الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
32.4 C
Beirut

في ذكرى ميلاد ياسر عرفات: ماذا بقي من الرجل والثورة وفتح؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

في الرابع والعشرين من أغسطس/آب 1929 وُلد ياسر عرفات. وبعد سبعة وتسعين عاماً على ولادته، واثنين وعشرين عاماً تقريباً على رحيله، ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية: من كان أبو عمار؟ بل: ماذا بقي منه؟ ماذا بقي من الثورة الفلسطينية التي قادها؟ وماذا بقي من حركة فتح التي شارك في تأسيسها وحوّلها من تنظيم فلسطيني صغير إلى العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية؟

السؤال أكثر قسوة اليوم لأن المسافة بين لغة عرفات في سنوات الثورة وواقع الحركة الوطنية الفلسطينية الراهن أصبحت هائلة.

في إحدى مقابلاته في السبعينيات، تحدث عرفات عن العلاقة مع الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية باعتبارها جزءاً من موقع الثورة الفلسطينية داخل حركة التحرر العالمية. لم تكن فلسطين في ذلك الخطاب قضية حدود أو سلطة محلية أو تحسين شروط حياة تحت الاحتلال، بل قضية تحرر وطني مرتبطة ـ وفق لغة ذلك الزمن ـ بالصراع ضد الاستعمار والإمبريالية والعنصرية وحركات الهيمنة في العالم.[1]

وكان ذلك أيضاً جوهر خطابه الشهير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974، حين وضع فلسطين ضمن موجة حركات التحرر المناهضة للاستعمار والعنصرية والإمبريالية، مقدماً منظمة التحرير باعتبارها ممثلاً لحركة تحرر وطني وليست مجرد طرف في نزاع حدودي.[2]

لكن عرفات نفسه هو الذي انتقل، خلال نحو عشرين عاماً، من هذه اللغة إلى لغة التسوية والتفاوض والاعتراف المتبادل. وهذه المفارقة ليست تفصيلاً في سيرته، بل ربما تكون المفتاح الأهم لفهم الرجل وتجربته.

أين أصاب عرفات؟

أكبر إنجاز لعرفات لم يكن عسكرياً. لم يحرر جيشه فلسطين، ولم تتمكن حرب العصابات الفلسطينية من تغيير ميزان القوى العسكري مع إسرائيل. إنجازه التاريخي الأهم كان إعادة الفلسطيني إلى الخريطة السياسية باعتباره شعباً وقضية وفاعلاً مستقلاً.

بعد نكبة 1948 كان الفلسطيني مهدداً بأن يتحول سياسياً إلى مجرد «لاجئ» موزع بين الدول العربية. جاءت فتح، ثم صعودها داخل منظمة التحرير الفلسطينية، لتعيد بناء الهوية السياسية الفلسطينية المستقلة وتضع القرار الفلسطيني في يد الفلسطينيين أنفسهم إلى حد كبير.

وهنا يصعب إنكار دور عرفات.

كان شديد البراغماتية في إدارة التناقضات. تحالف مع السوفييت، وتعامل مع أنظمة عربية متعارضة، وقاتل في مرحلة ثم فاوض في مرحلة أخرى. وبعد سنوات طويلة من العمل المسلح انتقل تدريجياً نحو الدبلوماسية، وصولاً إلى أوسلو والاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير وإسرائيل.

هذه القدرة على الانتقال من الفدائي إلى السياسي هي في الوقت نفسه واحدة من نقاط قوته وإحدى أكبر مشكلات تجربته. فقد وصفته دراسات تناولت إرثه بأنه جمع بين شخصية قائد حركة تحرر وبين البراغماتي السياسي المستعد للتفاوض والتسوية عندما تتغير موازين القوى.[3]

ومن إنجازاته أيضاً أنه حافظ، رغم الانشقاقات والحروب والتدخلات العربية والدولية، على قدر من استقلال القرار الفلسطيني. لم يكن هذا الاستقلال كاملاً، ولم تكن منظمة التحرير بمنأى عن ضغوط الدول العربية، لكنها بقيت في نهاية المطاف عنواناً فلسطينياً لا مجرد ملحق رسمي بعاصمة عربية.

وأين أخطأ؟

هنا يجب أن يكون النقد أكثر صراحة.

عرفات الذي نجح في قيادة حركة تحرر لم ينجح بالمقدار نفسه في بناء مؤسسات دولة.

كان يدير السياسة عبر شبكة معقدة من العلاقات الشخصية والتوازنات والولاءات. هذه الطريقة ربما ساعدته عندما كان يقود منظمة موزعة بين الأردن ولبنان وتونس واليمن وغيرها، لكنها تحولت إلى عبء عندما قامت السلطة الوطنية الفلسطينية.

بدلاً من الانتقال الكامل من شرعية القائد التاريخي إلى شرعية المؤسسة، بقيت السلطة شديدة الارتباط بشخص الرئيس.

