الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
31.3 C
Beirut

حلّ قوات سوريا الديمقراطية: ماذا يعني القرار، وماذا حصل عليه الكرد، وإلى أين تتجه القضية الكردية إقليمياً؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم يعد الحديث عن مستقبل «قوات سوريا الديمقراطية» افتراضاً سياسياً أو تسريباً تفاوضياً. ففي مساء 25 أغسطس/آب 2026، نُقل عن مظلوم عبدي إعلان واضح بحل قوات سوريا الديمقراطية واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية.[1]

بهذا الإعلان تنتهي، من الناحية التنظيمية والسياسية، مرحلة امتدت لأكثر من عقد، تحولت خلالها «قسد» إلى القوة العسكرية الأساسية في شمال وشرق سوريا، وسيطرت مع المؤسسات المدنية المرتبطة بها على مساحة واسعة، ومعابر وحدود وحقول نفط وغاز ومؤسسات أمنية وإدارية.

لكن السؤال الأهم ليس: هل حُلّت قسد؟ بل: ماذا يعني حلها فعلياً؟ وماذا حصل عليه الكرد مقابل التخلي عن القوة العسكرية والإدارة التي بنوها؟ ثم ماذا سيكون مستقبل مظلوم عبدي نفسه؟ وهل نحن أمام تسوية سورية فقط، أم أمام بداية إعادة صياغة إقليمية للقضية الكردية؟

من قوة مستقلة إلى جزء من الدولة

حل قسد لا يعني اختفاء عشرات آلاف المقاتلين أو تسليمهم السلاح والعودة إلى منازلهم. جوهر التسوية هو إنهاء وجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة وتحويل عناصرها ووحداتها إلى جزء من المؤسسة العسكرية والأمنية السورية.

ففي اتفاق 18 يناير/كانون الثاني 2026 كان المبدأ المعلن هو دمج عناصر قسد في وزارتي الدفاع والداخلية بصورة فردية، بعد تدقيق أمني، مع منحهم الرتب والحقوق العسكرية والمالية.[2]

لكن الاتفاق اللاحق في نهاية يناير أدخل تعديلاً مهماً سمح بتشكيل فرقة تضم ثلاثة ألوية من قوات قسد في منطقة الجزيرة، إضافة إلى لواء لقوات كوباني ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.[3]

وهذا يعني أن دمشق حصلت على مبدأ الجيش الواحد، بينما حصلت قسد على صيغة تسمح ببقاء أجزاء من بنيتها البشرية والعسكرية متماسكة داخل الجيش الجديد بدلاً من تفكيكها بصورة كاملة.

إذن انتهى اسم «قسد» كجيش مستقل، لكن مقاتليها لم يختفوا؛ انتقلوا من قوة تملك قرارها العسكري الخاص إلى قوات تعمل تحت مظلة الدولة ووزارتي الدفاع والداخلية.

وهذا فرق جوهري.

نهاية الإدارة الذاتية بصيغتها السابقة

الثمن الأكبر الذي دفعته قيادة قسد لم يكن عسكرياً فقط.

فالاتفاق ينص أيضاً على دمج المؤسسات المدنية التابعة للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية. كما انتقلت المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز إلى إدارة الحكومة المركزية، وانتقلت مسؤولية السجون والمخيمات التي تضم عناصر وعائلات تنظيم «داعش» إلى مؤسسات الدولة.[4]

وهذا يعني عملياً نهاية النموذج الذي حكم شمال وشرق سوريا خلال السنوات الماضية: إدارة سياسية مستقلة نسبياً، موارد نفطية، جهاز أمني خاص، قوات عسكرية خاصة، ومؤسسات مدنية منفصلة عن دمشق.

من هذه الزاوية حققت الدولة السورية الجديدة مكسباً استراتيجياً كبيراً: استعادة السيادة المؤسسية على منطقة كانت خارج سلطة المركز إلى حد بعيد.

