الأحد, سبتمبر 6, 2026
25.8 C
Beirut

من اغتال جورج حاوي؟ إلى «مشعل يسار»: حين تصبح المؤامرة بديلاً عن الدليل

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

استكمالاً لمقالتي الأخيرة حول اغتيال الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، قرأت رداً مطولاً كتبه شخص يقدّم نفسه باسم «مشعل يسار»، حسم فيه ما عجزت عنه التحقيقات والمحاكم وأجهزة الاستخبارات طوال أكثر من عشرين عاماً: أميركا وإسرائيل، وتحديداً CIA والموساد، اغتالا رفيق الحريري وجورج حاوي وسائر الشخصيات التي استُهدفت في تلك المرحلة!

كنت أتوقع، أمام هذا اليقين، أن أجد وثيقة أو شاهداً أو تسجيلاً أو شبكة اتصالات أو اسماً لمنفذ أو آمر بالاغتيال. بحثت في النص فلم أجد شيئاً من ذلك. وجدت أميركا وإسرائيل والسعودية وشيراك وعبد الناصر وأيلول الأسود والحرب الأهلية والنيوليبرالية وسوروس وبريجينسكي والبرجوازية الكمبرادورية ولعبة الشطرنج والبيادق، ثم خرج الكاتب من هذه الرحلة الطويلة بالنتيجة التي كان قد قررها قبل أن يبدأ: الموساد وCIA هما القاتلان.

وهنا تصبح المشكلة أكبر من الخلاف حول جورج حاوي. إنها مشكلة منهج: هل نبدأ بالدليل لنصل إلى المتهم، أم نختار المتهم أولاً ثم نعيد تركيب التاريخ كله كي يقود إليه؟

وقبل الدخول في الوقائع، يحق لي أن أسأل: من هو «مشعل يسار»؟

إذا كان هذا اسمه الحقيقي، فليعرّف بنفسه. وإذا كان اسماً مستعاراً فهذا حقه، فالصحافة والفكر السياسي عرفا الأسماء المستعارة طويلاً. لكن عندما يتحول صاحب الاسم المستعار إلى محقق وقاضٍ يوزع تهم القتل والعمالة والخيانة ويحدد أجهزة دولية باعتبارها منفذة لعمليات اغتيال، يصبح السؤال عن هويته مشروعاً. أنا أكتب باسمي وأتحمل مسؤولية ما أكتب؛ فمن هو الرجل الذي يصدر أحكامه بهذه الثقة من وراء «مشعل يسار»؟

لنترك الاسم جانباً ونذهب إلى الوقائع.

في قضية اغتيال رفيق الحريري، أدانت المحكمة الخاصة بلبنان سليم جميل عياش. ولاحقاً، في الاستئناف، أُدين حسن حبيب مرعي وحسين حسن عنيسي. وفي المقابل، ومن باب الأمانة التي لا يجوز التضحية بها حتى في أشد السجالات السياسية، لم تقل المحكمة إن قيادة حزب الله قررت اغتيال الحريري، بل خلصت إلى عدم وجود دليل يثبت تورط قيادة الحزب في الجريمة، كما لم تجد دليلاً مباشراً على تورط القيادة السورية.

هذه حقيقة يجب ذكرها كاملة.

ولكن ثمة حقيقة أخرى لا تقل أهمية: المحكمة لم تقل إن الموساد أو CIA اغتالا الحريري أيضاً.

فمن أين جاء «مشعل يسار» بيقينه؟

أين التحقيق الذي يستند إليه؟ أين الوثيقة؟ أين المنفذ؟ أين شبكة الاتصالات؟ أين الأمر العملياتي؟ أين الشاهد؟

لا شيء.

أما ملف جورج حاوي فهو أكثر إحراجاً لهذه النظرية. فقد اعتبرت المحكمة الخاصة بلبنان أن اغتيال حاوي في 21 حزيران/يونيو 2005 ومحاولتي اغتيال مروان حمادة وإلياس المر مرتبطتان باعتداء 14 شباط/فبراير 2005 الذي قتل فيه الحريري. وفي عام 2019 صدرت لائحة اتهام بحق سليم عياش نفسه بشأن الاعتداءات الثلاثة، ومنها اغتيال جورج حاوي.

وهنا أيضاً يجب أن نكون دقيقين: عياش اتُّهم في قضية حاوي، ولم يصدر حكم نهائي يدينه باغتياله، لأن هذه القضية لم تصل إلى نهايتها القضائية بعد الأزمة المالية التي أصابت المحكمة وأوقفت عملها. والاتهام ليس إدانة.

لكن مجرد وجود المتهم نفسه في مسار التحقيق في القضيتين يفرض سؤالاً لا يستطيع «مشعل يسار» محوه بفقرة عن بريجينسكي أو سوروس: ماذا نفعل بهذه الوقائع؟

هل سليم عياش أيضاً عميل للموساد؟ وهل كل التحقيقات وشبكات الاتصالات والروابط التي بنت عليها المحكمة ملفاتها جزء من عملية CIA هائلة امتدت سنوات؟ ربما يستطيع صاحبنا ادعاء ذلك أيضاً، ولكن عليه عندها أن يقدم دليلاً، لا أن يضيف مؤامرة جديدة لتفسير غياب الدليل عن المؤامرة السابقة.

