أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
هنّأ رئيس الجمهورية جوزاف عون الأمن العام اللبناني في عيده، مستحضراً تاريخ المؤسسة ودورها في حماية الأمن والاستقرار والسيادة. كلام يليق بالمناسبات الرسمية، ولا اعتراض على أن يحيّي رئيس الجمهورية مؤسسة من مؤسسات الدولة وعسكرييها وموظفيها الذين يؤدون واجبهم. لكن السؤال الذي تفرضه الوقائع، لا الخصومة السياسية، هو: هل يكفي أن نحتفل بالمؤسسة بينما ملفات خطيرة مرتبطة بها لا تزال تنتظر أجوبة واضحة؟
وبعبارة المتنبي التي تكاد تختصر حال المؤسسات اللبنانية: «عيدٌ بأيّة حالٍ عدتَ يا عيدُ؟»
المشكلة ليست في العيد، ولا في آلاف الموظفين والعسكريين الذين لا يجوز تحميلهم مسؤولية تجاوزات أفراد أو شبكات. المشكلة أن رئيس الجمهورية، وهو يتحدث عن الأمن العام بوصفه ركناً من أركان الدولة والسيادة، لم يجد في المناسبة ما يستوجب كلمة واحدة عن ملفات هزّت أخيراً الثقة بإحدى أكثر الوثائق السيادية حساسية: جواز السفر اللبناني.
فكيف يمكن الحديث عن السيادة، بينما القضاء نفسه يضع يده على ملف يتعلق بمعلومات عن جوازات لبنانية صادرة بأسماء مستعارة أو خلافاً للأصول؟ وكيف يمكن الاحتفال قبل أن يعرف اللبنانيون من أصدرها، ومن مرّرها، ومن استفاد منها، ومن حمى الشبكات التي تلاعبت بالوثيقة التي تقول للعالم: هذا الشخص لبناني، والدولة اللبنانية تضمن هويته؟
من جواز السفر إلى سؤال السيادة
في 12 آذار/مارس 2026، تقدمت النائبة غادة أيوب بإخبار أمام النيابة العامة التمييزية بشأن معلومات عن إصدار جوازات سفر لبنانية بأسماء مستعارة أو بطرق مخالفة للأصول لأشخاص مرتبطين بتنظيمات مسلحة. ووفق ما نشرته «النهار»، أرسلت النيابة العامة كتاباً إلى المديرية العامة للأمن العام للحصول على معلومات وتفاصيل إضافية. وفي أيار، قالت أيوب إن الملف لا يزال لدى الأمن العام وإن جواباً واضحاً لم يكن قد صدر بعد. [1]
هذه ليست «نميمة سياسية». هناك إخبار قضائي وتحرك من النيابة العامة وأسئلة رسمية موجهة إلى الأمن العام.
الأخطر أن المعلومات المنشورة تناولت احتمال وصول جوازات لبنانية إلى أفراد مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني، وكذلك إلى مسؤولين أو عناصر في حزب الله. وذكرت «النهار» أن الجوازات موضوع الشبهة سليمة من حيث الشكل والإجراءات التقنية، لكن الإشكال يكمن في الهوية أو الاسم الذي صدرت على أساسه، وأن العدد النهائي للجوازات والأشخاص المستفيدين منها لم يكن قد حُسم بعد. [1]
وهنا تصبح القضية أكبر من تزوير عادي.
إذا زوّر مواطن جواز سفر، فنحن أمام جريمة تزوير. أما إذا استطاعت شبكة الوصول إلى منظومة رسمية بحيث تنتج الدولة نفسها وثيقة صحيحة شكلاً لشخص يحمل هوية لا تخصه، فنحن أمام اختراق لمفهوم الهوية الوطنية نفسه.