وقد تناولت دراسات أكاديمية هذه المشكلة باعتبارها جزءاً من نشوء نظام زبائني وضعف مؤسسات السلطة الفلسطينية، مع استخدام التعيينات والموارد وشبكات الولاء للمحافظة على التوازن السياسي وإدارة التنافس داخل النظام.[4]

وهنا كان أحد أخطاء عرفات التاريخية: لم يفصل بصورة حقيقية بين الثورة والسلطة، وبين فتح والدولة، وبين القائد والمؤسسة.

وقد دفعت فتح ثمن ذلك لاحقاً.

خطيئة أوسلو أم فرصة ضائعة؟

من السهل اليوم القول إن أوسلو كان خطأً كاملاً. لكن الحكم التاريخي يحتاج إلى شيء من الإنصاف.

عندما دخل عرفات أوسلو كانت منظمة التحرير قد خرجت من لبنان، واستقرت قيادتها في تونس، وتغير العالم جذرياً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بينما كانت المنظمة تعاني عزلة سياسية ومالية متزايدة.

أوسلو أعاد قيادة منظمة التحرير إلى الأرض الفلسطينية، وأنشأ سلطة فلسطينية، وأعطى الفلسطينيين للمرة الأولى إدارة مباشرة لأجزاء من الضفة الغربية وغزة، وفتح ـ نظرياً ـ مساراً انتقالياً كان يفترض أن ينتهي إلى مفاوضات الوضع النهائي.[5]

إذن لم يكن قبول أوسلو جنوناً سياسياً كما يصوره البعض.

لكن المشكلة كانت في ما لم يحصل عليه عرفات في المقابل.

القضايا الكبرى ـ القدس، اللاجئون، الحدود، المستوطنات والسيادة ـ تُركت للمفاوضات النهائية، بينما تحول المؤقت مع مرور الوقت إلى واقع طويل الأمد.

وهنا يصبح النقد مشروعاً: هل تنازل عرفات عن أوراق قوة أساسية قبل ضمان الدولة؟ هل أخطأ عندما قبل إنشاء سلطة قبل حسم مسألة السيادة؟ وهل تحولت السلطة التي كان يفترض أن تكون جسراً إلى الدولة إلى غاية قائمة بذاتها؟

بعد أكثر من ثلاثة عقود على أوسلو، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً مما كانت عليه عام 1993.

وماذا بقي من فتح؟

ربما يكون هذا السؤال الأكثر إيلاماً في ذكرى عرفات.

فتح التي انطلقت باعتبارها حركة تحرر وطني أصبحت مع مرور الزمن مرتبطة إلى حد بعيد بالسلطة الفلسطينية ومؤسساتها. وتشير دراسات للحركة إلى أن هذا الاندماج بين فتح والسلطة خلق تناقضاً أساسياً بين كونها حركة تحرر وبين كونها القوة السياسية الرئيسية التي تحمل أعباء الحكم والإدارة والأمن.[6]

وهذا التحول غيّر طبيعتها.

الحركة التي كانت تستمد شرعيتها من الثورة أصبحت تستمد جزءاً كبيراً من وجودها من السلطة. ومع الوقت ظهرت داخلها مشكلات الأجيال والبيروقراطية والولاءات والانقسامات وضعف المشاركة الداخلية، كما ظهرت فجوة متزايدة بين جيل القيادة التاريخية وبين أجيال أصغر شعرت بأن مساحة مشاركتها في القرار محدودة.[7]

وهنا تظهر مفارقة عرفات الكبرى.

كان الرجل يمسك بخيوط متناقضة يصعب جمعها: اليساري والقومي والمحافظ، ابن المخيم ورجل الأعمال، المقاتل والمفاوض، الداخل والخارج. وكان النظام يعتمد إلى درجة خطيرة على قدرته الشخصية على إدارة هذه التناقضات.

وعندما رحل الرجل بقي النظام، لكن غاب الشخص الذي كان يعرف كيف يديره.

وهذه إحدى مشكلات الأنظمة والحركات التي تُبنى حول الزعيم: تبدو قوية جداً في حياته، ثم نكتشف بعد غيابه كم كانت مؤسساتها ضعيفة.

ماذا بقي من الثورة؟

بقي الشعب.

وهذا ربما أهم ما بقي من إرث عرفات.

لم تختفِ الهوية الفلسطينية، ولم تتحول القضية الفلسطينية إلى مجرد ملف لاجئين كما كان ممكناً أن يحدث بعد 1948. بقي الفلسطيني يقول إنه فلسطيني، وإن له وطناً وحقوقاً سياسية وتاريخية.

لكن المشروع السياسي الذي قاده عرفات وصل إلى مأزق عميق.

مشروع الكفاح المسلح لم يحقق التحرير.

ومشروع أوسلو لم ينتج الدولة التي وُعد بها الفلسطينيون.

والسلطة لم تتحول إلى دولة ذات سيادة.

وفتح لم تستطع حتى الآن إنتاج صيغة سياسية جديدة بحجم التحولات التي حدثت منذ وفاة مؤسسها.

وفي المقابل، لم يقدم خصومها الفلسطينيون حتى الآن بديلاً وطنياً جامعاً قادراً على توحيد الفلسطينيين حول استراتيجية سياسية قابلة للحياة.

