أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
بعد نشر مقالي اليوم بعنوان «هل فُتح باب التفاوض أم يستجيب الكرد للضغط؟ إيران وكردستان بعد الحرب»، وصلتني رسالة من القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني – إيران، محمد نظيف قادري، رأيت أن من واجبي نشر مضمونها عملاً بحق الرد، وخصوصاً أن القضية التي نناقشها أكبر من أن تتحول إلى سجال شخصي بين كاتب وقيادي سياسي.
كتب قادري:
«الحوار لحل القضية الكردية وتحقيق الأهداف القومية والسياسية ليست في سياسة النظام الإيراني الحالي، الجمهورية الإسلامية. نحن نناضل من أجل إسقاط النظام وتأسيس نظام ديمقراطي اتحادي علماني بمشاركة كافة الشعوب الإيرانية».
هذا التوضيح مهم، ليس فقط لأنه يصدر عن قيادي في الحزب، بل لأنه يعيد النقاش إلى سؤال أكثر دقة: هل ما سمعناه أخيراً عن الحوار مع طهران يمثل تحولاً في سياسة الحزب الديمقراطي الكردستاني – إيران، أم أنه موقف سياسي لخالد عزيزي لا يعبّر بالضرورة عن قرار جماعي بتغيير استراتيجية الحزب؟
التمييز هنا ضروري.
من «الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان» إلى الفيدرالية
الموقف الذي يعبّر عنه محمد نظيف قادري ليس غريباً عن التاريخ السياسي للحزب. فالحزب الديمقراطي ارتبط تاريخياً بمعادلة تجمع بين تغيير طبيعة الدولة الإيرانية وبين ضمان الحقوق القومية للشعب الكردي داخل إيران.
وفي مرحلة الدكتور عبد الرحمن قاسملو اختُصر جانب مهم من هذا التصور في شعار «الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان». لم يكن المشروع، في جوهره، مشروع انفصال عن إيران، وإنما محاولة لإعادة بناء العلاقة بين كردستان والسلطة المركزية على أساس الاعتراف السياسي والقومي.
ومع تطور النقاش الكردي والإيراني انتقلت أدبيات الحزب تدريجياً من مفهوم الحكم الذاتي إلى الفيدرالية، بحيث أصبحت القضية الكردية مرتبطة بمشروع أوسع لإعادة بناء إيران كدولة ديمقراطية اتحادية تعددية.
وهذا الخط لا يزال ظاهراً في خطاب الحزب الحديث. ففي المؤتمر السابع عشر للحزب، مطلع 2025، تحدث خالد عزيزي نفسه عن الاستعداد لمختلف السيناريوهات «قبل وبعد سقوط النظام الإيراني». وفي خطاب سابق له أمام الاشتراكية الدولية ربط مستقبل إيران بقيام نظام ديمقراطي تعددي والاعتراف بحقوق القوميات المضطهدة.[1][2]
بل إن عزيزي قال في مارس/آذار 2026 بوضوح إن الحزب لا يرى كردستان كياناً منفصلاً عن إيران، وربط استخدام قدرات الحزب مستقبلاً بالتعاون مع بقية القوى والشعوب الإيرانية من أجل إقامة الديمقراطية في إيران.[3]
إذن نحن لسنا أمام خلاف حول استقلال كردستان عن إيران؛ فهذه ليست المسألة المطروحة أصلاً. نحن أمام خلاف محتمل حول الطريق السياسي إلى تحقيق أهداف الحزب، وموقع التفاوض مع الجمهورية الإسلامية الحالية داخل هذا الطريق.
لكن ماذا نفعل بتصريحات خالد عزيزي؟
هنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً.
لأن القول إن موقف الحزب هو إسقاط الجمهورية الإسلامية لا يلغي حقيقة موثقة أخرى: خالد عزيزي دافع في مراحل مختلفة عن الحوار والتفاوض مع طهران، بل شارك في اتصالات مع ممثلين إيرانيين.
وهذا ليس استنتاجاً مني.
في مقابلة منشورة عام 2017، قال عزيزي صراحة إنه يفضّل التفاوض والحوار والوسائل السلمية لحل القضية الكردية في إيران، وكشف أنه شارك قبل ذلك بسنوات في مفاوضات مع ممثلين عن الأمن القومي الإيراني، لكنها لم تصل إلى نتيجة.[4]
وفي مقابلة أخرى عام 2019 أكد وجود اجتماعات من وقت إلى آخر مع وفود إيرانية، مع إصراره في الوقت نفسه على أن التجربة أثبتت عدم استعداد النظام لتقديم حل سياسي حقيقي للقضية الكردية.[5]
والأوضح من ذلك مقابلة قديمة مطولة مع رووداو تحدث فيها عزيزي عن لقاءات جرت في أربيل مع ممثلين قادمين من إيران، وقال إن الهدف كان الوصول إلى قناعة بأن طريق الحل هو الحوار. وعندما سئل عن إمكان ممارسة العمل السياسي داخل إيران إذا سمحت الجمهورية الإسلامية للأحزاب الكردية بذلك، لم يغلق الباب، بل قال إنه عندها لا يجد مبرراً لبقاء حزب كردستاني خارج البلاد.[6]
هذه المواقف تجعل من الصعب اعتبار الحديث الأخير عن الحوار مجرد سوء فهم إعلامي.
