أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن حل الحشد الشعبي العراقي أو إعادة هيكلته ونزع سلاح الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة. لكن اختزال المسألة بسؤال «هل يُحل الحشد؟» لا يساعد كثيراً على فهم المشكلة، لأن الحشد لم يعد منذ سنوات مجرد مجموعة مقاتلين يمكن تسريحهم بقرار إداري، بل أصبح مؤسسة قانونية وشبكة عسكرية وسياسية واقتصادية متداخلة مع الدولة، وفي داخله فصائل مختلفة في مرجعياتها وعلاقاتها ومصالحها.
والأهم أن الحشد ليس كتلة واحدة. ففي داخله من استجاب لفتوى المرجعية عام 2014 وقاتل داعش دفاعاً عن العراق، وتشكيلات سبقت الفتوى بسنوات وكانت لديها علاقاتها التنظيمية والعقائدية الخاصة، وفصائل وثيقة الصلة بإيران، وقوى مرتبطة بالمرجعية في النجف، إضافة إلى تشكيلات سنية ومسيحية وإيزيدية وتركمانية وشبكية. لذلك فإن أي تحليل جدي يجب أن يبدأ بالفصل بين الحشد كمؤسسة رسمية عراقية، والفصائل كتنظيمات مسلحة، والمقاتل الفرد الذي أصبح موظفاً في الدولة.
من سقوط الموصل إلى فتوى السيستاني
بدأت اللحظة المؤسسة للحشد في حزيران/يونيو 2014 عندما اجتاح تنظيم داعش الموصل ومساحات واسعة من العراق، وانهارت وحدات من الجيش والأجهزة الأمنية أمام هجومه.
في 13 حزيران/يونيو 2014 صدرت فتوى «الدفاع الكفائي» عن المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، داعية العراقيين القادرين على حمل السلاح إلى التطوع والانخراط في القوات الأمنية للدفاع عن العراق وشعبه ومقدساته. والعودة إلى مضمون الفتوى مهمة، لأنها لم تكن تفويضاً مفتوحاً لإنشاء جيوش حزبية دائمة وموازية للدولة، بل جاءت في ظرف استثنائي كان يهدد كيان الدولة نفسها. [1]
تدفق عشرات الآلاف إلى القتال، وشارك الحشد، إلى جانب الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية والبيشمركة والقوى العشائرية والتحالف الدولي، في الحرب التي انتهت بإسقاط سيطرة داعش الإقليمية في العراق.
ولا يجوز إنكار هذه الصفحة عند مناقشة مستقبل الحشد. فقد سقط آلاف القتلى والجرحى، وأصبح الحشد بالنسبة إلى شريحة واسعة من العراقيين، وخصوصاً في الوسط الشيعي، مرتبطاً بذاكرة الدفاع عن بغداد والنجف وكربلاء وسامراء ومدن أخرى عندما كان داعش يمثل تهديداً وجودياً.
لكن هذه ليست القصة كاملة.
الحشد لم يولد كله عام 2014
جزء مهم من القوى التي أصبحت لاحقاً داخل منظومة الحشد كان موجوداً قبل فتوى السيستاني.
منظمة بدر لها جذور تعود إلى الحرب العراقية ـ الإيرانية، بينما ظهرت عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وغيرها قبل سقوط الموصل. وكانت لبعض هذه التنظيمات علاقات عسكرية وعقائدية وسياسية وثيقة بإيران والحرس الثوري وفيلق القدس.
لذلك فإن 2014 لم ينشئ كل الفصائل من الصفر، وإنما جمع تحت مظلة جديدة قوى مختلفة: متطوعين استجابوا لفتوى المرجعية، وتنظيمات عراقية مسلحة، وجماعات أقدم من الحشد، وفصائل مرتبطة بدرجات متفاوتة بإيران.
ومن هنا بدأ الالتباس الذي ما زال العراق يدفع ثمنه: اختلطت شرعية الدفاع عن العراق في وجه داعش بشرعية تنظيمات مسلحة كانت موجودة أصلاً ولديها قياداتها ومشاريعها وعلاقاتها الخارجية.
من قوة طوارئ إلى مؤسسة دائمة
في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 أقر مجلس النواب العراقي قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016، فأصبح الحشد جزءاً من القوات المسلحة العراقية ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.
وهنا نشأت مفارقة شديدة التعقيد.
من الناحية القانونية أصبح الحشد مؤسسة من مؤسسات الدولة. لكن من الناحية العملية بقيت داخله تشكيلات تحتفظ بأسمائها وقياداتها وهوياتها السياسية والعقائدية وشبكاتها الخاصة.