لكن الاتفاق لم يكن استسلاماً عسكرياً محضاً، لأن الطرف الكردي حصل بدوره على مجموعة من المكاسب التي لم تكن موجودة في سوريا البعثية.

الاعتراف الرسمي بالكرد

أهم مكسب سياسي للكرد جاء في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026.

فالمرسوم نص صراحة على أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية.[5]

هذه ليست مسألة لغوية صغيرة.

فالدولة السورية الحديثة تجنبت طويلاً تحويل الوجود الكردي إلى اعتراف قانوني واضح بالهوية القومية والثقافية.

لذلك فإن تثبيت كلمة «الكرد» وخصوصيتهم الثقافية واللغوية في تشريع رسمي يمثل تحولاً مهماً، حتى لو بقي أقل بكثير من الفيدرالية أو الحكم الذاتي الذي طالبت به قوى كردية مختلفة.

اللغة الكردية

المكسب الثاني يتعلق باللغة.

المرسوم رقم 13 اعتبر اللغة الكردية لغة وطنية، وسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الكثافة الكردية.[6]

لكن الاعتراف باللغة الكردية ليس حتى الآن مساواة دستورية كاملة بينها وبين العربية كلغة رسمية للدولة.

كما أن تفاصيل المناهج وطريقة التعليم وشهادات المدارس والمحتوى التربوي بقيت موضع تفاوض، وهو ما يعني أن التطبيق التفصيلي للحقوق اللغوية يحتاج إلى ضمانات أكثر استقراراً من مجرد قرار إداري.[7]

إنهاء مأساة مكتومي القيد والجنسية

من أكثر الملفات حساسية في الذاكرة الكردية السورية قضية إحصاء الحسكة لعام 1962، الذي حرم عشرات آلاف الكرد وأحفادهم من الجنسية السورية.

المرسوم رقم 13 ألغى التدابير الاستثنائية الناتجة عن ذلك الإحصاء، ونص على منح الجنسية السورية للكرد المشمولين، بمن فيهم مكتومو القيد، مع المساواة في الحقوق والواجبات.[8]

كما صدرت لاحقاً تعليمات تنفيذية لمعالجة طلبات الجنسية.[9]

وهذا مكسب تاريخي حقيقي، لأنه يعالج واحدة من أكثر سياسات الدولة السورية السابقة ظلماً للكرد.

إدارة محلية وتمثيل داخل الدولة

الاتفاق أعطى أيضاً مساحة للتمثيل الكردي داخل الدولة الجديدة.

فقد نص على تعيين مرشح لمنصب محافظ الحسكة ضماناً للتمثيل المحلي، وعلى اعتماد قائمة من المرشحين الذين قدمتهم قسد لتولي مواقع عسكرية وأمنية ومدنية عليا في مؤسسات الدولة.[10]

وفي كوباني نصت الترتيبات على إخلاء المدينة من الأسلحة والمظاهر العسكرية الثقيلة، وفي المقابل تشكيل قوة أمنية من أبناء المدينة وشرطة محلية مرتبطة إدارياً بوزارة الداخلية.[11]

هذه الترتيبات تعني أن دمشق رفضت قيام جهاز أمني مستقل، لكنها قبلت مبدأ أن يكون الأمن المحلي في بعض المناطق الكردية بيد أبناء تلك المناطق ضمن هيكل الدولة.

وهو نوع من الخصوصية المحلية الأمنية والإدارية، لكنه ليس حكماً ذاتياً بالمعنى الدستوري.

ماذا عن الإدارة الذاتية والفيدرالية؟

هنا نصل إلى النقطة الأصعب.

كل ما نشر من الاتفاقات حتى الآن لا يمنح الكرد إقليماً فيدرالياً شبيهاً بإقليم كردستان العراق، ولا يعترف بـ«روجآفا» ككيان سياسي ذي صلاحيات دستورية مستقلة، ولا يمنح الإدارة الذاتية وضعاً دائماً فوق مؤسسات الدولة.