هناك بالفعل خط سياسي يمكن تتبعه في خطاب خالد عزيزي منذ سنوات يقوم على إبقاء إمكانية التسوية السياسية مفتوحة حتى مع الاعتقاد بأن الجمهورية الإسلامية ليست مستعدة حالياً لتقديم حل حقيقي.
فهل تفرّد عزيزي بالموقف؟
بعد رسالة محمد نظيف قادري، يصبح هذا السؤال مشروعاً أكثر من أي وقت مضى.
إذا كان الموقف الرسمي للحزب اليوم هو ما عبّر عنه قادري: إسقاط الجمهورية الإسلامية وتأسيس نظام ديمقراطي اتحادي علماني بمشاركة الشعوب الإيرانية، فإن الدعوة إلى التفاوض مع النظام الحالي لا يمكن تلقائياً تقديمها باعتبارها تحولاً في استراتيجية الحزب إلا إذا صدرت عن مؤسساته القيادية المختصة.
وعندها يمكن قراءة تصريحات عزيزي بأحد احتمالين.
إما أنها تمثل تكتيكاً سياسياً داخل استراتيجية إسقاط النظام: أي أن الحزب لا يمنح الجمهورية الإسلامية شرعية سياسية جديدة ولا يتخلى عن مشروع التغيير، لكنه لا يغلق قناة يمكن استخدامها لتخفيف الضغط عن كردستان أو حماية السكان أو انتزاع مكاسب سياسية.
وإما أن عزيزي يذهب أبعد من الموقف الحزبي المتفق عليه، ويطرح تصوراً يقوم على اختبار إمكانية الحل السياسي مع السلطة القائمة، وفي هذه الحالة نكون أمام تمايز سياسي داخل الحزب يحتاج إلى توضيح رسمي.
والفرق بين الاحتمالين كبير جداً.
فالتفاوض كـتكتيك شيء، والتفاوض كـاستراتيجية بديلة عن إسقاط النظام شيء آخر تماماً.
الحوار ليس المشكلة… بل شروطه السياسية
وهنا أعتقد أن النقاش يجب ألا يتحول إلى محاكمة لكلمة «الحوار».
الحركة الكردية الإيرانية نفسها تفاوضت تاريخياً. وقاسملو، الذي دفع حياته ثمناً لمسار تفاوضي مع ممثلي الجمهورية الإسلامية في فيينا عام 1989، لم يكن يعتبر التفاوض نقيضاً للنضال القومي.
لذلك فإن السؤال ليس: هل يتفاوض الكرد أم لا؟
السؤال الحقيقي هو:
يتفاوضون مع من، وفي أي ظرف، وبأي تفويض، وعلى أي برنامج، وما الحد الأدنى الذي لا يجوز التراجع عنه؟
فهناك فرق بين مفاوضات تجري مع دولة مستعدة للاعتراف بوجود قضية كردية وبالحقوق القومية والسياسية للكرد، وبين حوار تستخدمه سلطة مأزومة لتفكيك خصومها أو كسب الوقت أو تخفيف الضغوط الإقليمية والدولية عنها.
ومن هنا أفهم اعتراض محمد نظيف قادري عندما يقول إن حل القضية الكردية وتحقيق أهدافها القومية والسياسية ليسا ضمن سياسة الجمهورية الإسلامية الحالية.
فالاعتراض، كما أقرأه، ليس على الحوار كمبدأ سياسي مجرد، وإنما على الافتراض بأن النظام الحالي أصبح شريكاً صالحاً لتسوية القضية الكردية.
وهذه نقطة جوهرية.
ما بعد الحرب يفرض الوضوح
الظروف التي تمر بها إيران بعد الحرب والضغوط الإقليمية والدولية تجعل المسألة أكثر حساسية. فالأنظمة عندما تشعر بالخطر قد تفتح قنوات مع خصومها ليس لأنها تغيرت أيديولوجياً، بل لأنها تريد إعادة ترتيب جبهتها الداخلية.
ولهذا فإن أي إشارة إيرانية إلى الحوار مع الكرد ينبغي ألا تُقرأ فوراً باعتبارها تحولاً ديمقراطياً.