ويقدم الباحث ريناد منصور في دراسته المهمة لتشاتام هاوس وصفاً مفيداً لهذه الظاهرة: الحشد ليس مؤسسة متجانسة ومتكاملة بقدر ما هو مجموعة من شبكات مرنة ومتكيّفة مرتبطة ببنى السلطة العراقية، وقد تحولت هذه الشبكات بعد هزيمة داعش إلى قوى أمنية وسياسية واقتصادية مهمة تتنافس على النفوذ داخل الدولة. [2]
وهذا يجعل المشكلة العراقية أكثر تعقيداً من النموذج التقليدي لـ«دولة في مواجهة ميليشيا».
فالميليشيا التقليدية موجودة خارج الدولة.
أما في العراق فقد أصبح جزء من القوة المسلحة موجوداً داخل الدولة، ولكنه لا يخضع دائماً بصورة كاملة لمنطق الدولة.
«تلوين» الحشد: التنوع الحقيقي والوظيفة السياسية
ضم الحشد تشكيلات ومقاتلين من غير الشيعة: عرباً سنة ومسيحيين وإيزيديين وتركماناً وشبكاً وغيرهم. وهذا سمح بتقديم صورة تقول إن الحشد ليس قوة شيعية فقط بل نموذج مصغر عن المجتمع العراقي.
لكن يجب التعامل مع فكرة «تلوين الحشد» بحذر.
لا يوجد ما يكفي لإثبات وجود خطة مركزية معلنة منذ البداية هدفها إدخال الأقليات لأغراض دعائية. كما أن انضمام أبناء هذه المكونات لم يكن وهمياً.
لقد كان لديهم سبب حقيقي لحمل السلاح.
داعش ارتكب إبادة بحق الإيزيديين، وطرد المسيحيين من مناطقهم، واحتل مدناً سنية، وهدد التركمان والشبك وغيرهم. وفي ظل انهيار مؤسسات الدولة بحثت جماعات محلية عن القوة التي تستطيع حمايتها، وأصبح الالتحاق بالحشد بالنسبة إلى بعضها وسيلة للحصول على السلاح والراتب والاعتراف الرسمي والحماية.
إذن التنوع داخل الحشد حقيقة.
لكن وجود التنوع لا يعني بالضرورة توزيع القوة والقرار بالتساوي.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل يوجد مسيحي أو سني أو إيزيدي داخل الحشد؟
السؤال هو: من يقرر؟
من يملك الفصائل الأقوى؟
من يمتلك السلاح الثقيل والصواريخ والطائرات المسيّرة؟
من يملك شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي؟
ومن يستطيع استخدام السلاح في قضية تتجاوز حدود العراق؟
إن وجود ألوان متعددة في اللوحة لا يعني أن الفرشاة موجودة في أيدٍ متعددة.
ولهذا يمكن القول إن التنوع ساعد على منح الحشد صورة وطنية أوسع، لكنه لم يحسم السؤال المتعلق بمركز القوة داخله. بل إن تشاتام هاوس نفسه يشدد على أن شبكات الحشد تمثل تنوع العراق الإثني والمذهبي والإقليمي، ولكنه يميز في الوقت نفسه بين شبكات مختلفة في بنيتها وقرب بعضها من إيران. [2]
هل نجح «التلوين»؟
نجح جزئياً.
نجح لأنه جعل وصف الحشد كله بأنه «ميليشيا شيعية إيرانية» وصفاً غير دقيق. هناك بالفعل مقاتلون وتشكيلات لا تنطبق عليها هذه الصفة، وهناك عراقيون دخلوا الحشد دفاعاً عن مناطقهم وليس دفاعاً عن المشروع الإيراني.
لكنه لم ينجح في إثبات أن مراكز القوة موزعة بالتساوي بين مكونات العراق.
وهنا يصبح التمييز ضرورياً بين التنوع العددي والتنوع في صناعة القرار.
فليس المهم أن تحمل قوة اسماً مسيحياً أو سنياً أو إيزيدياً. المهم معرفة من يقودها ومن يمولها وما شبكة تحالفاتها ومن يقرر استخدامها.
وبذلك يمكن للتنوع أن يكون حقيقياً في القاعدة، وأن يؤدي في الوقت نفسه وظيفة سياسية في القمة: تقديم الحشد باعتباره تمثيلاً للعراق كله.
الحشد والسنّة: عندما اهتزت الثقة
كانت الحرب ضد داعش فرصة لبناء ذاكرة عراقية مشتركة، لكنها حملت معها أيضاً بذور انقسام خطير.
