أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ليست المسألة أن يسارياً يؤيد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. فهذا موقف سياسي يمكن فهمه ومناقشته والاختلاف حول وسائله وحدوده. المسألة الأكثر إثارة للأسئلة تبدأ عندما تتحول «المقاومة» من موقف سياسي قابل للنقد إلى مفتاح وحيد لفهم العالم، بحيث يصبح كل من يرفع رايتها تقدمياً حكماً، وكل من ينتقده عميلاً أو صهيونياً أو إمبريالياً.
عند هذه النقطة لا نعود أمام تحليل سياسي بقدر ما نصبح أمام منظومة هوية مغلقة.
وهنا يظهر التناقض الكبير: كيف يستطيع شخص يعتبر نفسه يسارياً أن يدافع في الوقت نفسه عن العلمانية وحقوق المرأة وحرية الفكر وفصل الدين عن الدولة، ثم يجد نفسه مدافعاً عن تنظيمات دينية محافظة أو عن نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ وكيف يمكن لمن تربى، نظرياً، على نقد السلطة أن يتسامح مع سلطة ما متى أصبحت «معادية لأميركا»؟
السؤال لا يتعلق بإيران أو حزب الله أو حماس وحدها. إنه يتعلق أيضاً بأزمة داخل اليسار نفسه.
من الصراع الطبقي إلى جغرافيا المعسكرات
نشأت قطاعات واسعة من اليسار العربي في ثقافة سياسية لم تكن ترى العالم من خلال طبيعة النظام السياسي فقط، بل من خلال موقعه في الصراع الدولي.
كان السؤال المركزي: مع من تقف الدولة؟
مع الولايات المتحدة أم ضدها؟
مع إسرائيل أم ضدها؟
مع الاتحاد السوفياتي أم مع الغرب؟
وبهذا تشكل وعي سياسي يقوم على المعسكرات أكثر مما يقوم على القيم.
انتهى الاتحاد السوفياتي، لكن الخريطة الذهنية بقيت عند قسم من الجمهور. أصبح بالإمكان استبدال موسكو بطهران، والحزب الشيوعي بحركة إسلامية، والراية الحمراء براية دينية، من دون انهيار البنية الأساسية للتفكير: هناك «معسكر إمبريالي»، وبالتالي لا بد أن يكون خصمه، بدرجة أو بأخرى، في معسكرنا.
وهنا حدث التحول الأخطر: أصبحت معاداة أميركا بديلاً عن اليسار.
لم يعد السؤال: هل هذه القوة ديمقراطية؟ ماذا تفعل بمعارضيها؟ ما موقفها من المرأة؟ من الحريات الفردية؟ من الأقليات؟ من تداول السلطة؟ من النقابات المستقلة؟ من حرية الصحافة؟
أصبح السؤال: هل تواجه أميركا وإسرائيل؟
إذا كانت الإجابة نعم، تُؤجَّل بقية الأسئلة.
«عدو عدوي صديقي» بوصفها ثقافة سياسية
هذه ليست ماركسية بالضرورة، بل اختزال للسياسة إلى ثنائية شديدة البساطة.
الإمبريالية شر، إذن خصم الإمبريالية خير.
لكن الواقع لا يعمل بهذه الطريقة. يمكن لقوتين سلطويتين أن تتصارعا. ويمكن لدولة أن تناهض الهيمنة الأميركية بينما تمارس هي نفسها الهيمنة على مجتمعات أو قوى أضعف. ويمكن لحركة تقاوم احتلالاً أن تحمل في الوقت نفسه مشروعاً اجتماعياً أو دينياً يختلف جذرياً عن المشروع اليساري.
التفكير الجدلي الحقيقي يستطيع الاحتفاظ بفكرتين في اللحظة نفسها: رفض الاحتلال الإسرائيلي لا يفرض تبني أيديولوجية حماس؛ ورفض الهيمنة الأميركية لا يفرض الدفاع عن النظام الإيراني؛ والاعتراف بدور حزب الله في مقاومة الاحتلال لا يمنع نقد دوره السياسي والعسكري الداخلي والإقليمي.
لكن الثقافة الحزبية المغلقة تجد صعوبة في هذا النوع من التعقيد.
الحزب الذي ربّى جمهوراً على الإجابة قبل السؤال
وهنا تقع مسؤولية تاريخية على عدد من الأحزاب اليسارية العربية.