جوازات الأموات: السؤال الأكثر رعباً
وفي 19 آب/أغسطس عاد الملف بصورة أكثر إثارة للقلق. فقد نقلت تقارير عن مصادر أمنية لبنانية رفيعة أن الأجهزة شددت إجراءات التدقيق في المنافذ الجوية والبرية بعد معلومات عن محاولات لإدخال أشخاص مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني مستخدمين جوازات سفر لبنانية تحمل بيانات أشخاص متوفين وصور الأشخاص الذين يستخدمونها فعلياً. [2]
يجب هنا الالتزام بالأصول الصحافية: هذه المعلومات ليست حتى الآن حكماً قضائياً نهائياً، ولا يجوز تقديمها باعتبارها حقيقة قضائية مكتملة. لكنها أيضاً ليست خبراً يمكن للدولة تجاهله. إنها اتهامات أمنية خطيرة تستوجب تحقيقاً علنياً وشفافاً.
فإذا كانت المعلومات صحيحة، يصبح السؤال: من يستطيع الوصول إلى بيانات المتوفين؟ ومن يستطيع إدخال صورة شخص حي على هوية شخص ميت؟ ومن يملك القدرة على تمرير الوثيقة عبر المراحل الإدارية والتقنية؟ وهل نتحدث عن حالات فردية، أم عن شبكة، أم عن منظومة استُخدمت على مدى سنوات؟
ماذا جرى داخل الأمن العام؟
هناك ملف آخر أكثر تحديداً يتعلق بشبكة قيل إنها استغلت أزمة جوازات السفر. ووفق معلومات قضائية نشرتها وسائل إعلام لبنانية، دارت الشبهات حول ثلاثة عسكريين، وعن استغلال اللوائح الاستثنائية التي كانت تصدر لتسريع معاملات الجوازات أثناء الأزمة، بحيث كانت تضاف أسماء إلى لوائح رسمية مقابل مبالغ مالية. [3]
وهذا يقود إلى السؤال الذي لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام شخصي بلا دليل، لكنه لا يجوز دفنه أيضاً:
إلى أي مستوى وصلت الشبكة؟
ليس المطلوب أن نفترض أن المدير العام كان يعرف. وليس من الأصول أن ننسب إليه مسؤولية جنائية لم يثبتها القضاء. لكن المسؤولية السياسية والإدارية شيء، والمسؤولية الجزائية شيء آخر.
عندما يقع اختراق بهذا الحجم داخل مؤسسة أمنية، فمن حق اللبناني أن يسأل عن منظومة الرقابة وعن المسؤولين المباشرين وغير المباشرين وعن كيفية وصول أشخاص إلى لوائح ومعاملات بهذه الحساسية.
عباس إبراهيم ينفي… لكن النفي لا يقفل الملف
المدير العام السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم رفض الربط بين هذه الوقائع وعهده. وفي بيان صادر عن مكتبه في 21 أيار/مايو، أكد أن عمليات التزوير التي جرى تداولها لم تحصل في عهده، وأنها لم تكن مخصصة لإيرانيين بل لأشخاص من جنسيات مختلفة، وأن القضاء عالجها في حينها.
وقدم البيان نقطة مهمة أخرى: التزوير، وفق روايته، لم يكن في جوازات السفر نفسها، وإنما في المستندات الثبوتية التي قُدمت للحصول عليها، وأن مسؤولية الأمن العام لا تقوم إلا إذا ثبت تواطؤ العناصر المكلفين بالتدقيق مع الجهات التي قدمت الوثائق المزورة. [4]
هذا الرد يجب أن يُنشر ويُحترم باعتباره حقاً كاملاً للواء إبراهيم في الدفاع عن سجله.
لكنه لا يلغي الأسئلة.
بل ربما يجعل التحقيق أكثر ضرورة: إذا كانت هناك أحكام قضائية كما يقول مكتب إبراهيم، فلماذا لا تنشر الدولة خلاصاتها للرأي العام، مع احترام مقتضيات السرية؟ متى حصلت الجرائم تحديداً؟ من أدين؟ وما رتبته ووظيفته؟ وكيف استطاع تجاوز التدقيق؟ ومن استفاد من الجوازات؟
النفي الإعلامي ليس بديلاً عن كشف الحقيقة القضائية.