على العكس، الاتفاق يقوم صراحة على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية في الدولة السورية.

ولهذا فإن من الخطأ القول إن قسد حصلت على «فيدرالية» من دون وجود نص يثبت ذلك.

كما لا يوجد حتى الآن نص رسمي منشور يمنح الكرد حكماً ذاتياً دستورياً أو حقاً دائماً في إدارة مواردهم أو جيشهم أو سياستهم الخارجية.

وهنا تكمن الثغرة الأكبر في التسوية.

الكرد حصلوا على حقوق ثقافية ومدنية وتمثيل وخصوصية محلية، لكنهم لم يحصلوا، بحسب النصوص المنشورة حتى الآن، على ضمانة دستورية لكيان سياسي كردي مستقل داخل سوريا.

النفط والمعابر: خسارة إحدى أهم أوراق القوة

قسد كانت تملك ورقة تفاوض شديدة الأهمية: السيطرة على قسم كبير من موارد النفط والغاز وعلى عدد من المعابر الحدودية.

الاتفاق نقل هذه الموارد والمعابر إلى الدولة السورية.[12]

اقتصادياً وسياسياً، هذا تنازل كبير.

فالقوة السياسية لأي إدارة لا تأتي من السلاح فقط، بل من قدرتها على تمويل مؤسساتها.

وبفقدان السيطرة المستقلة على النفط والمعابر، فقدت الإدارة الذاتية أهم مصدرين للاستقلال المالي والسياسي عن دمشق.

وهذا ربما أخطر من مجرد تغيير اسم «قسد».

العلاقة مع حزب العمال الكردستاني

كما تضمن الاتفاق التزاماً بإخراج قادة وعناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين من الأراضي السورية.[13]

هذا البند ليس تفصيلاً أمنياً.

فهو يعيد تعريف الحركة الكردية في سوريا على أساس سوري، ويفصل مستقبلها ـ نظرياً على الأقل ـ عن البنية العابرة للحدود المرتبطة بحزب العمال الكردستاني.

ومن الواضح أن هذا الشرط يشكل أيضاً جزءاً أساسياً من محاولة دمشق إزالة أحد أهم أسباب الاعتراض التركي على البنية العسكرية والسياسية في شمال شرق سوريا.

ماذا عن عفرين والمهجرين؟

من الملفات التي طالما وضعتها القوى الكردية في مقدمة مطالبها عودة السكان المهجرين، خصوصاً إلى عفرين ومناطق أخرى.

الاتفاق يتحدث عن العمل للوصول إلى تفاهمات لضمان العودة الآمنة والكريمة لأهالي عفرين والشيخ مقصود.[14]

لكن صيغة «العمل للوصول إلى تفاهمات» مهمة جداً؛ فهي ليست ضمانة تنفيذية نهائية.

لذلك يجب الحكم على هذا الملف بالنتائج على الأرض لا بالنصوص وحدها.

ماذا سيفعل مظلوم عبدي بعد حل قسد؟

هنا تظهر واحدة من أهم نتائج المرحلة الجديدة.

المعلومات المتداولة خلال الأشهر الأخيرة، والتي تعززت بتصريحات عبدي نفسه، تشير إلى انتقاله من الدور العسكري إلى العمل السياسي، مع الحديث عن إطلاق حزب سياسي سوري جديد لا يقوم على أساس قومي أو إثني صرف.[15]

وهذا المشروع، إذا اكتمل، يعني أن مظلوم عبدي لا يريد أن ينتهي سياسياً مع نهاية قسد.

بل يبدو أنه يحاول تحويل الرصيد الذي راكمه خلال سنوات الحرب ـ عسكرياً ودبلوماسياً ودولياً ـ إلى رصيد سياسي داخل الدولة السورية الجديدة.

