الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

التدين المزيف والإنسانية الحقيقية..

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ حسن أحمد خليل

كم لبناني مقيم ومغترب.. سيفهم هذا الكلام!
كم لبناني سيقرأ اصلا!
كم تمساح سينزع جلده مرة؟

هذه ليست حكمة دين واحد دون سواه…
فقد جاء غاندي من تقليد روحي مختلف، وكرّس حياته للتأكيد على أن الحقيقة لا تنفصل عن اللاعنف، وأن الكراهية لا يمكن أن تُهزم بالكراهية. وكان يؤمن بأن كرامة الإنسان يجب أن تأتي قبل هويته السياسية أو الدينية أو الطائفية.
أما مارتن لوثر كينغ الابن، المسيحي ورجل الإيمان، فقد وقف في وجه الظلم من دون أن يسمح للظلم بأن يحوّله إلى إنسان حاقد. وكان يؤكد أن الظلام لا يطرد الظلام، وأن الكراهية لا تطرد الكراهية؛ وحده النور يستطيع أن يطرد الظلام، ووحده الحب يستطيع أن يتغلب على الكراهية.
والأم تيريزا لم تكن تسأل الفقير أو المريض أو المحتضر عن دينه قبل أن تساعده. كانت ترى الإنسان أولاً. خدمت المهجورين والمرضى والمحتضرين، لأن الإنسان في نظرها يمتلك كرامة لا يستطيع أحد أن يسلبه إياها.
ونيلسون مانديلا أمضى سنوات طويلة في السجن بسبب الظلم والاضطهاد، لكنه عندما خرج لم يجعل الانتقام أساساً لبناء بلاده، بل اختار المصالحة. لقد أدرك أن المجتمع لا يستطيع أن يتعافى إذا تحولت كل جراحه إلى سبب جديد للكراهية.
والدالاي لاما يتحدث باستمرار عن الرحمة، لا باعتبارها ملكاً للبوذية وحدها، بل باعتبارها قيمة مشتركة بين جميع البشر. فهو يذكّرنا بأننا، قبل أن نكون مسلمين أو مسيحيين أو يهوداً أو بوذيين أو دروزاً أو ملحدين أو غير ذلك، نحن أولاً وأخيراً بشر.
كما أظهر ديزموند توتو أن التسامح لا يعني نسيان الظلم، بل يعني رفض السماح للظلم بأن يحدد من نصبح.

