أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود
لم تكن حركة التنوير الفكري مجرد ثورة على الهياكل السياسية، بل كانت في جوهرها معركة ضد الأصنام التي تحكم العقول. وعندما أصدر عالم الاجتماع العراقي عبد الجليل الطاهر كتابه التأسيسي “أصنام المجتمع” عام 1959، لم يكن يهدف إلى نبش التاريخ أو إعادة قراءة الوثنية بمعناها العبادي القديم، بل كان ينفذ قراءة تشريحية للواقع العربي المعاصر. استعار الطاهر المفهوم الفلسفي الذي أرساه فرانسيس بيكون حول أوهام العقل (مثل أوهام الكهف والسوق والمسرح)، ثم نقله من الفلسفة الذهنية إلى علم الاجتماع التطبيقي والتحليل النفسي الجمعي.
الصنم في هذا السياق المعرفي ليس حجراً يُعبد، بل هو كل فكرة، أو مؤسسة، أو شخص، أو رمز يُسبغ عليه المجتمع هالة من التقديس المطلق، ويُرفَع فوق مستوى التساؤل والنقد. الصنم هو الفكرة التي تحبها وتطمئن إليها إلى درجة أنك ترفض اختبار صحتها، وترى في مجرد الاقتراب منها تهديداً لوجودك. إنها الحالة التي يتنازل فيها الفرد عن حقه الأصيل في التفكير النقدي والشك المنهجي لصالح يقين زائف يمنحه إياه الوعي الجمعي.
أولاً: سيكولوجية الوهم وآلية تشكُّل التابو
تنشأ الأصنام الاجتماعية عبر سيرورة معقدة تبدأ كحاجة بشرية مشروعة وتنتهي بكارثة معرفية:
- من الرمز إلى الصنم: تبدأ الأفكار عادة كحلول مرحلية لمشاكل واقعية، أو كرموز لفضائل وأهداف نبيلة (كالعدالة، أو التحرر، أو الحفاظ على الهوية). مع مرور الوقت، وبفعل التكرار والتلقين المؤسسي، يُنزع السياق التاريخي والإنشائي عن هذه الأفكار، فتتحول من أدوات تحرير إلى قالب جامد.
- التأليه المعنوي والتأطير الأخلاقي: بمجرد تحول الفكرة إلى صنم، يُربط التمسك بها بالفضيلة الأخلاقية والانتماء للجماعة، بينما يُربط التشكيك فيها بالخيانة، أو التفسق، أو الانسلاخ. يُصبح المحظور الفكري حارس الصنم؛ وهو ليس مجرد نهي عن الفعل، بل هو نهي عن السؤال.
- العبودية المختارة: يستسلم الفرد للوعي المعلّب لأن مواجهة الصنم تتطلب شجاعة فردية وتحملاً لكلفة العزلة. يفضل العقل الإنساني في كثير من الأحيان راحة الانقياد داخل القطيع على مخاطرة البحث الحر عن الحقيقة.
ثانياً: تحالف الاستبداد والأصنام الفكرية
يؤكد عبد الجليل الطاهر أن السلطة المستبدة -سواء كانت سلطة سياسية، أو دينية، أو اجتماعية- تعي تماماً حدود القوة الغاشمة. الجيوش والأسلحة تخضع الأجساد، لكنها تستنزف السلطة وتولد المقاومة باستمرار. من هنا، يصبح الصنم الفكري هو السلاح الأضمن والأقل كلفة لإخضاع العقول.
تبدأ الدائرة السلوكية من الاستبداد السياسي والاجتماعي الذي يوفر الحماية للصنم الفكري والعقائدي، وفي المقابل يمنح هذا الصنم الفكري الشرعية الطوعية للاستبداد، مما يؤدي في النهاية إلى إخضاع العقل الجمعي كاملاً. - شرعنة التبعية: يستند المستبد إلى الصنم لإثبات أن طاعته ليست مجرد استسلام للغلبة المادية، بل هي واجب أخلاقي أو عقائدي. يتحول الحاكم أو الحزب إلى خادم للصنم، وبما أن الصنم مقدس، فإن كل من يعارض الحاكم يصبح عدواً للمقدس نفسه.
- صناعة القابلية للاستعباد: يعمل الصنم على إعادة صياغة المفاهيم؛ فتصبح الاستكانة صبراً، والتبعية وفاءً، والمداهنة حكمة. تُشل الإرادة الفردية ويحل محلها الشغف بالدفاع عن الرموز التي تكبل الإنسان.