حتى الآن لا توجد معلومات رسمية نهائية تؤكد أن عبدي سيصبح نائباً للرئيس أو وزيراً أو قائداً عسكرياً كبيراً في النظام الجديد، رغم تداول تسريبات عديدة حول احتمال منحه دوراً رفيعاً.

لذلك يجب التفريق بين أمرين:

المؤكد تقريباً هو اتجاهه نحو العمل السياسي، أما الحديث عن منصب رسمي محدد في الدولة فما يزال ضمن دائرة التسريبات والاحتمالات.

لماذا حزب سوري لا حزب كردي؟

هذه نقطة شديدة الأهمية.

لو أسس عبدي حزباً كردياً محضاً، فسيجد نفسه محصوراً داخل الخريطة السياسية الكردية، وسيدخل مباشرة في منافسة مع الأحزاب الكردية السورية التقليدية.

أما إذا أسس حزباً سورياً واسعاً يضم كرداً وعرباً وسرياناً وآشوريين وشخصيات من مناطق مختلفة، فإنه يستطيع أن يقدم نفسه بوصفه زعيم تيار سياسي سوري، لا ممثلاً لتنظيم كردي فقط.

بهذه الطريقة يمكن أن تنتقل فكرة «سوريا الديمقراطية» من اسم قوة عسكرية إلى مشروع سياسي.

ويبدو أن عبدي يدرك أن المرحلة المقبلة لن تُخاض بالدبابات والسلاح، بل في البرلمان والحكومة والدستور والانتخابات والتحالفات السياسية.

لهذا فإن المعادلة الجديدة يمكن اختصارها بالقول:

قسد العسكرية تنتهي، ومظلوم عبدي السياسي يبدأ.

ماذا تريد تركيا من كل ذلك؟

تركيا هي أحد المفاتيح الأساسية لفهم الاتفاق.

أنقرة لم تكن مشكلتها الرئيسية مع اللغة الكردية أو منح الجنسية للكرد السوريين.

مشكلتها الأساسية كانت وجود قوة عسكرية وسياسية مسلحة على حدودها تعتبرها مرتبطة تنظيمياً وأيديولوجياً بحزب العمال الكردستاني.[16]

ومن هنا جاءت مطالبها الأساسية:

إنهاء قسد كقوة عسكرية مستقلة، إخراج العناصر غير السورية المرتبطة بالـPKK، منع قيام كيان فيدرالي مسلح على الحدود، إعادة الحدود والمعابر إلى سلطة دمشق، ومنع وجود قرار عسكري مستقل في شمال شرق سوريا.

ومن هذه الزاوية، فإن حل قسد ودمجها في الجيش السوري يمثل مكسباً كبيراً لأنقرة.

لكن تركيا لا تعترض بالضرورة على أن يحصل الكرد السوريون على حقوق ثقافية أو سياسية ضمن الدولة السورية، طالما أن تلك الحقوق لا تتحول إلى كيان عسكري أو سياسي مستقل تعتبره تهديداً لأمنها القومي.

وبذلك تنتقل القضية بالنسبة لأنقرة من سؤال: «من يسيطر على الحدود بالسلاح؟» إلى سؤال: «كيف يشارك الكرد في الدولة السورية؟».

تركيا نفسها تغيّر مقاربتها الكردية

المفارقة أن تركيا في الوقت ذاته تتحرك داخلياً في مسار مشابه.

فالعملية السياسية الجديدة المتعلقة بحزب العمال الكردستاني، ودعوة عبد الله أوجلان إلى إنهاء العمل المسلح، وما تلاها من إجراءات قانونية وسياسية تركية، تشير إلى محاولة نقل القضية الكردية في تركيا أيضاً من مرحلة الصراع المسلح إلى مرحلة السياسة والمؤسسات.[17]

وهذا لا يعني أن القضية الكردية في تركيا حُلّت.

فملفات اللغة والحقوق الثقافية والقوانين الأمنية ووضع أوجلان والتمثيل السياسي ما تزال قائمة.