المشكلة المركزية في مقاله أنه يحوّل قاعدة «من المستفيد؟» إلى حكم بالإدانة.

نعم، الولايات المتحدة استفادت سياسياً من خروج الجيش السوري من لبنان. ونعم، إسرائيل كانت معنية بإضعاف خصومها في لبنان وسوريا. ونعم، اغتيال الحريري أحدث انقلاباً سياسياً هائلاً ساهم في تسريع الانسحاب السوري.

كل ذلك يصلح للتحليل السياسي.

لكنه لا يثبت من وضع المتفجرات.

فالاستفادة من الجريمة قد تكون سبباً للتحقيق مع المستفيد، لكنها ليست دليلاً على أنه ارتكبها. وإلا أصبح كل وريث مشتبهاً بقتل مورّثه، وكل سياسي حل مكان سياسي مقتول قاتله، وكل دولة استفادت من سقوط خصم مسؤولة عن إسقاطه.

بهذا المنهج يمكن إثبات أي شيء ونقيضه.

أما استحضار كتاب زبغنيو بريجينسكي «رقعة الشطرنج الكبرى» ليصبح دليلاً على اغتيالات لبنان، فليس تحقيقاً جنائياً ولا حتى استدلالاً تاريخياً. بريجينسكي كتب في الجيوبوليتيك والاستراتيجية الأميركية؛ لم يكتب اعترافاً باغتيال جورج حاوي. وتشبيه الدول والفاعلين بالبيادق لا يحول كل قتيل سياسي إلى بيدق اغتالته واشنطن.

الأمر نفسه ينطبق على ديتليف ميليس. يمكن انتقاد ميليس والتحقيق الدولي والمحكمة الخاصة بلبنان، ويمكن مناقشة التسييس والضغوط الدولية والثغرات في التحقيقات. لا توجد مؤسسة فوق النقد. لكن تقرير لجنة التحقيق الدولية برئاسة ميليس لم يقل إن الموساد وCIA نفذا الجريمة. بل تحدث في مرحلته التحقيقـية عن أدلة متقاطعة تشير إلى تورط لبناني وسوري، من دون أن يكون ذلك حكماً قضائياً نهائياً.

إذن لا يكفي أن نسمي ميليس «دجالاً» كي تختفي الوقائع التي لا تعجبنا.

وأنا بدوري لن أرتكب الخطأ المعاكس.

لا يوجد حكم قضائي يقول إن حسن نصرالله شخصياً أمر باغتيال جورج حاوي، ولا حكم يثبت أن بشار الأسد شخصياً أعطى الأمر بقتله. وإذا كنت أطرح مسؤوليتهما السياسية والأمنية وأشكك بدور النظام السوري وحزب الله في البيئة التي شهدت تلك الاغتيالات، فإنني أميز بين الشبهة السياسية والمسؤولية القضائية المثبتة.

وهنا يكمن الفرق الأساسي بين مقالي وبين نص «مشعل يسار»: أنا لا أريد استبدال رواية يقينية برواية يقينية أخرى.

أريد فتح السؤال.

من اغتال جورج حاوي؟ من كان يخشاه؟ من قرر أن الرجل الذي خرج من قيادة الحزب الشيوعي وبدأ يتحرك في فضاء سياسي مختلف يجب أن يصمت إلى الأبد؟ لماذا جاء اغتياله في ذلك التوقيت؟ وما العلاقة بين اغتياله وسلسلة الاغتيالات ومحاولات الاغتيال الأخرى؟

هذه أسئلة مشروعة.

أما أن تكون الإجابة جاهزة سلفاً: «الموساد وCIA»، ثم نعيد كتابة تاريخ لبنان منذ اتفاق القاهرة كي نصل إليها، فهذه ليست إجابة، بل عقيدة تبحث عن أدلة.

والأغرب أن «مشعل يسار» لا يقول: أرجّح، أو أشتبه، أو أطرح فرضية. إنه يتحدث كما لو كان جالساً في غرفة العمليات يوم اتخاذ القرار.

فكيف عرف؟

من أصدر الأمر؟

من نفذ؟

من صنع العبوة؟

من راقب حاوي؟

ما الدليل التقني؟

ما الوثيقة؟

من الشاهد؟

لا جواب.

ومع ذلك هناك قاتل محدد ويقين مطلق.

هذا النوع من التفكير ليس دفاعاً عن اليسار، بل إساءة إليه. فاليسار الذي تعلمناه يفترض أن يبدأ بتحليل الواقع المادي لا بتحويل الموقف من الإمبريالية إلى مفتاح سحري يفسر كل حدث في العالم. أن تكون CIA صاحبة تاريخ طويل من التدخلات والانقلابات والعمليات السرية لا يعني أنها نفذت تلقائياً كل اغتيال سياسي. وأن يكون للموساد تاريخ موثق في الاغتيالات لا يجعل اتهامه في جريمة محددة حقيقة من دون دليل.

