أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
طرح الكاتب والأستاذ الجامعي نبيل الخوري ثلاث ظواهر تستحق النقاش: التمييز ضد اليهود في بعض المجتمعات، تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين، وعنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. أهمية الطرح أنه يضع أمامنا سؤالاً أخلاقياً وسياسياً واحداً: كيف نمنع انتقال الصراع مع دولة أو تيار أو أيديولوجيا إلى كراهية جماعة بشرية كاملة؟
في الظاهرتين الأوليين، يجب تثبيت قاعدة واضحة: اليهودي ليس مسؤولاً عن إسرائيل لأنه يهودي، والمسلم ليس مسؤولاً عن الإسلاموية لأنه مسلم. معاداة السامية ظاهرة حقيقية وموثقة في أوروبا، كما أن التمييز ضد المسلمين ظاهرة متصاعدة وموثقة أيضاً.[1][2][3] ولا يجوز تبرير أي منهما بأفعال حكومة أو تنظيم أو تيار متطرف.
لكنني أتحفظ على فكرة أن على اليهود أو المسلمين «إعادة تشكيل النظرة إليهم» إذا كان المقصود تحميل الضحية مسؤولية تحسين صورتها أمام العنصري. لا ينبغي لليهودي أن يثبت معارضته لنتنياهو كي يستحق الأمان، ولا للمسلم أن يثبت براءته من الإسلاموية كي يستحق المواطنة.
مع ذلك، تبقى للمجتمعات والنخب مسؤولية في النقد الداخلي. فالأصوات اليهودية التي تفصل بين اليهودية وسياسات إسرائيل تضعف الخلط بين اليهود والدولة الإسرائيلية، كما أن الأصوات المسلمة التي تواجه التكفير والعنف والإسلاموية السلطوية تضعف محاولة اختزال الإسلام كله في أكثر تياراته تطرفاً.
المشكلة إذاً ليست في مطالبة الجماعات بالاعتذار، بل في ضرورة ألا يحتكر المتطرفون الحديث باسمها.
وهنا يجب التمييز بين الإسلام والإسلاموية، كما يجب التمييز بين اليهودية وإسرائيل والصهيونية وسياسات الحكومة الإسرائيلية. الخلط بين هذه المستويات هو ما يحول النقد السياسي إلى كراهية جماعية.
أما الظاهرة الثالثة، أي عنف المستوطنين، فهي مختلفة جذرياً. نحن هنا لسنا أمام مجرد كراهية بين أفراد، بل أمام قضية احتلال واستيطان وسيطرة على الأرض وقانون دولي وحق تقرير المصير. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري عام 2024 عدم قانونية منظومة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وربطت استمرارها بانتهاكات لحقوق الفلسطينيين.[4]
لذلك لا يمكن وضع اعتداء مستوطن على فلسطيني في المستوى نفسه مع رفض خدمة يهودي في مطعم أو التحريض على طرد مسلم من بلد غربي. الحالات الثلاث مرفوضة أخلاقياً، لكنها مختلفة سياسياً وقانونياً.
في الحالتين الأوليين نحن أمام تمييز على أساس الهوية.
أما في الحالة الثالثة فنحن أمام فاعل سياسي يعمل داخل بنية احتلال واستيطان تدعمها أو تحميها مؤسسات دولة.
ولهذا تصبح مسؤولية الولايات المتحدة ذات أهمية خاصة. الإدانة الأميركية لعنف المستوطنين، حتى عندما تصل إلى وصف بعض الأفعال بالإرهاب، تبقى محدودة القيمة إذا لم تتحول إلى ضغط سياسي فعلي ومساءلة واضحة.[5][6]
الخطر في جمع الظواهر الثلاث من دون هذا التمييز هو الوصول إلى معادلة خاطئة تقول إن التطرف الإسرائيلي أنتج معاداة السامية، وإن الإسلاموية أنتجت كراهية المسلمين. هذا غير دقيق تاريخياً وأخلاقياً. كلا الظاهرتين أقدم وأعمق من أحداث اليوم، وإن كان المتطرفون يوفرون للعنصريين مادة إضافية لاستغلالها.
الأصح أن نقول: التطرف يغذي الصور النمطية، لكنه لا يبرر العنصرية ولا يصنعها من الصفر.
وهنا تكمن أهمية الموضوع لنا نحن العرب والكرد والشرق أوسطيين عموماً. إذا طالبنا الآخرين بعدم تحميل المسلمين مسؤولية داعش أو القاعدة، فعلينا أيضاً ألا نحمل اليهود مسؤولية سياسات نتنياهو. وإذا رفضنا الخلط بين الفلسطيني وحماس، فعلينا رفض الخلط بين الفرد ودولته أو دينه في كل الحالات.
المبدأ واحد: لا مسؤولية جماعية في السياسة.
اليهودي ليس نتنياهو.
المسلم ليس داعش.
الفلسطيني ليس حماس.
والإنسان لا يتحول إلى ممثل إلزامي لجماعته لمجرد ولادته داخلها.
لكن رفض المسؤولية الجماعية لا يعني إلغاء المحاسبة. المستوطن الذي يعتدي مسؤول عن فعله، والسياسي مسؤول عن قراره، والتنظيم مسؤول عن أيديولوجيته وجرائمه، والدولة مسؤولة عن سياساتها.
ربما يكون هذا هو التطوير الأكثر أهمية لفكرة نبيل الخوري: بدلاً من سؤال كيف يغير اليهود والمسلمون صورتهم أمام العالم، علينا أن نسأل كيف نبني خطاباً يفصل بين الإنسان والهوية، وبين الهوية والأيديولوجيا، وبين الأيديولوجيا والدولة.
عندها نستطيع أن نكون، بلا تناقض، ضد معاداة السامية وضد كراهية المسلمين، وضد الإسلاموية المتطرفة، وضد الاحتلال والاستيطان، ومع حق الفلسطينيين في تقرير المصير.
ليست هذه مواقف متعارضة، بل تطبيق لمعيار واحد:
لا نحاكم الإنسان بهويته، بل نحاسب الأفراد والتنظيمات والدول على أفعالهم.
Notes
[1] European Union Agency for Fundamental Rights, Jewish People’s Experiences and Perceptions of Antisemitism, 2024.
[2] European Union Agency for Fundamental Rights, Being Muslim in the EU, 2024.
[3] United Nations, statements marking the International Day to Combat Islamophobia, 2025.
[4] International Court of Justice, Legal Consequences arising from the Policies and Practices of Israel in the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, Advisory Opinion, 19 July 2024.
[5] Reuters, reporting on settler violence and U.S. criticism in the occupied West Bank, August 2026.
[6] Associated Press, reporting on settler attacks and statements by U.S. Ambassador Mike Huckabee, August 2026.