لكن الاتجاه العام واضح: إنهاء البنية المسلحة مقابل توسيع المجال السياسي بصورة تدريجية.

هل نشهد إعادة صياغة إقليمية للقضية الكردية؟

إذا وضعنا سوريا وتركيا والعراق وإيران على خريطة واحدة، يمكن رؤية تحول أكبر.

هناك اتجاه إقليمي متزايد نحو رفض نموذج الحركة الكردية المسلحة العابرة للحدود، ومحاولة استبداله بنموذج يقوم على الحقوق السياسية والثقافية داخل حدود الدول القائمة.

أي أن الرسالة التي تتشكل تدريجياً يمكن اختصارها هكذا:

الحدود لن تتغير، والجيوش الكردية المستقلة لن تُقبل، لكن يمكن التفاوض على اللغة والهوية واللامركزية والتمثيل وتقاسم السلطة داخل الدولة.

وهذا تحول عميق في طبيعة القضية الكردية.

فالنموذج الذي ظهر بعد الحرب العالمية الأولى، ثم تعزز لاحقاً مع الحركات المسلحة في تركيا والعراق وإيران وسوريا، كان قائماً إلى حد بعيد على أن السلاح هو وسيلة فرض القضية على الدول المركزية.

أما المرحلة الحالية فقد تدفع باتجاه نموذج آخر: قوة سياسية كردية داخل الدولة وليس إلى جانبها.

العراق استثناء مهم

إقليم كردستان العراق يبقى الحالة المختلفة.

فالكرد في العراق حصلوا على اعتراف دستوري بالفيدرالية، وعلى حكومة وبرلمان وقوات أمن ومؤسسات مستقلة ضمن الدولة العراقية.

لكن لا توجد مؤشرات جدية على أن دمشق مستعدة لمنح كرد سوريا نموذجاً مماثلاً.

كما أن تركيا نفسها تتعامل مع إقليم كردستان العراق باعتباره أمراً واقعاً دستورياً وسياسياً، لكنها لا تريد استنساخ النموذج نفسه على حدودها السورية.

ومن هنا فإن النموذج السوري سيكون، على الأغلب، أقل من الفيدرالية وأكثر من المركزية البعثية القديمة.

والسؤال هو: أين بالضبط ستقف هذه اللامركزية؟

وماذا عن كرد إيران؟

هنا تبدو المسألة أكثر تعقيداً.

إذا انتهى المسار العسكري للـPKK في تركيا، وانتهى وجود قسد كقوة عسكرية مستقلة في سوريا، فإن الأحزاب الكردية المسلحة في إيران ستجد نفسها أمام بيئة إقليمية مختلفة تماماً.

سيزداد الضغط عليها للانتقال من العمل العسكري إلى السياسة والتفاوض.

لكن المشكلة الأساسية أن هذا النموذج لا ينجح بمجرد تخلي الطرف الكردي عن السلاح.

يحتاج أيضاً إلى دولة مستعدة للاعتراف بأن القضية الكردية قضية سياسية وليست أمنية فقط.

وفي الحالة الإيرانية لا توجد حتى الآن ضمانة بأن النظام مستعد لتقديم تنازلات مشابهة لما جرى في سوريا أو لما تناقشه تركيا.

ولهذا سيكون من الخطأ افتراض أن النموذج السوري يمكن نقله بصورة آلية إلى إيران.

هل ربح الكرد أم خسروا؟

السؤال بهذه الصيغة قد يكون مضللاً.

إذا قارنا الاتفاق بما امتلكته قسد قبل سنوات، فهي خسرت الكثير من عناصر السلطة الفعلية:

خسرت جيشاً مستقلاً، وإدارة موازية، والسيطرة المستقلة على الحدود والمعابر والنفط، وجزءاً كبيراً من القرار الأمني والسياسي.