ومن هنا أعيد السؤال إلى صاحب الاسم المستعار:

يا «مشعل يسار»، أعطنا دليلك.

ليس تاريخ الإمبريالية الأميركية.

ليس جرائم إسرائيل.

ليس سوروس.

ليس بريجينسكي.

ليس «من المستفيد؟».

دليلك على اغتيال جورج حاوي.

وثيقة واحدة.

شاهد واحد.

منفذ واحد.

رابط عملياتي واحد.

وعندما تقدمه، أنا مستعد لمناقشته علناً، وإذا كان مقنعاً فسأعيد النظر في موقفي.

أما حتى ذلك الحين، فسأتمسك بقاعدة تبدو شديدة البساطة لكنها أصبحت نادرة في سجالاتنا السياسية:

نبحث عن الدليل أولاً، ثم نبحث عن القاتل، لا أن نختار القاتل أولاً ثم نبحث عن التاريخ الذي يناسبه.

وقد ختم «مشعل يسار» كلامه قائلاً: «ابحث عن الموساد والسي آي إي».

وأنا أقول للقارئ:

ابحث عن الدليل.

إذا قاد إلى الموساد، فلن أتردد في قول الموساد. وإذا قاد إلى CIA سأقول CIA. وإذا قاد إلى النظام السوري سأقول النظام السوري. وإذا قاد إلى عناصر من حزب الله سأقول حزب الله. وإذا أثبت براءة من أشتبه بهم، سأكتب أنهم أبرياء.

فالصحافي ليس موظفاً لدى ذاكرة الحرب الباردة، والحقيقة لا تحمل بطاقة حزبية.

أما «مشعل يسار»، فبعد أن أخذنا من الموساد إلى CIA، ومن شيراك إلى سوروس، ومن عبد الناصر إلى بريجينسكي، ومن النيوليبرالية إلى البقر والضفادع والبيادق، بقيت في مقاله فجوة صغيرة واحدة:

الدليل.

وبقي سؤال آخر، أقل أهمية من اغتيال جورج حاوي، لكنه أصبح مثيراً للفضول:

من هو «مشعل يسار» الذي يعرف كل هذه الأسرار ولا يريدنا أن نعرف حتى من يكون؟

Notes

  1. لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التقرير S/2005/662، 20 تشرين الأول/أكتوبر 2005.
  2. المحكمة الخاصة بلبنان، Prosecutor v. Ayyash et al.، حكم 18 آب/أغسطس 2020؛ إدانة سليم جميل عياش في قضية اغتيال رفيق الحريري.
  3. المحكمة الخاصة بلبنان، حكم الاستئناف، 10 آذار/مارس 2022؛ إدانة حسن حبيب مرعي وحسين حسن عنيسي بعد نقض تبرئتهما في المرحلة الابتدائية.
  4. حكم المحكمة في قضية الحريري لم يثبت أن قيادة حزب الله شاركت في قرار الاغتيال، ولم يثبت تورط القيادة السورية مباشرة في الجريمة.
  5. المحكمة الخاصة بلبنان اعتبرت الاعتداءات على مروان حمادة وجورج حاوي وإلياس المر مرتبطة باعتداء 14 شباط/فبراير 2005.
  6. في عام 2019 أُعلنت لائحة اتهام بحق سليم جميل عياش بشأن الاعتداءات على حمادة وحاوي والمر، ومن الضروري قانونياً عدم الخلط بين لائحة الاتهام والإدانة النهائية.
  7. لم تصل قضية اغتيال جورج حاوي ومحاولتي اغتيال حمادة والمر إلى حكم نهائي في موضوع الاتهامات ضد عياش بعد الأزمة المالية التي أدت إلى تعليق أعمال المحكمة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من الحرس الشعبي إلى ظلّ حزب الله: حين يتوقف الماركسي عن نقد حليفه

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد ليست المشكلة في أن يلتقي ماركسي مع إسلامي في معركة...

حرب على الرموز !

أخباركم - أخبارنا نقلاً عن صفحة الفيسبوك للكاتبة بادية فحص في الليلة الماضية دمّرت...

الكتلة التاريخية وإنقاذ لبنان من مخالب الصراع الإقليمي!

أخباركم - أخبارنا / أكرم محمود مقدمة: جغرافيا القدر وبحثاً عن المخرجعاش لبنان عقوداً طويلة...

عطايا.. سيدة الحكايات المخبأة في طيات الثوب العتيق!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ترجلت الرفيقة الحنونة، الحجة عطايا أحمد ظاهر، ومضت في...

More like this

من الحرس الشعبي إلى ظلّ حزب الله: حين يتوقف الماركسي عن نقد حليفه

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد ليست المشكلة في أن يلتقي ماركسي مع إسلامي في معركة...

من «لن نتخلى عنها» إلى «ليست كارثة»: هل يتراجع خطاب حزب الله ليُعوّدنا على خريطة جديدة للبنان؟

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد في لبنان مثل شعبي يلخص أحياناً مشهداً سياسياً كاملاً: «الدني...