الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

مطعم “مْعِيني” في حمص!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / فرج بيرقدار

منقول عن صفحته للتواصل الاجتماعي فيسبوك

صيف عام 1967، في اليوم الثاني من امتحانات الشهادة الإعدادية، قيل لنا أن الامتحانات توقَّفت بسبب الحرب.
كان ذلك تاريخ هزيمة مصر وسوريا والأردن أمام إسرائيل، ولكن إذاعة دمشق كانت تسميها نكسة، ولم أكن أفهم الفارق بين الهزيمة والنكسة.
عدتُ للعمل في سقاية الأراضي ليلاً، لأن أجر سقاية الليل كان مجزياً، وأنا منذ تلك الأيام بدأت أتلمّس وأتهجَّى أني كائن ليلي أو يميل إلى الليل.
بعد قرابة شهرين قال لي والدي أن لا سقاية عندي هذا الأسبوع، لأن الامتحانات ستبدأ غداً. فاجأني الخبر وأربكني، فأنا من يوم الهزيمة الحزيرانية لم أفتح كتاباً، لذلك عزمتُ على أن أكافئ نفسي بالنزول من القرية إلى المدينة لحضور فيلم ما، يخفِّف عن نفسي وطأة قراري بالرسوب، ثم شعرت بسعادة غامرة وأنا أذهب إلى الامتحانات راضي الضمير عن عدم اكتراثي بمستقبلي الدراسي.
في عام 1968 كان لا بد لي، تحت إلحاح أمي ورجاءاتها، من النجاح في الامتحانات، ولأنه لم يكن في قريتنا أو القرى المجاورة مدارس ثانوية، اضطررت كزملائي إلى الالتحاق بإحدى الثانويات في مدينة حمص.
كنتُ أتناول غدائي عادة في مطعم شعبي، في مركز المدينة، معروف باسم صاحبه “معيني”. أسعاره رخيصة جداً وصاحبه في منتهى اللطف والنظافة والكرم والتسامح والأبوّة.
كنت غالباً أذهب إليه مع صديقي عبدالرحمن، فنطلب صحنين من الحمّص أو المتبل، وخبزاً إضافياً، ونتقاسم ما يسمّى صحن “السرفيس”، على أن يكون البصل له ومخلل الفليفلة لي.
لاحقاً انتقلت إلى دمشق حيث الجامعة، ثم الخدمة العسكرية الإلزامية، وبعدها دخلت معترك العمل السياسي، وما هي إلا بضع سنوات حتى غدوتُ مطلوباً للأجهزة الأمنية، وبالتالي ملاحقاً ومتخفِّياً لبضع سنوات أيضاً، ثم آلت بي الأوضاع والظروف والمصادفات إلى الاعتقال الذي استمر قرابة أربعة عشر عاماً، وما كان لعدَّاد السنوات أن يتوقَّف لولا تدخُّلات عالمية أدبية وحقوقية وديبلوماسية متنوعة.
وهكذا بعد أكثر من ثلاثين عاماً، هدأت من حولي العواصف، وعدت أدراج جلجلتي إلى مدينتي الأثيرة.
كان أحد إخوتي مقيماً في حمص، وكان يحاول تعويضي عن بعض ما فاتني، وتعريفي على ما استجدَّ في المدينة خلال غيابي الطويل، وخلق أو اقتناص أي فرصة يتوقّع أنها تسعدني.
ذات ظهيرة ربيعية تغري بالخروج من البيت، سألني أخي إن كان في بالي مطعم أرغب أن نتغدى فيه، فأجبت بدون تردد: مطعم معيني.
كان أخي ميسور الحال، فهو مدير لمؤسسة تسويقية كبيرة. يصغرني أخي بسنوات عديدة، ويرى مقامي كبيراً بمقدار فارق السنوات بيني وبينه، ولهذا عرض عليّ بضعة خيارات من مطاعم الدرجة الممتازة التي استُحدِثت خلال سنوات اعتقالي، غير أني بقيت على خياري.
بعد أن استنفد أخي أقصى ما لديه من المحاورة والمناورة والإغراءات وشرح الخيارات، لم يبق أمامه سوى الذهاب معي مكرهاً.
حين وصلنا، توقفتُ قرب واجهة المطعم. نظر إليّ أخي على نحو استفساري، فقلت له أني أنتظر أن تفرغ الطاولة التي كنت أفضِّل الجلوس إليها أيام الشباب.
كان حظنا طيباً، إذ سرعان ما شغرت الطاولة فدخلنا.
طلبت ما كنت أطلبه حين كنتُ في الثانوية: صحن حمّص وصحن مخلّلات، وسألت أخي عمّا يريد، فاقترحَ تعديل الطلب بإضافة لحمة وصنوبر على صحن الحمص، غير أني رفضت أي تعديل على صحني.
حين انتهينا دفع أخي الحساب، وأنا توجَّهت بحديثي إلى محاسب الصندوق:

  • أخي الكريم.. قبل أكثر من ثلاثين عاماً، كنت آتي يومياً إلى هذا المطعم. كان يجلس مكانك رجل نحيل أسمر يكبرني كثيراً على ما أظنّ، فهل لك أن تخبرني شيئاً عن أحواله؟
    فتح الرجل صندوقه وأعاد لأخي ما دفع، ثم خرج من وراء الصندوق وعانقني وهو يقول: الحمد لله على السلامة أخي. المطعم مطعمك، والذي تسأل عنه والدي، وقد أعطاك عمره منذ زمن بعيد.
    في تلك السنوات المخنوقة بالجمر، والمدروزة بالأشواك، لم يكن السوريون بحاجة إلى معرفة أسباب الغياب الطويل.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

أرجوك يا الله لا تترك النبطية وحدها!

اخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة بادية فحص يا الله لا تخذلها هذه...

طالما الكلام بعده متاح، خلّينا نحكي.. أقلّه للآن!

اخباركم - أخبارنا كتب جميل ضاهر عبر صفحته للتواصل الاجتماعي فيسبوك الرئيس جوزاف عون...