فما هو الخيط المشترك بين كل هؤلاء؟
أديان مختلفة.
ثقافات مختلفة.
لغات مختلفة.
تواريخ مختلفة.
ومع ذلك، تعود الرسالة دائماً إلى المكان نفسه:
الحب بدل الكراهية.
الرحمة بدل القسوة.
المغفرة بدل الانتقام.
العدالة بدل الظلم.
كرامة الإنسان بدل التعصب.
الوحدة بدل التفرقة.
فلماذا نستمر في الاقتتال من أجل الله؟
لماذا نقتل بعضنا بعضاً ونحن نزعم أننا ندافع عنه؟
لماذا نعتقد أن الله يحتاج إلى أسلحتنا وإهاناتنا وكراهيتنا ودمائنا لكي نثبت وجوده أو ندافع عن اسمه؟
إذا كان إيمانك يجعلك تكره إنساناً آخر لأنه وُلد في دين آخر، أو طائفة أخرى، أو عائلة أخرى، أو جماعة أخرى، فتوقف للحظة واسأل نفسك:
هل هذا إيمان حقاً، أم أنه خوف؟
إذا كنت تصلي خمس مرات في اليوم، لكنك لا تستطيع أن تسامح جارك، فماذا غيّرت الصلاة في داخلك؟
إذا كنت تصوم، لكن قلبك ما زال ممتلئاً بالكراهية، فماذا تعلمت فعلاً من الصيام؟
إذا دخلت الكنيسة أو المسجد أو المعبد أو الكنيس، ثم خرجت منه وأنت أكثر احتقاراً لمن يعبد بطريقة مختلفة عنك، فماذا فهمت من دينك؟
إذا كنت تتحدث باستمرار عن الله، لكنك لا تستطيع أن ترى إنسانية الشخص الواقف أمامك، فربما أصبحت أقرب إلى هويتك الدينية من قربك إلى الله نفسه.
إن كبار المعلمين الروحيين لم يأتوا ليعلمونا كيف نكره بعضنا بعضاً بطريقة أكثر كفاءة.
بل جاؤوا ليذكّرونا بشيء ننساه كل يوم:
الإنسان يأتي قبل التسمية.
قبل أن يكون سنياً أو شيعياً، مسيحياً أو مسلماً، درزياً أو يهودياً، مؤمناً أو غير مؤمن، فهو إنسان.
له أم.
وله أب.
وله أطفال وأحلام ومخاوف وجراح.
يتألم عندما يفقد من يحب.
يبكي.
يأمل.
ويريد أن يعيش.
والأم التي تفقد ابنها لا تسأل إن كان ابنها من طائفتها أو من طائفة أخرى.
دموع الأم لا دين لها.
ودم الطفل اللبناني لا يصبح لونه مختلفاً لأنه مسيحي أو مسلم.
وألم أم في الجنوب ليس مختلفاً عن ألم أم في بيروت أو طرابلس أو البقاع أو في أي مكان آخر.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الديني الحقيقي هو:
«من منا على حق؟»
بل ربما يكون السؤال الحقيقي:
«أي نوع من البشر جعلني ديني؟»
هل جعلني أكثر رحمة؟
أكثر تواضعاً؟
أكثر قدرة على التسامح؟
أكثر قدرة على محبة إنسان يختلف عني؟
أم جعلني متكبراً، غاضباً، خائفاً، ومقتنعاً بأن الله ملك حصري لجماعتي؟
إذا كانت جميع أدياننا تتحدث في النهاية عن الله، وإذا كان الله أعظم منا جميعاً، فلا يستطيع أي إنسان أن يمتلكه.

الله ليس ملكاً لطائفة.
الله ليس ملكاً لوطن.
الله ليس ملكاً لحزب سياسي.
الله ليس ملكاً للبنان أو فلسطين أو إسرائيل أو إيران أو السعودية أو أميركا أو أي مكان آخر.
وربما يكون أعظم إساءة إلى الله ليست في أن يشك الإنسان فيه.
ربما تكون أعظم إساءة هي أن نستخدم اسمه لتبرير الكراهية تجاه خلقه.
لذلك، يا أيها اللبنانيون، قبل أن نسأل أي طائفة يجب أن يكون لها نفوذ أكبر، وقبل أن نسأل من يمثل الله، وقبل أن نرفع أعلامنا وشعاراتنا الدينية، لنسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً:
هل ما زلنا قادرين على رؤية الإنسان الواقف أمامنا؟
إذا كنا قادرين على ذلك، فما زال هناك أمل.
أما إذا فقدنا هذه القدرة، فلن تنقذنا كثرة الصلاة، ولا الطقوس الدينية، ولا الشعارات، ولا الخطب السياسية.
انبذوا التعصب.
انبذوا الكراهية.
انبذوا فكرة أن جاركم يجب أن يصبح عدوكم لمجرد أنه يصلي بطريقة مختلفة عنكم.
عودوا إلى الصفاء الذي كان موجوداً قبل أن نحول الدين إلى هوية، والهوية إلى عصبية، والعصبية إلى سياسة، والسياسة إلى كراهية.
ربما عندها نكتشف أن وراء كل أسمائنا وطقوسنا وتقاليدنا المختلفة، هناك شيء أقدم وأعظم منها جميعاً:

الإنسان.

وربما عندما نتعلم أخيراً أن نحب الإنسان، نفهم ما كان جميع هؤلاء المعلمين الروحيين العظماء يحاولون أن يقولوه لنا عن الله.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

موازنة بلا إصلاح مالي: من لا يجيد إدارة الأزمة فليرحل

أخباركم - أخبارنا/ د. وفيق ريحان إن طرح مشروع الموازنة على مجلس الوزراء بهذه...

الكتلة التاريخية وإنقاذ لبنان من مخالب الصراع الإقليمي!

أخباركم - أخبارنا / أكرم محمود مقدمة: جغرافيا القدر وبحثاً عن المخرجعاش لبنان عقوداً طويلة...