فقد دخلت قوات الحشد مناطق ذات غالبية سنية كانت خاضعة لداعش، وبينما قاتلت قطعات منه التنظيم وقدمت خسائر كبيرة، وشاركت إلى جانبه أيضاً قوات وعشائر سنية، وُجهت إلى بعض الفصائل اتهامات خطيرة بعمليات قتل وخطف وتعذيب وتهجير وتدمير ممتلكات في مناطق سنية.
وهذه الانتهاكات لم تكن مجرد قضية حقوق إنسان منفصلة عن السياسة.
لقد ضربت الثقة بين المواطن والدولة.
فعندما يرى المواطن السني القوة التي تدخل مدينته لتحريره من داعش باعتبارها في الوقت نفسه قوة يخشى انتقام بعضها منه بسبب هويته أو الاشتباه بانتمائه إلى البيئة التي ظهر فيها التنظيم، تتحول عملية التحرير من مشروع وطني إلى تجربة ملتبسة.
وهنا ساهمت ممارسات بعض الفصائل في إعادة إنتاج الشرخ المذهبي الذي كان داعش نفسه يتغذى عليه.
ولا يجوز بالطبع تعميم مسؤولية هذه الانتهاكات على كل مقاتلي الحشد أو كل تشكيلاته، كما لا يجوز تجاهل مشاركة السنّة أنفسهم في الحرب على داعش. لكن الإنكار الكامل لهذه الصفحة لا يخدم الحشد ولا العراق.
فالوحدة الوطنية لا تُقاس فقط بمن انتصر في المعركة، بل بما إذا كان المواطن الذي عاد إلى مدينته بعد المعركة شعر أن الدولة عادت إليه أم أن قوة مذهبية أخرى حلت محل داعش.
من داعش إلى كركوك: لحظة الانفصال مع الكرد
أما العلاقة مع الكرد فتقدم نموذجاً مختلفاً.
في الحرب على داعش كان الحشد والبيشمركة يقاتلان عدواً مشتركاً، وإن ضمن تشكيلات وقيادات مختلفة. لكن بعد استفتاء استقلال إقليم كردستان في أيلول/سبتمبر 2017 انقلبت المعادلة سريعاً.
في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2017 تقدمت القوات الاتحادية العراقية بمشاركة وحدات من الحشد الشعبي إلى كركوك والمناطق المتنازع عليها، وانسحبت قوات البيشمركة من المدينة ومواقع أخرى.
بغداد وصفت العملية بأنها إعادة فرض السلطة الاتحادية على أراضٍ عراقية.
أما بالنسبة إلى قطاع واسع من الكرد فقد كانت إعادة احتلال لكركوك بالقوة.
ومن الضروري في مقال تحليلي التمييز بين الواقعة والتوصيف السياسي: الواقعة المثبتة هي مشاركة الحشد مع القوات الاتحادية في العملية التي أعادت كركوك إلى سيطرة بغداد، أما وصفها بالتحرير أو استعادة السيادة أو الاحتلال فهو جزء من الصراع السياسي والقومي على المدينة.
لكن النتيجة السياسية الأهم لا تتغير.
القوة التي تأسست شرعيتها الأساسية على محاربة داعش أصبحت طرفاً مباشراً في صراع داخلي عراقي بين بغداد وأربيل.
وفي طوزخورماتو كانت الصورة أكثر قسوة. فقد وثقت منظمة العفو الدولية أن اشتباكات 16 أكتوبر 2017 وقعت بين قوات الحكومة العراقية المدعومة من وحدات الحشد والبيشمركة، وأن عمليات نهب وإحراق وهدم استهدفت بصورة أساسية مناطق كردية، وأدت الأحداث إلى نزوح عشرات الآلاف. [3]
كركوك لذلك ليست تفصيلاً في تاريخ الحشد.
إنها نقطة تحول.
ففي 2014 كان الحشد والكرد يواجهون داعش، وبعد ثلاث سنوات أصبحت وحدات من الحشد والبيشمركة متقابلة بالسلاح.
وهنا انتقل الحشد، في الوعي السياسي الكردي على الأقل، من شريك في مواجهة عدو مشترك إلى قوة يمكن استخدامها لحسم الصراع على الأرض والسلطة بين المركز والإقليم.
هل ساهم الحشد في تفكيك الوحدة الوطنية؟
الإجابة تحتاج إلى التمييز.
