمات تُذاق ولا تُسمع فقط.
وأكثر ما يستوقفني هو أن النص غنائي بطبيعته: الصور قصيرة، متتابعة، قابلة للتكرار، وفيها كلمات ذات حروف رخوة وموسيقى داخلية:عنبر، السكر، عنتر، أسكر، يتأمر. وهذا يجعلها أقرب إلى نص ينتظر ملحنًا أكثر من كونها قصيدة تنتظر قارئًا.
ولو أردتُ تلخيص انطباعي الأول: هي نص غزلي مرح، حسيّ، لعوب، وفيه روح الطقطوقة المصرية/الشعبية من حيث المباشرة وخفة الظل وتتابع الصور.
طبعًا لا يصح أن نستخرج من بضعة أبيات «تشخيصًا نفسيًا» لكاتبها، لكن يمكن تحليل الشخصية الغزلية التي يصنعها النص.
هناك أولًا افتتان حسي واضح. الشاعر لا يقول: الحبيب جميل، وإنما يحوّل أجزاء التجربة العاطفية إلى مذاقات وروائح وحرارة:

  • الفم = عنبر.
  • الكلام/الفم = عسل.
  • القُبلة = كأس.
  • الصيف = نسيم.
  • الشتاء = لهيب.
    وهذا يدل أدبيًا على أن العاشق لا يرى المحبوب بوصفه شخصًا منفصلًا عنه، وإنما بوصفه بيئة حسية كاملةيعيش فيها.
    ثم تأتي المبالغة
    «لم يروِ الشعر له ندًا / لا عند جميل أو عنتر».
    وهذه آلية غزلية قديمة جدًا: حين يعجز العاشق عن وصف محبوبه، يستدعي أشهر رموز الجمال والحب والفروسيةليقول إن محبوبه تجاوزهم جميعًا.
    والأجمل نفسيًا هو:
    «يلقاني كأسًا يطلبني
    لا مرة، لثمتُ ولم أسكر»
    هنا ينقلب العاشق من واصف ، لكن المفارقة أنه «لم يسكر» رغم تكرارها. وكأن اللذة لا تُذهب الوعي، بل تطلب المزيد. هذه صورة مرحة جدًا للرغبة العاطفية.
    أما الانتقال من الحر إلى البرد:
    «في الحر نسيمٌ مختالٌ
    في البرد لهيبٌ يتأمر»
    فهو من أجمل المواضع عندي؛ لأن المحبوب هنا أصبح قادرًا على إعادة تشكيل العالم الطبيعي. وجوده يبرد الحر، ويشعل البرد. وهذا يعني أن الشاعر لم يعد يصف المحبوب، بل جعل المحبوب مقياسًا للواقع نفسه.
    والتحليل الأدبي
    النص يقوم أساسًا على الاستعارة والتشبيه الحسي والمبالغة، لكنه لا يريد التعقيد. قوته في السرعة:
    عنبر ← عسل ← سكر ← شعر ← جميل ← عنتر ← كأس ← سُكر ← نسيم ← لهيب.
    كل صورة تفتح الباب للصورة التي بعدها.
    وفيه أيضًاحقل دلالي للطعم والشراب:عسل، سكر، كأس، أسكر. وهذا ليس عرضيًا؛ إنه يجعل الحب عند الشاعر شيئًا يُذاق ويُشرب.
    كما أن القافية المتقاربة في «عنبر/السكر/عنتر/أسكر/يتأمّر» تعطي النص قابلية غنائية واضحة، وإن كان الوزن في صورته الحالية يحتاج إلى ضبط إذا أردنا تحويله إلى نص غنائي موزون تمامًا.
    هل هي فعلًا «طقطوقة»؟
    من حيث الروح والبناء: نعم، يمكن جدًا أن تُسمّى طقطوقة.
    أما من الناحية العروضية الصارمة، فلا يكفي أن نسميها طقطوقة لمجرد أنها غزلية قصيرة؛ فالطقطوقة الغنائية لها تقاليد في البناء واللحن والتكرار، والنص الحالي يبدو لي أقرب إلى كلمات طقطوقة قابلة للتلحين .
    والطقطوقة في الغناء العربي، وخصوصًا المصري، تقوم عادة على مذهب/لازمةتتكرر، تتخللها أغصان أو مقاطع، ثم العودة إلى المذهب. ولذلك أرى أن عبارة:
    «لحبيبي فوهٌ من عنبر»
    يمكن أن تكون المذهب الذي يعود إليه اللحن بعد كل مقطع. عندئذٍ ستكتسب القطعة هويتها الطقطوقية بوضوح أكبر.
    ولماذا سُمّيت «طقطوقة»؟
    كلمة«طقطوقة»ارتبطت في الاستعمال الموسيقي العربي، وبصورة خاصة في مصر، بالقطعة الغنائية الخفيفة ذات البناء البسيط واللازمة المتكررة. أما أصل التسمية اللغوي الدقيق فليس من السهل الجزم بأنه اشتُق من مصدر واحد متفق عليه؛ وهناك تفسيرات تربطها بفكرة الطقطقة والإيقاع الخفيف وتتابع النقرات، وهو تفسير منسجم مع طبيعة هذا اللون الغنائي، لكن لا ينبغي تقديمه باعتباره حقيقة تاريخية قطعية.
    والطقطوقة نفسها ليست مجرد «قصيدة قصيرة»، بقالب غنائي. ازدهرت في مصر في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ثم أصبحت من أهم قوالب الأغنية الخفيفة، وارتبط تطورها بأسماء كبار الملحنين والمغنين في النهضة الموسيقية المصرية.
    لذلك لو أردنا أن نعطي نصك وصفًا دقيقًا، سأقول:
    «نص غزلي خفيف بروح طقطوقية، قابل لأن يُبنى على مذهب ولازمات متكررة.»
    وأعتقد أن أجمل ما يمكن فعله به موسيقيًا هو ألا نثقّله بتلحين جاد جدًا؛ خفّته هي سر جاذبيته. لو عُزف بعود أو قانون مع إيقاع خفيف، وأُعطيت عبارة «فوهٌ من عنبر» جملةً لحنية تعلق في الأذن، فقد يتحول من أبيات غزلية لطيفة إلى طقطوقة فعلية لها شخصية وذاكرة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

أرجوك يا الله لا تترك النبطية وحدها!

اخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة بادية فحص يا الله لا تخذلها هذه...

طالما الكلام بعده متاح، خلّينا نحكي.. أقلّه للآن!

اخباركم - أخبارنا كتب جميل ضاهر عبر صفحته للتواصل الاجتماعي فيسبوك الرئيس جوزاف عون...