لكن إذا قارنا ما حصل عليه الكرد بوضعهم في الدولة السورية خلال العقود السابقة، فهناك مكاسب يصعب إنكارها:

الاعتراف الرسمي بالهوية الكردية، الاعتراف باللغة، معالجة قضية الجنسية ومكتومي القيد، مشاركة في مؤسسات الجيش والدولة، إمكانية تولي مواقع عليا، استمرار عدد من المقاتلين في تشكيلات عسكرية متماسكة، وأشكال من الإدارة والأمن المحليين.

لذلك يمكن وصف الاتفاق بأنه انتقال من مشروع سلطة كردية مستقلة فعلياً إلى مشروع حقوق كردية داخل الدولة السورية.

خمسة عشر ألف شهيد… ما المقابل؟

لكن ثمة سؤال لا يمكن تجاهله.

قسد دفعت ثمناً بشرياً هائلاً في الحرب على «داعش»، وقد تحدث قادتها مراراً عن نحو خمسة عشر ألف قتيل من مقاتليها خلال سنوات الصراع.

لذلك من حق المجتمع الكردي أن يسأل: هل تكفي الحقوق الثقافية والجنسية والتمثيل الإداري لتكون المقابل السياسي لكل تلك التضحيات؟

هذا السؤال لا يجيب عنه مظلوم عبدي وحده ولا الحكومة السورية وحدها.

الجواب سيتحدد في الدستور السوري المقبل.

فإذا تحولت الاعترافات الحالية إلى حقوق دستورية لا يستطيع رئيس أو حكومة إلغاءها بمرسوم آخر، وإذا أُقر نظام حقيقي للامركزية وإدارة المناطق ومشاركة السكان في القرار والثروة والتعليم والثقافة، يمكن أن يصبح الاتفاق بداية انتقال تاريخي للكرد من مرحلة السلاح إلى مرحلة الشراكة السياسية.

أما إذا بقيت الحقوق مجرد مراسيم ووعود إدارية قابلة للتراجع، بينما انتقلت كل عناصر القوة العسكرية والاقتصادية إلى المركز، فسيطرح التاريخ سؤالاً أكثر قسوة:

هل تم دمج الكرد في الدولة، أم تم تفكيك قوتهم قبل ضمان حقوقهم؟

من البندقية إلى السياسة

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم.

حل قسد لا يعني حل القضية الكردية.

بل ربما يفصل للمرة الأولى بين أمرين اختلطا طويلاً: القضية الكردية بوصفها قضية حقوق وهوية ومواطنة، وقسد بوصفها تنظيماً عسكرياً وسياسياً نشأ في ظروف الحرب.

التنظيم يمكن أن يُحل.

أما سؤال اللغة والهوية والمشاركة والسلطة المحلية والعدالة وعودة المهجرين وتقاسم الموارد والضمانات الدستورية فلا يُحل بقرار عسكري.

وقد يكون المستقبل السياسي لمظلوم عبدي جزءاً من هذه المعادلة الجديدة: أن يتحول من قائد جيش إلى قائد حزب، ومن التفاوض بالسلاح إلى التفاوض بالأصوات والتحالفات والدستور.

وفي الوقت ذاته تتحرك تركيا من صراعها مع PKK إلى محاولة تسوية سياسية، بينما تراقب الأحزاب الكردية في إيران هذا التحول، ويبقى إقليم كردستان العراق النموذج الوحيد في المنطقة الذي نجح حتى الآن في تحويل الاعتراف بالقضية الكردية إلى بنية اتحادية دستورية.

لذلك قد لا يكون يوم 25 أغسطس/آب 2026 مجرد يوم نهاية قسد.

قد يكون أحد الأيام التي بدأ فيها الشرق الأوسط إعادة تعريف السؤال الكردي نفسه:

هل تبقى القضية الكردية قضية سلاح وحدود وكيانات، أم تتحول إلى قضية دستور وحقوق وشراكة داخل الدول القائمة؟

والإجابة لن تظهر في بيانات حل التنظيمات، بل في ما ستكتبه دساتير المنطقة، وما ستنفذه الحكومات بعد أن تصمت البنادق.