ليس من الدقة القول إن الحشد تأسس بهدف تفكيك العراق. فتأسيسه الشعبي الواسع جاء في لحظة كان العراق نفسه مهدداً بالتفكك أمام داعش.
لكن من الممكن القول إن تحول أجزاء من الحشد إلى قوى ذات هوية مذهبية وارتباطات سياسية وخارجية، والانتهاكات المنسوبة لبعض فصائله في مناطق سنية، ودخوله في الصراع العسكري مع البيشمركة عام 2017، كلها ساهمت في إضعاف مفهوم القوة الوطنية المشتركة.
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة.
السلاح نفسه يمكن أن يعني أشياء مختلفة للعراقيين:
عند قطاع من الشيعة هو سلاح أنقذ بغداد والنجف وكربلاء من داعش.
وعند قسم من السنّة ارتبط أيضاً بالخوف من بعض الفصائل والانتهاكات والانتقام بعد داعش.
وعند قطاع من الكرد أصبح بعد 16 أكتوبر 2017 السلاح الذي دخل كركوك وأنهى السيطرة الكردية عليها.
عندما تحمل الجماعات الثلاث ذاكرة مختلفة جذرياً عن المؤسسة المسلحة نفسها، تصبح هناك مشكلة حقيقية في بناء الهوية الوطنية.
إيران: العلاقة التي لا يمكن تجاهلها
لا يمكن فهم الحشد من دون إيران، كما لا يجوز اختزال الحشد كله بإيران.
دعمت طهران العراق في الحرب على داعش، وكان قاسم سليماني وقادة في الحرس الثوري حاضرين بصورة مباشرة في ساحات عراقية مختلفة. لكن علاقات إيران ببعض الفصائل العراقية سبقت داعش بسنوات.
بالنسبة إلى إيران يمثل العراق أهمية استراتيجية استثنائية. حرب 1980–1988 بقيت جزءاً من الذاكرة الأمنية الإيرانية، ثم جاء الغزو الأميركي للعراق عام 2003 ووضع قوات أميركية على حدودها الغربية.
ومن هنا بنت طهران منظومة نفوذ لا تعتمد على العلاقة الرسمية مع الحكومة العراقية وحدها، بل على أحزاب وقوى سياسية واقتصادية وفصائل مسلحة.
ولا تزال هذه العلاقة قائمة. ففي تموز/يوليو 2026 وصفت رويترز الجماعات العراقية المدعومة من إيران بأنها تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً كبيراً، وأشارت إلى اندماجها في شبكات سياسية واقتصادية ووجود ممثلين مرتبطين بها في البرلمان والحكومة، فضلاً عن امتلاك الفصائل الأكثر تشدداً صواريخ وطائرات مسيّرة وقدرات عسكرية مهمة. [4]
وهنا ينبغي مرة أخرى الفصل بين هيئة الحشد بكاملها وبين الفصائل العراقية المدعومة من إيران.
عدم القيام بهذا الفصل يجعل التحليل دعائياً بدل أن يكون سياسياً.
عندما يصبح السلاح العراقي جزءاً من استراتيجية إقليمية
بالنسبة إلى طهران يمنح وجود قوى عراقية مسلحة حليفة لها قدرة ردع خارج حدود إيران، ويسمح بامتداد شبكتها الإقليمية باتجاه سوريا ولبنان وبقية ما يعرف بـ«محور المقاومة».
لكن ما يمثل عمقاً استراتيجياً لإيران يمكن أن يتحول إلى مشكلة سيادة للعراق.
فإذا دخلت إيران في مواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو السعودية، يصبح السؤال: هل يستطيع العراق أن يقرر البقاء خارج الحرب؟
أم تستطيع فصائل موجودة على أرضه إدخاله فيها؟
وهذا ليس سؤالاً نظرياً.
فخلال التصعيد الإقليمي في صيف 2026 أصبحت الجماعات العراقية المرتبطة بإيران مرة أخرى جزءاً مباشراً من التوتر بين بغداد والرياض وواشنطن. وأفادت رويترز في أواخر تموز بأن السعودية والولايات المتحدة نفذتا ضربات داخل العراق ضد جماعات مسلحة مرتبطة بإيران قالتا إنها كانت وراء محاولات استهداف القوات الأميركية والبنية التحتية السعودية. [5]
وبغض النظر عن الموقف السياسي من الضربات الأميركية أو السعودية وشرعيتها، تكشف الحادثة المعضلة العراقية الأساسية:
أفعال فصيل عراقي تستطيع استدعاء ضربة عسكرية أجنبية إلى الأراضي العراقية.