وقرار الإيرانيين بلا ختم؟
ولا يمكن عند مراجعة هذه المرحلة تجاهل الجدل الذي وقع عام 2018، عندما ثار خلاف سياسي حول دخول الإيرانيين إلى لبنان وخروجهم من دون وضع الختم مباشرة على جواز السفر، واستخدام بطاقة منفصلة بدلاً منه.
يومها دافع عباس إبراهيم عن الإجراء، وقال إن حركة الدخول والخروج محفوظة إلكترونياً وإن استخدام البطاقة المنفصلة ليس إجراءً مستحدثاً خصيصاً للإيرانيين بل ممارسة موجودة منذ سنوات. كما أكد الأمن العام قانونية الإجراء. [5]
هذا الملف ليس تزويراً ولا يجوز خلطه بقضية الجوازات الحالية. لكن استعادته اليوم مشروعة سياسياً، لأن السؤال الذي أثير آنذاك كان: لماذا يحتاج الإيراني الداخل إلى لبنان إلى عدم ظهور الختم اللبناني على جوازه؟
قد تكون للإدارة إجابة قانونية وتقنية. لكن تراكم الملفات هو الذي يجعل العودة إليها اليوم ضرورية.
المؤسسة ليست مديرها
وهنا يجب وضع خط فاصل حتى لا يتحول النقد إلى ظلم.
الأمن العام اللبناني ليس عباس إبراهيم، وليس حسن شقير، وليس أي مدير آخر. المؤسسة عمرها عقود، وعمل فيها آلاف العسكريين والموظفين، وكثيرون منهم قاموا ويقومون بواجبهم بشرف.
ولهذا تحديداً فإن كشف الفساد يحمي الأمن العام ولا يهدمه.
الذي يهدم المؤسسة هو تحويلها إلى منطقة محرمة لا يجوز السؤال عما جرى فيها.
والذي يهين العسكري النزيه ليس الصحافي الذي يسأل عن الفاسد، بل الفاسد الذي استخدم الزي والمؤسسة لتغطية فعلته.
أين رئيس الجمهورية؟
من هنا نعود إلى تهنئة الرئيس جوزاف عون.
الرئيس الآتي أصلاً من قيادة الجيش يعرف أكثر من غيره معنى المؤسسة العسكرية والأمنية. ويعرف أن هيبة المؤسسة لا تبنى بالبيانات الاحتفالية وحدها، وإنما بالمحاسبة.
كان يمكن للرئيس، وهو يهنئ الأمن العام، أن يقول جملة واحدة:
نهنئ الشرفاء، ونريد كشف الحقيقة كاملة في كل ملف يمس سمعة المؤسسة وجواز السفر اللبناني.
لم يقلها.
وهنا يصبح الصمت سياسياً.
ليس لأننا نستطيع أن نستنتج منه أن الرئيس يحمي أحداً؛ فهذا اتهام لا دليل عليه. وإنما لأن رئيس الجمهورية الذي يجعل استعادة الدولة والسيادة عنواناً لعهده لا يستطيع أن يطالب المواطنين بالثقة بالمؤسسات من دون مطالبة المؤسسات نفسها بالشفافية.
إذا كانت ملفات الجوازات مفبركة، فلتعلن نتائج التحقيق ويحاسَب من افترى.
إذا كانت حالات فردية، فلتعلن أسماء المسؤولين عنها وفق ما يسمح به القانون.
إذا كانت شبكة فساد، فلتُفكك.
وإذا ثبت أن جهة سياسية أو أمنية أو حزبية استفادت منها، أياً تكن هذه الجهة، فهنا تبدأ المعركة الحقيقية لاستعادة الدولة.