فالحزب الذي يفترض أنه مدرسة للوعي تحول في تجارب كثيرة إلى مدرسة لتلقين «الخط السياسي الصحيح». العضو لا يتعلم كيف يفكر بقدر ما يتعلم ما الذي ينبغي أن يفكر فيه.
هناك لجنة مركزية تقرر الموقف، وصحيفة تشرحه، وكادر يدافع عنه، وقاعدة جماهيرية تعيد إنتاجه.
ومع مرور السنوات تتكون شخصية سياسية تخشى الشك؛ لأن الشك في الموقف يصبح شكاً في الحزب، والشك في الحزب يصبح خيانة للرفاق والتاريخ والشهداء.
وهكذا قد تتحول «المركزية الديمقراطية»، حين تُفرَّغ من الديمقراطية، من أداة تنظيم إلى آلية ثقافية لإنتاج الطاعة.
المشكلة، إذن، ليست أن هذا الجمهور «غبي». مثل هذا التفسير سطحي ومتعالٍ. المشكلة أن جزءاً منه تربى سياسياً داخل منظومة تكافئ اليقين وتعاقب السؤال.
عندما تصبح السياسة هوية نفسية
وهنا يدخل العامل النفسي.
الإنسان لا يدافع دائماً عن الأفكار لأنها صحيحة في نظره فقط؛ أحياناً يدافع عنها لأنها أصبحت جزءاً من تعريفه لنفسه.
أنا يساري.
أنا مع فلسطين.
أنا ضد الإمبريالية.
أنا مع المقاومة.
هذه العبارات قد تنتقل من مواقف سياسية إلى مكونات للهوية. وعندها يصبح الاعتراف بخطأ القوة التي ارتبطت بتلك الهوية مؤلماً نفسياً، لأنه لا يعني فقط: «لقد أخطأت إيران» أو «أخطأ حزب الله» أو «أخطأت حماس»، بل قد يُشعر الفرد بأنه هو نفسه أخطأ طوال سنوات.
وهنا يظهر ما يمكن فهمه من خلال التنافر المعرفي: عندما تصطدم قناعة راسخة بمعلومة تناقضها، ليس من الضروري أن تتغير القناعة؛ قد يعاد تفسير المعلومة لحماية القناعة.
فتصبح أخطاء الحلفاء «ظروفاً موضوعية».
وتصبح انتهاكاتهم «أخطاء فردية».
ويصبح نقدهم «توقيتاً مشبوهاً».
أما الفعل نفسه إذا ارتكبه الخصم فيتحول إلى دليل على طبيعة النظام بأكمله.
هذه ليست خصوصية يسارية. علم النفس السياسي يبين أن البشر عبر الاتجاهات الأيديولوجية يمكن أن يمارسوا التفكير المدفوع بالهوية والتحيز لمجموعاتهم، وأن أوجه التشابه النفسية بين اليسار واليمين أكبر أحياناً مما تفترضه الصور النمطية السياسية. [1]
الحاجة النفسية إلى بطل
هناك أيضاً شيء أكثر عمقاً في مجتمعات عاشت الهزيمة تلو الهزيمة.
فلسطين، الحروب العربية، الاحتلالات، التدخلات الأجنبية، سقوط مشاريع التغيير، انهيار الاتحاد السوفياتي، تراجع الأحزاب الشيوعية والقومية، ثم صعود الولايات المتحدة قوةً مهيمنة بعد الحرب الباردة.
كل ذلك ترك فراغاً نفسياً وسياسياً.
الجمهور المهزوم يبحث أحياناً عن رمز يستعيد من خلاله الشعور بالقوة.
وهنا يمكن أن تتجاوز صورة «المقاوم» تقييم البرنامج الذي يحمله المقاوم نفسه.
البندقية تصبح أهم من الكتاب.
والصمود أهم من طبيعة المجتمع الذي سيأتي بعد الانتصار.
و«الوقوف في وجه أميركا» يصبح في المخيلة تعويضاً عن سلسلة طويلة من الهزائم.
وتشير أبحاث علم النفس السياسي إلى أن الخوف والتهديد والتذكير بالموت يمكن أن يقويا التمسك بالرؤى والهويات القائمة، وإن كانت الاستجابات تختلف بحسب السياق والأيديولوجيا السابقة. [2]
وهذا مهم جداً في مجتمعات تعيش الحرب والاحتلال والموت باستمرار: الخوف لا ينتج بالضرورة مراجعة عقلانية؛ قد ينتج تشبثاً أكبر بالرموز التي تمنح الإنسان معنى وأماناً وهوية.