وهذا وحده يكفي لإثبات أن قضية السلاح ليست قضية داخلية فقط.
الحشد وعلاقة العراق بمحيطه العربي
هنا تظهر نتيجة أخرى قلما تناقش بوضوح: أثر الفصائل المرتبطة بإيران في قدرة العراق على استعادة علاقاته الطبيعية مع محيطه العربي، وخصوصاً الخليجي.
لا يصح القول إن الحشد قطع العراق عن العالم العربي. فقد عملت الحكومات العراقية المتعاقبة على تحسين العلاقات مع السعودية والأردن والإمارات ودول الخليج، واستمرت العلاقات الدبلوماسية والتجارية.
لكن وجود قوى مسلحة عراقية تعتبر نفسها جزءاً من محور إقليمي تقوده إيران خلق تناقضاً دائماً في السياسة الخارجية العراقية.
بغداد تقول للعرب: نريد علاقات طبيعية وتعاوناً واستثماراً.
وبعض الفصائل تقول عملياً: نحن جزء من محور يخوض صراعاً إقليمياً قد تكون بعض الدول العربية طرفاً فيه.
فأي رسالة تصل إلى الرياض وأبوظبي وعمان؟
عندما تضطر بغداد إلى طمأنة جيرانها من سلاح موجود على أرضها
وصل هذا التناقض إلى مستوى أكثر خطورة في 2026.
فقد أفادت رويترز بأن السعودية وشركاء إقليميين قدّروا أن هجمات على المملكة نُفذت من الأراضي العراقية بالتنسيق بين الحوثيين وجماعات عراقية مسلحة مرتبطة بإيران، فيما قالت مصادر إن التعاون بين الحوثيين وكتائب حزب الله وفصائل عراقية أخرى يعود إلى سنوات، وتطور إلى تنسيق عملياتي أكثر وضوحاً. [6]
والأهم سياسياً أن رئيس الوزراء العراقي اضطر في أغسطس/آب 2026، خلال لقائه رئيس الاستخبارات السعودية، إلى التأكيد أن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه لإطلاق هجمات أو أنشطة تستهدف دولاً أخرى. [7]
هذه الجملة بحد ذاتها تلخص المأزق.
الدولة العراقية تريد أن تقول لجارتها العربية: لا تخافوا من العراق.
لكن سبب الحاجة إلى هذا التطمين هو وجود قوى عراقية مسلحة لا تثق الدول المجاورة بأن بغداد تملك سيطرة كاملة عليها.
وهنا يصبح السلاح الموازي عائقاً أمام السياسة الخارجية حتى عندما لا يطلق رصاصة.
من الجسر العربي ـ الإيراني إلى ساحة الصراع
من مصلحة العراق ألا يكون عدواً لإيران.
إيران دولة جارة كبرى، وبين البلدين حدود طويلة وعلاقات اقتصادية ودينية واجتماعية وتاريخ مشترك لا يمكن محوه.
ومن مصلحة العراق في الوقت نفسه أن يستعيد عمقه العربي وعلاقاته الطبيعية مع السعودية والخليج والأردن ومصر وبقية العالم العربي.
وكان يمكن للعراق أن يستفيد من موقعه ليصبح جسراً بين العرب وإيران.
لكن وجود فصائل عراقية جزء من الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية يهدد بتحويل هذا الجسر إلى ساحة صراع بين الطرفين.
والفرق بين الاثنين جوهري.
الدولة الجسر تتحدث مع الجميع.
أما الدولة الساحة فيقاتل الآخرون فوق أرضها.
الحشد والسياسة: عندما دخل السلاح البرلمان
لم تعد قوة شبكات الحشد عسكرية فقط.
قوى مرتبطة بفصائله دخلت السياسة والانتخابات والبرلمان والحكومات والمؤسسات الاقتصادية والإدارية. وتبين دراسة تشاتام هاوس كيف تطورت شبكات الحشد بعد 2014 إلى قوى سياسية واقتصادية وأمنية مرتبطة عضوياً بشبكات الدولة نفسها. [2]
وهنا تتشكل دائرة يصعب كسرها:
السلاح ينتج النفوذ السياسي، والنفوذ السياسي يحمي السلاح، والوجود داخل الدولة يوفر الموارد، والموارد تعيد إنتاج القوة السياسية والعسكرية.
لذلك فإن القول «على الحكومة أن تنزع سلاح الفصائل» يبدو سهلاً نظرياً.