وفي المقابل، ليس من الحكمة أيضاً أن تتعامل الحركة الكردية مع التفاوض بوصفه خيانة في ذاته. السياسة ليست اختياراً دائماً بين البندقية والاستسلام. تستطيع حركة سياسية أن تتمسك بهدف استراتيجي وأن تفاوض في الوقت نفسه، شرط أن تعرف لماذا تفاوض، ومن يمثلها، وأين تبدأ خطوطها الحمراء.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الخطاب مزدوجاً: قيادي يتحدث عن إسقاط النظام، وقيادي آخر يفتح باب الحوار معه، من دون أن يعرف الجمهور الكردي إن كان الموقفان جزءاً من استراتيجية واحدة أم تعبيراً عن رؤيتين مختلفتين.
لذلك كان رد قادري ضرورياً
رسالة محمد نظيف قادري لا تنهي النقاش؛ بل تجعل النقاش أكثر دقة.
فهي تؤكد، على الأقل من وجهة نظر قيادي بارز في الحزب، أن الهدف الاستراتيجي لم يتغير: إنهاء الجمهورية الإسلامية بصيغتها الحالية والعمل من أجل إيران ديمقراطية اتحادية علمانية تشارك في بنائها شعوب إيران، بما يضمن الحقوق القومية والسياسية للكرد.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل تصريحات خالد عزيزي السابقة والموثقة حول الحوار، لأنها ليست زلة لسان حديثة، بل تمتد سنوات إلى الوراء.
والأهم أن عزيزي نفسه جمع أحياناً بين الأمرين: فقد دعا تاريخياً إلى الحل السلمي والحوار، لكنه تحدث أيضاً في السنوات الأخيرة عن الديمقراطية في إيران وعن مرحلة ما بعد سقوط النظام. وهذا يعني أن التناقض قد لا يكون بالضرورة بين «التفاوض» و«إسقاط النظام»، بل حول وظيفة التفاوض: هل هو وسيلة مرحلية أم خيار لتسوية تاريخية مع الجمهورية الإسلامية؟
هذا تحديداً ما يحتاج إلى جواب.
وبالنسبة لي، يبقى المعيار هو القضية الكردية نفسها، لا الأشخاص.
لقد كان شعار قاسملو الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان تعبيراً عن إدراك مبكر لاستحالة فصل الديمقراطية الإيرانية عن الحقوق القومية للكرد. وتطورت هذه الرؤية لاحقاً باتجاه الفيدرالية، لكن جوهر المعادلة بقي واحداً: لا ديمقراطية حقيقية في إيران إذا بقيت حقوق الشعوب خاضعة لإرادة المركز، ولا حل دائم للقضية الكردية من دون تغيير بنية الدولة التي أنتجت المشكلة.
ولهذا فإن السؤال الذي طرحته في المقال الأول يبقى قائماً، لكنه أصبح بعد رد محمد نظيف قادري أكثر تحديداً:
هل فُتح باب تفاوض حقيقي بين الحزب الديمقراطي والجمهورية الإسلامية، أم أن خالد عزيزي يعبّر عن اجتهاد سياسي داخل الحزب؟ وإذا كان الحوار جزءاً من سياسة الحزب، فهل هو حوار لإدارة مرحلة الصراع، أم أن هناك بالفعل مراجعة لفكرة إسقاط النظام؟
من حق قيادة الحزب أن تجيب.
ومن حق الجمهور الكردي، الذي دفع ثمن هذه القضية لعقود، أن يعرف.
Notes
[1] Democratic Party of Iranian Kurdistan (PDKI), “Democratic Party of Iranian Kurdistan Successfully Concludes Its 17th Congress,” 4 February 2025. (Democratic Party of Iranian Kurdistan)
[2] Khalid Azizi, speech as spokesperson of the PDKI before the Council Meeting of the Socialist International, Madrid, 24–25 February 2024. (Democratic Party of Iranian Kurdistan)
[3] Iran International, “الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني: لا نرى كردستان منفصلة عن إيران”، 10 March 2026. (Iran International | Iran International)
[4] Washington Kurdish Institute, interview with Khalid Azizi, 14 November 2017. In the interview Azizi explicitly stated his preference for negotiation, dialogue and peaceful means and referred to earlier negotiations with representatives of the Iranian regime’s national-security apparatus. (Washington Kurdish Institute)
[5] Washington Kurdish Institute, “Interview with Mr. Khalid Azizi, former Secretary General of the Kurdistan Democratic Party Iran,” 30 July 2019. (Washington Kurdish Institute)
[6] Rudaw, interview with Khalid Azizi, “ليس أمام الجمهورية الإسلامية سوى الاعتراف بحقوق الكورد في إيران.” The interview discusses meetings in Erbil with representatives coming from Iran and Azizi’s position on dialogue as a means of resolving the Kurdish question. (rudawarabia.net)



