أخباركم – أخبارنا / أكرم محمود
تُمثل السرقات التي تطال منازل القرى الجنوبية ومحالتها التجارية في أوقات النزوح والحروب واحدة من أكثر الظواهر قسوة وإيلاماً على المواطنين، إذ يجد الأهالي أنفسهم بين فكي الكارثة: خطر القصف والدمار من جهة، ونشاط عصابات السرقة والمستغلين من جهة أخرى. فمن كتب الله له ولبيته النجاة من الغارات والغارات المتواصلة، لم يسلم أثاثه وممتلكاته من أيدي العابثين الذين يستغلون غياب أصحاب الحقوق وخلو الأحياء من قاطنيها.
في ظل هذه الأوضاع، تبرز إشكالية عميقة تتصل بتقاسم المسؤوليات والاتهامات بين أطراف متعددة. ففي حين خرج بعض المواطنين عبر وسائل الإعلام متألمين وموجهين اللوم إلى الدولة ومؤسساتها الأمنية للقصور في حماية بيوتهم، تُطرح في المقابل تساؤلات ومفارقات لا يمكن التغاضي عنها حول الواقع الميداني على الأرض. فخلال فترات المواجهات والقصف المكثف، يكون الانتشار الأمني الرسمي للشرطة وقوى الأمن الداخلي غائباً كلياً ومستحيلاً من الناحية اللوجستية والعسكرية، إذ لا تمتلك المؤسسات الرسمية القدرة على تسيير دوريات في مناطق معرضة للاستهداف المباشر في أي لحظة.
على الجانب الآخر، يرى كثير من المراقبين والمواطنين المتضررين أن القوة الفعلية المتواجدة على الأرض والحاضرة في الميدان أثنائ الحرب وبعد جولات القصف هي عناصر حزب الله. ومن هذا المنطلق، تنشأ المفارقة الكبرى؛ إذ إن الجهة التي تطرح نفسها دائماً في موقع الحامي والمدافع عن المنطقة وسكانها، تُسائلها الناس عن سبب غياب دورها في حماية أملاكهم ووضع حد لعمليات النهب المنظمة. فالسرقات في كثير من الأحيان لا تتم في أوقات الهدوء، بل تقع في الخفاء أثناء ضربات المدفعية أو في الفترات القصيرة التي تلي جولات القصف مباشرة، وهي الأوقات نفسها التي تكون فيها عناصر الميدان موجودة وتراقب التحركات.
وفي المقابل، تجد من يبرر هذا الغياب بالقول إن العناصر العسكرية المتواجدة تحت النار تركّز مهامها وتكتيكاتها حصراً على المواجهة الميدانية، ولا تمتلك الصلاحيات أو آليات العمل الشرطي التي تمكّنها من ملاحقة اللصوص ومنع الجرائم الجنائية، فضلاً عن أن الحركة العلنية لضبط الشارع قد تجعلهم هدفاً للمسيّرات. إلا أن هذا التبرير لا يلغي حالة العتب الشديد لدى الشارع الذي يرى أن بسط النفوذ في المنطقة يتطلب بالضرورة إيجاد آليات حماية وتنسيق لحفظ أمن الناس الاجتماعي وممتلكاتهم، لكي لا يسقط جنى عمرهم بين إهمال الدولة وتخلي قوى الأمر الواقع.
وأمام هذا الفراغ الأمني الخطير، بادرت بعض البلديات في الجنوب إلى اتخاذ إجراءات احترازية وتنظيمية جادة للحد من هذه الظاهرة ولحماية ما تبقى من ممتلكات المواطنين والمحلات التجارية. وتجلت هذه الخطوات في فرض آليات مشددة على حركة نقل الأثاث والبضائع من وإلى القرى. حيث فرضت البلديات على أي شخص يرغب في نقل أثاث منزله أو محتويات متجره ضرورة الاستحصال على تصريح مسبق وخطي من المجلس البلدي أو الجهات المختصة.
تتضمن هذه الإجراءات التدقيق الصارم في هوية سائقي الشاحنات والناقلين، والتحقق من ملكية الأثاث عبر إبراز وثائق رسمية أو تأكيد من مختار المحلة أو جيران العقار، بالإضافة إلى تسجيل كافة البيانات المتعلقة بنوعية المحتويات والوجهة المقصودة ورقم الآلية الناقلة وتاريخ النقل. وقد أسهمت هذه الخطوة الاحترازية في ضبط الشوارع وإرباك السارقين الذين كانوا يستغلون فوضى النزوح لإخراج الشاحنات المحملة بالمروقات تحت ذريعة نقل الأثاث الشخصي، مما أتاح للشرطة البلدية ولجان الحراسة الأهلية القدرة على توقيف أي آلية لا تحمل تصريحاً رسمياً ومصادرتها وإحالة من فيها إلى الجهات المختصة.
إن تضافر الجهد الأهلي والمبادرات البلدية التنظيمية يظل خط الدفاع الأخير في وجه هذا النزيف، لكنه يسلّط الضوء مجدداً على أن حماية المجتمع وممتلكاته لا تكتمل إلا بوجود مؤسسات رسمية فاعلة تتكامل مع تضامن أبناء البلدة الواحدة، حتى لا يبقى المواطن ضحية مضاعفة للنزوح وللنهب في آن واحد.