لكن ماذا يحدث عندما تكون القوى المرتبطة بهذه الفصائل جزءاً من التحالفات التي تنتج الحكومة نفسها؟
عندها لا تعود المشكلة أمنية فقط، بل تصبح مشكلة في بنية النظام السياسي العراقي.
ماذا يقول الدستور؟
المادة التاسعة من الدستور العراقي تضع قاعدة شديدة الأهمية: القوات المسلحة والأجهزة الأمنية يجب أن تخضع للقيادة المدنية، ولا تتدخل في الشؤون السياسية، ويحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة. [8]
وبما أن الحشد أصبح قانوناً جزءاً من القوات المسلحة، فإن القول إن وجوده بحد ذاته غير دستوري ليس دقيقاً.
لكن السؤال الدستوري الأصعب يبدأ بعد ذلك:
إذا كان الحشد قوة عسكرية رسمية، فهل تخضع جميع تشكيلاته فعلياً للقائد العام للقوات المسلحة؟
وإذا كانت قوة عسكرية جزءاً من الدولة، فكيف يمكن أن تتداخل مع أحزاب تشارك في الانتخابات؟
وكيف يمكن لفصيل داخل المنظومة الرسمية أن يحتفظ بعلاقات عسكرية خارجية أو بقرار استخدام السلاح خارج التسلسل الرسمي؟
إذن المشكلة ليست في وجود الحشد قانونياً بقدر ما هي في المسافة بين القانون والممارسة.
هل يمكن حل الحشد؟
نظرياً يمكن تعديل القانون أو إعادة هيكلة الهيئة أو حتى إلغاؤها.
لكن حل الحشد بقرار واحد قد ينتج المشكلة التي يريد العراق التخلص منها.
فهناك أعداد كبيرة من المنتسبين ورواتب وحقوق تقاعدية وعائلات قتلى وجرحى ومؤسسات ومقار وألوية وموارد.
إذا ألغيت المؤسسة الرسمية من دون خطة، فقد ينتقل المقاتل المنضبط اليوم بقانون الدولة إلى فصيل خارج الدولة غداً.
وعندها يكون العراق قد انتقل من حشد رسمي قابل ـ ولو نظرياً ـ للضبط إلى جماعات مسلحة مستقلة.
لذلك فإن السؤال الأفضل ليس:
كيف نحل الحشد؟
بل:
كيف نفكك الفصائلية داخل الحشد؟
إنهاء الفصيل لا معاقبة المقاتل
يمكن للدولة أن تحتفظ بمن تحتاج إليهم من مقاتلي الحشد، لكن بصفتهم أفراداً في مؤسساتها لا أعضاء في جيوش حزبية.
يمكن إعادة توزيعهم على الجيش والشرطة وحرس الحدود والتشكيلات الأمنية وفق معايير مهنية واضحة، مع الحفاظ على حقوق الذين قاتلوا داعش وعائلات القتلى والجرحى.
لكن في المقابل ينبغي أن تختفي تدريجياً سلاسل القيادة الموازية.
السلاح الثقيل والصواريخ والطائرات المسيّرة ومخازن الذخيرة يجب أن تصبح تحت السيطرة المباشرة للدولة.
ولا ينبغي أن يكون لأي حزب سياسي جناح عسكري، سواء كان شيعياً أو سنياً أو كردياً أو مسيحياً أو إيزيدياً.
وهنا يظهر مجدداً خطأ الاعتماد على «تلوين» القوة المسلحة.
العراق لا يحل مشكلة السلاح الحزبي بأن يجعل كل طائفة تمتلك فصيلها.
هذا لا يصنع دولة متعددة؛ إنه يصنع ميليشيات متعددة.
الدولة المتعددة هي الدولة التي ينتمي فيها المسيحي والشيعي والسني والإيزيدي والكردي والتركماني إلى الجيش نفسه، ويطيعون القيادة نفسها، ويحملون السلاح باسم الدستور نفسه.
وماذا عن إيران؟
هذه ربما العقدة الأصعب.
من غير الواقعي الاعتقاد أن علاقات تكونت خلال عقود يمكن إنهاؤها بقرار حكومي.
كما أن الدخول في حرب داخلية لنزع السلاح بالقوة قد يؤدي إلى نتيجة كارثية.
المطلوب ليس تحويل العراق إلى دولة معادية لإيران.
المطلوب أن تتحول العلاقة من إيران ـ الفصيل إلى إيران ـ الدولة العراقية.
ومن حق بغداد وحدها أن تقرر سياستها الدفاعية.
والقاعدة نفسها ينبغي أن تنطبق على واشنطن وأنقرة والرياض وأي عاصمة أخرى.