من «المقاومة» السياسية إلى المقدس
أخطر مرحلة تبدأ عندما تصبح المقاومة قيمة مقدسة لا أداة سياسية.
فالسياسة بطبيعتها تقبل السؤال: هل نجحت؟ ما الثمن؟ هل توجد وسيلة أفضل؟ من يقرر الحرب والسلم؟ من يحاسب القيادة؟ أين تنتهي المقاومة وأين تبدأ السلطة؟
أما المقدس فلا يقبل هذه الأسئلة.
ومن هنا يصبح النقد نفسه فعلاً أخلاقياً مداناً.
لا يناقشك أحد في حجتك، بل يسألك فوراً:
لمصلحة من تتحدث؟
لماذا الآن؟
هل أصبحت مع إسرائيل؟
هل تريد نزع سلاح المقاومة؟
وهكذا يتم الانتقال من مناقشة الفكرة إلى محاكمة صاحبها.
عقدة الخيانة
أرى أن هذه من أهم النقاط النفسية التي تستحق البحث.
هناك يساريون قد يستطيعون نقد فساد حزب شيوعي أو فشل الاتحاد السوفياتي، لكنهم يشعرون بصعوبة أكبر عندما يتعلق النقد بفلسطين أو «المقاومة»، لأن القضية محاطة بثقل أخلاقي هائل.
الخوف ليس فقط من أن يكون الرأي خاطئاً، بل من أن يصبح صاحبه في مخيلته هو نفسه في «معسكر العدو».
وهكذا تعمل تهمة الخيانة قبل أن ينطق بها الآخرون: تصبح رقابة داخلية.
يقول الفرد لنفسه: نعم، لدي ملاحظات على حزب الله، ولكن الآن ليس الوقت المناسب.
ثم تمر سنة.
ثم عشر سنوات.
ويبقى «الوقت غير مناسب».
اليسار الذي يخشى اليُتم
هناك أيضاً عامل جيلي.
بالنسبة إلى بعض المناضلين القدامى، الاعتراف بانهيار الخريطة القديمة للعالم ليس تعديلاً سياسياً بسيطاً. إنه اعتراف بأن جزءاً كبيراً من العمر بُني على تصورات لم تعد صالحة.
وهذا مؤلم.
فالإنسان يستطيع تغيير رأيه في قضية عابرة بسهولة، لكنه يجد صعوبة أكبر في تغيير فكرة عاش من أجلها أربعين عاماً، وخسر أصدقاء بسببها، وربما سُجن أو هُجّر أو قاتل من أجلها.
لذلك يصبح الدفاع عن الماضي أحياناً دفاعاً عن معنى السيرة الشخصية.
وهنا لا تكفي السخرية منه ولا وصفه بالجهل. يجب فهم المأزق الإنساني: ماذا يبقى من الإنسان عندما يكتشف أن الخريطة التي فسّر بها نصف قرن لم تعد تفسر العالم؟
هل المشكلة ضعف ثقافة؟
جزئياً، ولكن ليس بالمعنى المدرسي للكلمة.
قد يكون الشخص قارئاً واسعاً ويحمل شهادة جامعية ويقع مع ذلك في أسر الهوية السياسية.
المشكلة الأعمق هي نوع الثقافة.
هل قرأ المختلف أم قرأ كتبه فقط؟
هل تعلم فلسفة الشك أم حفظ تاريخ حزبه؟
هل يستطيع قراءة نقد ماركس كما يقرأ ماركس؟
هل يقرأ تاريخ إيران من مصادر إيرانية معارضة أيضاً، أم من خطاب محور واحد؟
هل يطبق المعايير نفسها على الحليف والخصم؟
الثقافة ليست عدد الكتب الموجودة في المكتبة، بل قدرة العقل على تعريض معتقداته نفسها لخطر الاختبار.
وسائل التواصل: الحزب القديم في ثوب جديد
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف طبقة جديدة.
في الماضي كان الحزب يملك صحيفته وإذاعته واجتماعاته الداخلية. اليوم يستطيع الفرد أن يبني حول نفسه حزباً إلكترونياً كاملاً: يتابع من يشبهونه، يقرأ ما يؤكد قناعته، يحظر المختلف، ويتلقى يومياً عشرات الرسائل التي تقول له إن جماعته على حق.