وهكذا أصبح الفلسطيني ممزقاً بين استراتيجيات متعارضة، بينما بقي الاحتلال والاستيطان والصراع على الأرض.

عرفات بين صورتين

لذلك لا أحب صورتين شائعتين لياسر عرفات.

الأولى تحوله إلى قديس سياسي لم يخطئ قط.

والثانية تختصر أربعين عاماً من حياته السياسية بكلمة «أوسلو».

كلاهما يظلمه ويشوّه التاريخ.

عرفات كان ابن عصر حركات التحرر الوطني. آمن بالبندقية عندما بدت البندقية طريقاً للتحرير، وتحالف مع المعسكر الاشتراكي عندما كان العالم منقسماً بين معسكرين، ثم قرأ انهيار الاتحاد السوفيتي وتغير موازين القوى فانتقل إلى التسوية.

أصاب عندما جعل الفلسطيني رقماً لا يمكن تجاوزه في السياسة الدولية.

وأصاب عندما حافظ على الشخصية الوطنية الفلسطينية في مواجهة محاولات الوصاية عليها.

وأصاب عندما فهم في النهاية أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تبقى إلى الأبد مجرد حرب حدود أو حرب عصابات.

لكنه أخطأ عندما بنى نظاماً يعتمد على الزعيم أكثر مما يعتمد على المؤسسة.

وأخطأ عندما سمح بتداخل فتح والسلطة إلى حد أصبح معه الفصل بين الحركة والدولة صعباً.

وأخطأ عندما لم يؤسس آلية ديمقراطية متينة لتداول القيادة وتجديد النخب.

والأهم أنه دخل التسوية السياسية من دون امتلاك ضمانات كافية بأن المرحلة الانتقالية ستقود فعلاً إلى دولة فلسطينية مستقلة.

بعد سبعة وتسعين عاماً على ولادته، ربما لا تكون أفضل طريقة لتكريم ياسر عرفات هي رفع صوره.

الأكثر وفاءً لتجربته أن نسأل السؤال الذي قد يكون أكثر إزعاجاً:

لماذا استطاعت فتح عرفات أن تنتقل بالفلسطيني من اللجوء إلى الثورة، ومن الثورة إلى الاعتراف الدولي، ومن المنفى إلى أرض فلسطين، لكنها لم تستطع أن تكمل الرحلة من السلطة إلى الدولة؟

وإذا كانت حركة فتح لا تزال تعتبر عرفات مؤسسها ورمزها، فالسؤال الموجه إليها اليوم ليس:

هل ما زلتم أوفياء لأبي عمار؟

بل:

هل ما زالت فتح قادرة على أن تفعل ما فعله عرفات في شبابه: أن تقرأ العالم كما أصبح، لا كما كان، وأن تعيد تأسيس نفسها وفقاً لذلك؟

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لحركة تحرر ليس أن تفقد قائدها، بل أن تحوّل القائد بعد موته إلى صورة، والثورة إلى ذكرى، والحركة إلى مؤسسة تدير ما تبقى من الماضي بدلاً من أن تصنع المستقبل.

Notes

[1] Yasser Arafat Foundation, archive of Yasser Arafat’s interviews and political statements, including his statements in 1975 on relations between the Palestinian revolution, the Soviet Union and the socialist bloc.

[2] Yasser Arafat, “Statement before the United Nations General Assembly,” New York, 13 November 1974. The speech presented the Palestinian struggle within the broader framework of national liberation, anti-colonialism and opposition to racism and imperialism.

[3] Helena Cobban and other studies of Arafat and the PLO; see also studies in the Journal of Palestine Studies examining Arafat’s mixed political legacy and the combination in his leadership of revolutionary nationalism, pragmatism and negotiation.

[4] Rex Brynen, A Very Political Economy: Peacebuilding and Foreign Aid in the West Bank and Gaza, United States Institute of Peace Press; see also academic studies on patronage, institutional weakness and political centralization during the formative years of the Palestinian Authority.

[5] Declaration of Principles on Interim Self-Government Arrangements, Oslo, 13 September 1993; see also scholarly analyses of the Oslo process and the creation of the Palestinian Authority as an interim arrangement pending final-status negotiations.

[6] Studies of Fatah after the establishment of the Palestinian Authority have examined the structural tension produced by the movement’s transformation from a national liberation organization into the dominant political force within an administrative authority.

[7] Are Hovdenak, research on Fatah’s internal development and generational tensions; see also Peace Research Institute Oslo studies addressing internal reform, youth participation and the relationship between Fatah’s historical leadership and younger generations.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

حادث مأساوي في سنندج وعبد الله مهتدي يعزّي الضحايا

أخباركم - أخبارنا كتب عبد الله مهتدي، سكرتير حزب كومله الكردستاني، عبر صفحته على...

تركيا في قلب إعادة تشكيل الشرق الأوسط: بين إيران وإسرائيل وروسيا والغرب ومستقبل الكرد والعرب

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد لم تعد تركيا مجرد دولة إقليمية تتحرك على هامش صراعات...