فلا معنى للمطالبة بإنهاء النفوذ العسكري الإيراني إذا كان البديل قبول نفوذ عسكري أجنبي آخر خارج القرار العراقي.
السيادة لا تتجزأ بحسب هوية الدولة المتدخلة.
هل يمكن نزع السلاح بالقوة؟
قد يكون هذا السيناريو الأكثر خطورة.
أي محاولة شاملة وفورية لنزع سلاح الفصائل بالقوة يمكن أن تتحول إلى مواجهة داخل البيئة الشيعية نفسها، وربما إلى صدام داخل مؤسسات الدولة.
كما تستطيع الفصائل الأكثر تشدداً تصوير العملية باعتبارها مؤامرة أميركية أو إسرائيلية أو عربية ضد الذين قاتلوا داعش.
وعندها تستعيد شرعية ربما تكون قد خسرت جزءاً منها.
لذلك ينبغي أن يكون مشروع حصر السلاح عراقياً لا خارجياً، ودستورياً لا انتقامياً، وتدريجياً لا صدامياً.
من الحشد إلى الدولة
الحشد جزء من التاريخ العراقي الحديث، ولا يمكن شطبه بجملة واحدة.
لقد قاتل آلاف من أبنائه داعش وسقط منهم قتلى وجرحى، وهذه حقيقة يجب احترامها.
لكن الحقيقة الأخرى هي أن بعض فصائله اتُهمت بانتهاكات عمقت الجرح السني، وأن وحدات منه شاركت عام 2017 في العملية التي أنهت السيطرة الكردية على كركوك، وأن شبكات داخله أصبحت جزءاً من الصراع السياسي والاقتصادي، وأن فصائل مرتبطة بإيران أصبحت جزءاً من معادلة عسكرية إقليمية وصلت آثارها إلى علاقة العراق بالسعودية ودول الخليج.
وهكذا انتقل السؤال من:
ماذا فعل الحشد ضد داعش؟
إلى سؤال أكثر تعقيداً:
ماذا فعل استمرار الحشد بصيغته الحالية بالدولة العراقية؟
العراق عام 2014 كان يحتاج إلى كل بندقية تقف أمام داعش.
أما العراق اليوم فيحتاج إلى شيء مختلف:
أن يعرف من يأمر كل بندقية عراقية بإطلاق النار.
ليس المطلوب نزع سلاح الشيعة.
ولا الانتقام من الحشد.
ولا إنكار دماء الذين قاتلوا داعش.
ولا تحويل العراق من النفوذ الإيراني إلى النفوذ الأميركي أو العربي.
المطلوب أصعب من ذلك بكثير:
نزع الصفة الحزبية والطائفية والخارجية عن السلاح العراقي.
فالوحدة الوطنية لا تتحقق بإدخال مسيحي وسني وإيزيدي إلى تشكيل عسكري تقوده مراكز قوة أخرى، وإنما عندما يعرف الجميع أن السلاح الموجود في يد الدولة يحميهم جميعاً بالتساوي.
والسياسة الخارجية المستقلة لا تتحقق عندما تضطر بغداد إلى طمأنة الرياض بأن فصيلاً عراقياً لن يقصفها، أو طمأنة طهران بأن العراق لن يصبح منصة أميركية ضدها.
تتحقق عندما يكون قرار الحرب والسلم عراقياً.
وعندما يصل العراق إلى مرحلة لا يستطيع فيها قائد فصيل أو حزب أو دولة أجنبية أن يأمر عراقياً بإطلاق صاروخ من الأراضي العراقية من دون قرار بغداد، لن يكون مهماً كثيراً إن بقيت المؤسسة تحمل اسم الحشد الشعبي أو تغير اسمها.
لأن العراق عندها يكون قد انتقل فعلاً من دولة تحتوي السلاح إلى دولة تحتكر السلاح، ومن ساحة تتصارع عليها القوى إلى دولة تقرر بنفسها موقعها بين إيران والعرب والعالم.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للسيادة والوحدة الوطنية العراقية.
Notes
[1] مكتب المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني، بيانات وخطب الجمعة المتعلقة بفتوى الدفاع الكفائي، حزيران/يونيو 2014، وما أعقبها من توضيحات حول التطوع والانخراط في القوات الأمنية للدفاع عن العراق.