ثالثاً: مجتمع الممثلين والنفاق الاجتماعي
في البيئات التي يُحظر فيها الشك ويُعاقب فيها على الصدق، لا يُنتج التضييق مجتمعاً من الصامتين أو القانعين، بل يُنتج مجتمعاً من الممثلين المحترفين. - الأداء المسرحي للفضيلة: يرتدي الأفراد أقنعة مواءمة للخطاب السائد. يُظهر الجميع حماستهم للصنم في الفضاءات العامة، ويتبارون في الاستعراض الأخلاقي والعقائدي لتجنب الشبهات ولضمان السلامة أو الحصول على المكاسب.
- انفصام الشخصية الجمعي: تنشأ فجوة عميقة بين السلوك العلني والسلوك الخاص. يتحدث الجميع بلسان الصنم علناً، بينما يمارسون في خفاء حياتهم ما يناقض كل تعاليمه. يترتب على هذا التباين انهيار المنظومة الأخلاقية الحقيقية للمجتمع، ليحل محلها طقوس ظاهرية خاوية من أي مضمون إنساني أو نفعي.
رابعاً: الفقر والقهر كحاضنة لإنتاج الأوهام
خلافاً للتصور السائد بأن الفقر والحرمان يفضيان حتماً إلى الثورة والتغيير، يطرح الطاهر والمحللون الاجتماعيون رؤية أكثر تعقيداً: الفقر المادي والمعرفي يُعد الحاضنة الأكثر خصوبة لإنتاج الأصنام والأوهام. - الإنهاك الذهني وتخدير الوعي: إن استهلاك طاقة الفرد اليومية في تأمين القوت الأساسي (الخبز، الماء، السكن) يحرمه من الرفاهية الذهنية اللازمة للقراءة، والتحليل، والمقارنة. يصبح العقل المرهق ميالاً للحلول السريعة والتفسيرات المريضة.
- البحث عن مخلص وهمي: عندما ييأس الإنسان من قدرته المادية على تغيير واقعة القاسي، يتجه سيكولوجياً نحو الغيبيات أو الزعيم الكاريزمي. يمنحه هذا التمسك تعويضاً نفسياً عن مشاعر العجز، فيتعلق بالصنم كقشة نجاة أخيرة.
- الخوف من فقدان الأمان الأخير: في المجتمعات الهشة، يصبح الصنم الفكري أو الطائفي هو مصدر الأمان الوحيد المتبقي. لذلك، تدافع الفئات الأشد فقراً عن أصنامها بضراوة قد تتجاوز دفاع النخب عنها، لأن انهيار الصنم بالنسبة لها يعني السقوط في الفراغ المطلق.
خامساً: إشكالية المثقف الانتقائي وحارس الكهف
من أشد أفكار الطاهر إيلاماً وتفكيكاً هي قراءته لنخب المجتمع والمثقفين. فالمثقف ليس دائماً كاسراً للأصنام؛ بل إنه في كثير من الأحيان يحول المعرفة إلى أداة لحراسة أصنامه الخاصة. - كسر أصنام الآخرين وحراسة الأصنام الذاتية: يمارس المثقف المأزوم نقداً راديكالياً لأصنام خصومه (السياسيين، المذهبيين، أو الأيديولوجيين)، ويرسم التحليلات الذكية لتفكيكها، لكنه عندما يصل إلى صنمه الخاص (حزبه، طائفته، أيديولوجيته) يتوقف عن النقد، ويتحول إلى جدار حماية يتذرع بالخصوصية أو المؤامرة الخارجية.
- خطورة التنظير للاستبداد: هذا النموذج أشد خطورة على وعي الجماهير من الجاهل؛ لأنه يمتلك العدة اللغوية والمعرفية التي تسمح له بتزيين الصنم وإضفاء طابع علمي أو فلسفي أو شرعي على شلل العقل.
سادساً: النموذج التطبيقي — الطائفية والسياسة في الواقع اللبناني
عند تطبيق هذه الأطر النظرية على حالة دراسية من الواقع المعاصر، مثل البنية الطائفية والسياسية في لبنان، يظهر جلياً كيف تجسد هذه البيئة أفكار عبد الجليل الطاهر بشكل شبه حرفي.
يتأسس النظام الطائفي اللبناني على ركنين أساسيين: صنم الزعيم الكاريزمي وصنم المظلومية الوجودية. ويتضافر هذان الركنان لإنتاج حالة متكاملة من الامتثال والنفاق الجمعي لدى الأفراد.
