أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
كان والدي، رحمه الله، من جماعة جريدة «الحياة». وكانت تصل إلى بيروت متأخرة يوماً، آتية من لندن، في تلك المرحلة السابقة للاستحواذ الخليجي عليها. وكان انحياز الوالد إلى «الحياة» عميقاً، مرتبطاً أيضاً بإعجابه بالراحل كامل مروة وبخطه ومكانته. وكان شديد الحماسة في مواقفه إلى درجة أن خلافاً حول كامل مروة وصل به يوماً إلى الاشتباك مع إبراهيم قليلات.
هكذا كانت السياسة والصحافة في بيوتنا: ليستا موضوعاً للنقاش البارد، بل جزءاً من العاطفة والذاكرة والحياة اليومية.
أما محسوبكم، فكان في الضفة الأخرى.
كنت منحازاً إلى «السفير»، جريدة اليسار، أو الجريدة التي رأينا فيها يومها صوتاً مختلفاً: أقرب إلى أسئلتنا، إلى قلقنا، إلى فلسطين، وإلى ذلك العالم العربي الذي كنا نحلم بأن يكون أكثر عدلاً وحرية وأقل خضوعاً.
لم تكن «السفير» بالنسبة إليّ صحيفةً فقط. كانت طقساً. عنوانها، افتتاحياتها، مقالاتها، صفحاتها الثقافية والسياسية، وحتى خلافنا معها، كانت جزءاً من تكوين جيل كامل.
ولسنوات بقي اسم طلال سلمان بالنسبة إليّ مرتبطاً بتلك الجريدة التي نقرأها من بعيد. إلى أن شاءت الظروف أن أتعرف إليه شخصياً، وبطلب من الرئيس الراحل جلال طالباني، مام جلال.
كان لقاءً لا أنساه.
ذهبت إليه ومعي ضيوف مبعوثون من قبل مام جلال، فوجدت أمامي رجلاً مختلفاً عن صورة ناشر الجريدة ورئيسها الذي نعرفه من صفحات الصحافة. تعامل معي ومع ضيوفي بقمة الرقي والاحترام والكرم. بقيت تلك التفاصيل الصغيرة في ذاكرتي أكثر من كثير من الحوارات السياسية الكبيرة: طريقته في الاستقبال، احترامه للآخر، وإحساسك بأنك أمام رجل يعتبر الصحافة علاقةً بالناس قبل أن تكون مؤسسة أو نفوذاً.
رحم الله طلال سلمان.
بعد ثلاثة أعوام على غيابه، أدرك أكثر أن بعض الأشخاص لا يغيبون وحدهم، بل يأخذون معهم شيئاً من زمنهم.
وكانت «السفير» جزءاً من زمن طلال سلمان، مثلما كان هو روحاً أساسية فيها.
لها ما لها، وعليها ما عليها. اختلفنا معها كثيراً، وانتقدنا مواقف لها، وربما اكتشفنا لاحقاً أن بعض يقيننا السياسي في تلك السنوات كان يحتاج إلى مراجعة. فالصحف مثل البشر، تحمل تناقضات عصرها وأوهامه وأخطائه.
لكن كل ذلك لا يغيّر الحقيقة العاطفية البسيطة:
كانت «السفير» جريدتنا.
كنا نغضب منها، ثم نعود إليها. نختلف مع مقال، وننتظر مقال الغد. نرفض موقفاً، لكننا لا نستطيع تجاهل الصفحة الأولى. وكانت في لحظات كثيرة نافذتنا على بيروت والعرب وفلسطين والعالم، وعلى ذلك اليسار الذي اعتقدنا طويلاً أنه قادر على تغيير كل شيء.
واليوم، في ذكرى غياب طلال سلمان، لا أستعيد الرجل وحده، بل أستعيد أبي وهو يحمل «الحياة»، وأستعيد نفسي وأنا أختار «السفير»، وأبتسم لذلك الانقسام الجميل في البيت.
أستعيد زمناً كانت فيه الجريدة تدخل المنزل فتفتح نقاشاً، وربما شجاراً، وربما حكاية تستمر عشرات السنين.
وأستعيد لقاء طلال سلمان، ورسالة مام جلال، ووجوهاً رحلت واحداً بعد الآخر.
الصحف قد تتوقف، لكن بعض أصحابها يتركون فيها من أرواحهم ما يجعلها تبقى بعدهم في ذاكرة قرائها.
ولهذا، ورغم كل ما يمكن أن يقال عن «السفير»، أقولها اليوم بلا حسابات السياسة ولا مراجعات التاريخ:
رحم الله طلال سلمان… ورحم الله ذلك الزمن.
كانت «السفير»، رغم كل شيء، جريدتنا.