[2] Renad Mansour, Networks of Power: The Popular Mobilization Forces and the State in Iraq, Chatham House, 25 February 2021. تخلص الدراسة إلى أن الحشد ليس تنظيماً متجانساً ومتكاملاً، بل مجموعة شبكات مرنة ومتغيرة مرتبطة ببنى السلطة العراقية، وأنها تطورت بعد هزيمة داعش إلى قوى أمنية وسياسية واقتصادية مهمة. كما تميز الدراسة بين شبكات ذات قواعد وارتباطات مختلفة، وبعضها أكثر قرباً من إيران.
[3] Amnesty International, Iraq: Fresh Evidence that Tens of Thousands Forced to Flee Tuz Khurmatu amid Indiscriminate Attacks, Lootings and Arson, 24 October 2017. وثقت المنظمة الاشتباكات بين القوات الحكومية العراقية المدعومة بوحدات الحشد والبيشمركة في 16 أكتوبر 2017، إضافة إلى عمليات نهب وإحراق وهدم استهدفت بصورة رئيسية مناطق كردية في طوزخورماتو ونزوح عشرات الآلاف.
[4] Reuters, Who Are Iraq’s Iranian-backed Armed Groups?, 29 July 2026. يستعرض التقرير نفوذ الجماعات الشيعية العراقية المدعومة من إيران عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، واندماج بعضها في البرلمان والحكومة وشبكات الأعمال، وامتلاك الفصائل الأكثر تشدداً صواريخ وطائرات مسيّرة وقدرات عسكرية كبيرة.
[5] Reuters, 29 July 2026، تقرير عن الضربات الأميركية ـ السعودية داخل العراق ضد جماعات مسلحة مرتبطة بإيران. قالت القيادة المركزية الأميركية إن الضربات استهدفت جماعات اتهمتها بالعمل بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني لاستهداف قوات أميركية ومنشآت طاقة سعودية. وينبغي التعامل مع نسبة المسؤولية هنا باعتبارها موقفاً أميركياً وسعودياً ورد في التقرير، لا حكماً مستقلاً مثبتاً على جميع الفصائل.
[6] Reuters, Yemen’s Houthis Are Attacking Saudi Arabia from Iraq, Sources Say, 30 July 2026. نقل التقرير عن مسؤولين إقليميين تقديرات بأن هجمات على السعودية نُفذت من الأراضي العراقية بالتنسيق بين الحوثيين وجماعات عراقية مسلحة، وأشار إلى علاقات طويلة بين الحوثيين وكتائب حزب الله وإلى إعلان الحوثيين عام 2024 وجود غرفة عمليات مشتركة مع فصائل عراقية.
[7] Reuters, Iraqi PM, Saudi Intelligence Chief Discuss Regional Security as Militias Delay Response, 7 August 2026. أكد رئيس الوزراء العراقي خلال اللقاء أن بغداد لن تسمح باستخدام الأراضي العراقية لإطلاق هجمات أو أنشطة تستهدف دولاً أخرى، في ظل تصاعد التوتر بين السعودية والفصائل العراقية المرتبطة بإيران.
[8] دستور جمهورية العراق لسنة 2005، المادة التاسعة، التي تنظم وضع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وخضوعها للسلطة المدنية وتحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة؛ وقانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 الذي منح الهيئة وضعاً قانونياً ضمن المنظومة العسكرية العراقية.
[9] Human Rights Watch وAmnesty International، تقارير متعددة بين 2014 و2017 حول الانتهاكات التي نسبت إلى بعض الميليشيات والفصائل في مناطق ذات غالبية سنية خلال الحرب على داعش وما بعدها. ويجب قراءة هذه التقارير مع التمييز بين مسؤولية تشكيلات وأفراد محددين وبين الحشد كمظلة واسعة تضم قوى مختلفة.
[10] Chatham House, Networks of Power, 2021؛ ودراسات متخصصة حول الحشد والدولة العراقية. تؤكد هذه الأدبيات أن اختزال الحشد إما في «مؤسسة وطنية موحدة» أو في «وكيل إيراني واحد» لا يعكس تعقيد تركيبته، وأن بعض شبكاته أقرب إلى إيران من غيرها، بينما تمتلك شبكات أخرى قواعد ومرجعيات عراقية مختلفة.
[11] Reuters، تقارير يوليو–أغسطس 2026 حول التوتر العراقي ـ السعودي المرتبط بنشاط الجماعات المسلحة المدعومة من إيران. تكشف هذه التطورات بصورة خاصة كيف يمكن لنشاط فصيل مسلح داخل العراق أن يتحول من مسألة أمن داخلي إلى عامل يؤثر مباشرة في علاقات بغداد بدول محيطها العربي وفي قدرة الحكومة على إبقاء العراق خارج الصراعات الإقليمية.