لا يقتصر هذا النموذج على مكون أو طائفة بعينها -كسلوك بعض القوى السياسية والدينية داخل الطائفة الشيعية المتمثل في رفع القضايا والرموز إلى مستوى المعصومية- بل يتعداه ليشمل النظام السياسي الطائفي برمته: - تقديس الزعيم والمظلومية: تحولت الأحزاب والقيادات اللبنانية، عبر التغاضي عن الفساد وبناء شبكات الزبائنية، إلى أصنام صلبة. تُربط صيانة وجود الطائفة ببقاء الزعيم، ويُسكت أي صوت نقدي داخلي عبر استحضار مخاوف الإلغاء أو التهديد الخارجي.
- استثمار الفقر والانهيار: تُظهر الأزمة الاقتصادية والمالية الشاملة كيف يُستخدم فقر المواطنين لتعميق ارتهانهم لشبكات الإغاثة التابعة للأحزاب والزعماء. بدلاً من أن يدفع الانهيار إلى مساجلة المنظومة، جرى تحويل الحاجة اليومية إلى أداة إضافية للسيطرة وترسيخ الولاء للصنم المقيم.
- توزيع الأدوار والنفاق المتبادل: يعمل النظام الطائفي كشبكة من الأصنام المتضامنة؛ كل صنم يغذي وجود الأصنام الأخرى لدى الطوائف المنافسة. يعيش الفرد حالة نفاق علني يضطر فيها للانتظام خلف خطوط الطائفة لحماية مصالحه الوظيفية والأمنية، حتى وإن كان في جلساته الخاصة يدرك تماماً حجم الخلل والتراجع.
سابعاً: تحولات الصنم في العصر الرقمي
لم تتلاشَ الأصنام في العصر الحديث، بل غيّرت أدواتها وأقنعتها لتتجسد في صور رقمية جديدة:
أولاً، تحول صنم شيخ القبيلة أو الزعيم إلى بديل معاصر وهو صانع المحتوى أو الشخصية المؤثرة، وتتجسد آليات السيطرة في التبعية السلوكية، والتسليم بالآراء دون تمحيص، وتحديد معايير القيمة الشخصية.
ثانياً، استُبدلت تقاليد المجتمع المحلي بالخوارزميات الرقمية والموضوعات الأكثر تداولاً، حيث تعمل على فرض الرأي السائد، وحجب الآراء المخالفة، والتغذية المستمرة لأهواء الجمهور.
ثالثاً، تطور عقاب النفي أو الرجم إلى ثقافة الإلغاء والإقصاء الرقمي، والتي تعتمد على التشهير الإلكتروني، والإقصاء من الفضاء العام، والممارسة الجماعية للقمع ضد كل من يخالف المجموعة.
رابعاً، أصبحت الطقوس والمظاهر التقليدية تمارس عبر الاصطناع والاستعراض الأخلاقي الرقمي، حيث يتظاهر الفرد بالالتزام المفرط بالقضايا المعاصرة لمجرد كسب القبول الرقمي وتجنب الهجوم المسرحي.
تثبت هذه التحولات أن تكنولوجيات التوافق المعاصر لم تلغِ نزعة العقل البشري للهروب من حرية التفكير إلى مظلات اليقين الجاهز.
خاتمة: القراءة والشك كمسار للتحرير
إن المواجهة الحقيقية مع أصنام المجتمع لا تتم بالصدام العنيف أو الهدم القسري، لأن ذلك غالباً ما ينتهي باستبدال صنم قديم بآخر جديد. المسار الوحيد المضمون، كما يطرحه الطاهر ورواد التنوير، يمر عبر فعل القراءة الواعية والتفكير النقدي.
تكمن خطورة الكتاب الجاد والقراءة الفاحصة في أنها تُحدث خفّة وزلزالاً هادئاً في المفاهيم المستقرة. الشك هنا ليس موقفاً عبثياً أو هداماً، بل هو منهج لتطهير الذهن من الزوائد والأوهام، واستعادة المسافة العقلية بين الذات المفكرة والأفكار المطروحة. إن المجتمع الذي يتسع لخلافات أفراده، ويقبل مراجعة مسلماته، ويتحمل مشقة الأسئلة الصعبة، هو المجتمع الوحيد القادر على كسر أسر الأصنام وبناء مؤسسات إنسانية قائمة على الحرية والمسؤولية.