وتشير مراجعات منهجية للأبحاث إلى علاقة مهمة بين استهلاك الإعلام الموافق للمواقف السابقة وبين زيادة الاستقطاب، كما أن بيئات التواصل الاجتماعي قد تساعد على الاستقطاب الجماعي وتجزئة النقاش، وإن كانت الأدلة أكثر تعقيداً من الفكرة المبسطة القائلة إن «الخوارزمية وحدها» تخلق غرف الصدى. [3]
وهكذا صار ممكناً أن يعيش الإنسان داخل عالم معلوماتي كامل لا يسمع فيه إلا صدى نفسه.
المفارقة الكبرى
نصل عندئذ إلى المفارقة التي أراها جوهر الموضوع:
جزء من اليسار الذي بدأ مشروعه بتحرير الإنسان من المقدسات السياسية انتهى إلى صناعة مقدسات سياسية جديدة.
كان يفترض به أن يشك في السلطة، فأصبح يبرر سلطة إذا كانت في «المعسكر الصحيح».
كان ضد توظيف الدين في السياسة، ثم صار يتحالف فكرياً مع حركات دينية باسم الأولوية القومية.
كان يدافع عن المرأة، ثم يؤجل حقوقها لأن «المعركة الأساسية» في مكان آخر.
كان يطالب بالديمقراطية، ثم يصفها أحياناً بأنها ترف عندما تهدد حليفاً سياسياً.
وكان يعتبر النقد جوهر الفكر الماركسي، ثم أصبح نقد «المقاومة» عند بعض أوساطه اقتراباً من المحرمات.
وهنا لم يعد السؤال: لماذا تحول هذا اليساري؟
السؤال الأصعب هو:
هل تحول فعلاً، أم أن ثقافته السياسية القديمة كانت تحمل منذ البداية بذور هذا التحول؟
ربما كانت المشكلة في نموذج من اليسار العربي لم يهضم الحرية بقدر ما هضم فكرة «المعسكر»؛ لم يتعلم الديمقراطية بقدر ما تعلم الانضباط؛ ولم يجعل الإنسان مركز السياسة بقدر ما جعل «القضية» مركزها.
وعندما تكون القضية أهم من الإنسان يصبح من السهل التضحية بالإنسان باسمها.
المطلوب ليس يساراً بلا مقاومة بل مقاومة بلا قداسة
ليس المطلوب من اليساري أن يتخلى عن فلسطين، ولا أن يتصالح مع الاحتلال أو الهيمنة الأجنبية كي يثبت حداثته.
المطلوب أصعب من ذلك بكثير:
أن يستطيع الوقوف ضد الاحتلال الإسرائيلي ومن أجل حرية الفلسطيني في الوقت نفسه.
أن يرفض الهيمنة الأميركية من دون أن يمنح إيران حق الهيمنة على الآخرين.
أن يعترف بحق اللبناني في مقاومة الاحتلال من دون أن يمنح أي حزب حصانة أبدية من المساءلة.
أن يدين قتل المدني الإسرائيلي والفلسطيني بالمقياس الأخلاقي نفسه.
وأن يفهم أن المقاومة وسيلة لتحرير الإنسان، وليست عقيدة يصبح الإنسان وقوداً لها.
فاليسار الذي يحتاج إلى سلطة دينية كي يشعر بأنه ثوري، وإلى بندقية كي يتأكد من هويته، وإلى عدو دائم كي يحافظ على تماسكه، أمامه مشكلة أكبر من حزب الله وحماس وإيران.
إنها أزمة هوية بعد انهيار العالم الذي صنع تلك الهوية.
والخروج منها لن يكون باستبدال طهران بواشنطن ولا موسكو ببروكسل، بل باستعادة السؤال الذي كان ينبغي أن يكون في قلب أي مشروع يساري منذ البداية:
هل هذه السياسة تحرر الإنسان أم تخضعه؟
فإذا غاب الإنسان، لم تعد الراية الحمراء كافية لجعل المشروع يسارياً، ولا كلمة «المقاومة» كافية لجعله تحررياً.
Notes
[1] Thomas H. Costello, Shauna M. Bowes, Sean T. Stevens, Irwin Waldman & Scott O. Lilienfeld, “Clarifying the Structure and Nature of Left-Wing Authoritarianism,” Journal of Personality and Social Psychology, American Psychological Association.
[2] Brian L. Burke, Andy Martens & Erik H. Faucher, “Two Decades of Terror Management Theory: A Meta-Analysis of Mortality Salience Research,” Personality and Social Psychology Review, 2010.
[3] Philipp Lorenz-Spreen et al., studies and systematic reviews on social media, political polarization, selective exposure, and ideologically congruent media consumption; see also research reviews published in Annals of the International Communication Association on selective exposure and political polarization.