Notes

[1] وكالة الأنباء السورية «سانا»، 25 أغسطس/آب 2026، إعلان مظلوم عبدي حل قوات سوريا الديمقراطية واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة.

[2] اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج بين الحكومة السورية وقسد، 18 يناير/كانون الثاني 2026.

[3] اتفاقات نهاية يناير/كانون الثاني 2026 بشأن تشكيل ثلاثة ألوية من قوات قسد في منطقة الجزيرة ولواء لقوات كوباني ضمن الجيش السوري.

[4] الاتفاقات الخاصة بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية وتسليم المعابر وحقول النفط والغاز وملف سجون ومخيمات تنظيم «داعش» إلى مؤسسات الدولة السورية.

[5] المرسوم الرئاسي السوري رقم 13 لعام 2026، المادة المتعلقة باعتبار المواطنين السوريين الكرد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري والاعتراف بهويتهم الثقافية واللغوية.

[6] المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، المواد المتعلقة باعتبار اللغة الكردية لغة وطنية والسماح بتدريسها في المناطق ذات الكثافة الكردية.

[7] تصريحات ومقابلات مظلوم عبدي في أغسطس/آب 2026 بشأن تشكيل لجنة لمعالجة ملف التعليم الكردي واستمرار النقاش حول المناهج والتنفيذ.

[8] المرسوم رقم 13 لعام 2026 المتعلق بإلغاء التدابير الاستثنائية المترتبة على إحصاء الحسكة لعام 1962 ومعالجة أوضاع مكتومي القيد.

[9] وزارة الداخلية السورية، التعليمات التنفيذية المتعلقة بتسوية أوضاع الجنسية للمشمولين بالمرسوم رقم 13.

[10] اتفاق الحكومة السورية وقسد بشأن التمثيل المحلي في محافظة الحسكة وترشيح شخصيات عسكرية وأمنية ومدنية للعمل في مؤسسات الدولة.

[11] الترتيبات الأمنية المتعلقة بكوباني وتشكيل قوى أمن وشرطة محلية من أبناء المنطقة ضمن وزارة الداخلية السورية.

[12] اتفاقات دمشق وقسد بشأن انتقال إدارة المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز إلى الحكومة السورية.

[13] بنود الاتفاق المتعلقة بخروج قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين من الأراضي السورية.

[14] الاتفاقات المتعلقة بالعمل على ضمان العودة الآمنة والكريمة لمهجري عفرين والشيخ مقصود.

[15] تصريحات مظلوم عبدي وتقارير صحافية سورية وإقليمية خلال أغسطس/آب 2026 حول الانتقال إلى العمل السياسي ومشروع تأسيس حزب سوري جديد غير قائم على أساس إثني، مع بقاء تفاصيل اسم الحزب وقيادته النهائية قيد التبلور.

[16] تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ومواقف الحكومة التركية خلال 2025 و2026 بشأن اعتبار أنقرة البنية العسكرية لـYPG وقسد مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، والمطالبة بإنهاء أي قوة عسكرية مستقلة على الحدود السورية التركية.

[17] التطورات السياسية والقانونية التركية خلال 2026 المرتبطة بمسار إنهاء العمل المسلح لحزب العمال الكردستاني، ودعوة عبد الله أوجلان إلى إنهاء الصراع المسلح، والإجراءات البرلمانية التركية المرتبطة بعملية التسوية.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

موازنة بلا إصلاح مالي: من لا يجيد إدارة الأزمة فليرحل

أخباركم - أخبارنا/ د. وفيق ريحان إن طرح مشروع الموازنة على مجلس الوزراء بهذه...

الكتلة التاريخية وإنقاذ لبنان من مخالب الصراع الإقليمي!

أخباركم - أخبارنا / أكرم محمود مقدمة: جغرافيا القدر وبحثاً عن المخرجعاش لبنان عقوداً طويلة...