من حمل جواز لبنان؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن يطرح في عيد الأمن العام:
من حمل جواز الجمهورية اللبنانية وهو ليس الشخص الذي يقول الجواز إنه هو؟
كم جوازاً صدر؟
لمن؟
بأي أسماء؟
هل استُخدمت أسماء أموات؟
هل حصل أشخاص مرتبطون بالحرس الثوري الإيراني على وثائق لبنانية؟
هل استفاد عناصر أو مسؤولون في حزب الله؟
من سهّل المعاملات؟
هل كانت هناك لوائح استثنائية؟
من أضاف الأسماء إليها؟
ومن راقب؟
ومن حاسب؟
وأين انتهت التحقيقات؟
هذه أسئلة، وليست أحكام إدانة. لكن عندما تصبح الأسئلة بهذا الحجم، يصبح الامتناع عن الإجابة مشكلة دولة.
بأيّة حال عدت يا عيد؟
نريد الأمن العام قوياً.
لكننا نريده قوياً بالدولة لا بالأسرار، بالقانون لا بالتسويات، وبثقة اللبناني بجواز سفره لا بخوفه من أن تكون هوية بلاده قد تحولت في مرحلة ما إلى غطاء لشخص آخر.
ونريد من الرئيس جوزاف عون أن يهنئ الأمن العام، نعم، ولكننا نريد منه أكثر من ذلك: أن يستخدم موقعه لإعادة الاعتبار إلى المؤسسة عبر فتح الملفات لا إغلاقها، ونشر ما يسمح القانون بنشره من نتائج التحقيقات، وإعطاء القضاء الحرية للوصول إلى كل اسم مهما علت رتبته أو كبر نفوذه.
لا نتهم عباس إبراهيم بما لم يثبته القضاء، ولا ندين حزب الله أو الحرس الثوري استناداً إلى تقارير صحافية وحدها. لكننا أيضاً نرفض أن تتحول عبارة «لم يثبت» إلى وسيلة لمنع التحقيق في ما يجب إثباته أو نفيه.
فالفرق كبير بين دولة تقول: لا دليل، لذلك سنحقق، ودولة تقول: لا دليل، لذلك اصمتوا.
وفي عيد الأمن العام الحادي والثمانين، ربما تكون أفضل هدية للمؤسسة ليست خطاباً ولا وساماً ولا صورة تذكارية.
أفضل هدية هي الحقيقة.
عيدٌ بأيّة حالٍ عدتَ يا عيد؟
عدتَ هذه المرة وجواز السفر اللبناني نفسه يطرح السؤال: من كنتُ أحمل حقاً، اللبناني الذي يحمل اسمي، أم شخصاً آخر منحته شبكة ما هوية وطن لم يكن وطنه؟
Notes
[1] النهار، أيار/مايو 2026: متابعة الإخبار الذي تقدمت به النائبة غادة أيوب أمام النيابة العامة التمييزية في 12 آذار بشأن معلومات عن جوازات سفر بأسماء مستعارة أو مخالفة للأصول، ومطالبة الأمن العام بتقديم المعلومات المطلوبة إلى القضاء.
[2] إرم نيوز، 19 آب/أغسطس 2026: تقارير نقلاً عن مصادر أمنية لبنانية بشأن معلومات عن محاولات استخدام جوازات لبنانية تحمل بيانات أشخاص متوفين لدخول أشخاص مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني. هذه المعلومات ما زالت منسوبة إلى مصادر أمنية وليست حكماً قضائياً نهائياً.
[3] Beirut24، أيار/مايو 2026: تقارير عن التحقيق في شبكة استغلت معاملات ولوائح استثنائية خلال أزمة جوازات السفر، مع معلومات قضائية عن تورط عسكريين وآلية إضافة أسماء إلى لوائح معاملات.
[4] MTV Lebanon، 21 أيار/مايو 2026: بيان المكتب الإعلامي للواء عباس إبراهيم، الذي نفى حصول العمليات المتداولة خلال عهده أو اقتصارها على إيرانيين، وقال إن التزوير كان في المستندات الثبوتية وإن الحالات عولجت قضائياً.
[5] الجريدة، حزيران/يونيو 2018: الجدل بشأن عدم وضع ختم الدخول والخروج مباشرة على جوازات الإيرانيين واستخدام بطاقة منفصلة، مع دفاع عباس إبراهيم والأمن العام عن قانونية الإجراء.



