أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
تثير التصريحات الأخيرة لكل من توم براك، السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق، وميشال عيسى، السفير الأميركي في لبنان، سؤالاً يتجاوز الاختلاف في الكلمات: هل نحن أمام تناقض داخل السياسة الأميركية؟ أم تبادل أدوار تفاوضي؟ أم أن واشنطن ترمي أحياناً موقفاً في الفضاء السياسي لتقيس ردود الفعل ثم تعيد ضبطه؟
بعد التدقيق في تصريحات الرجلين، يبدو أن هناك تناقضاً لفظياً حقيقياً في بعض النقاط، لكن هناك عاملاً أساسياً يساعد على فهمه: عيسى ينظر إلى حزب الله من بيروت، بينما براك ينظر إليه من داخل خريطة إقليمية أوسع تمتد من تركيا وسوريا إلى العراق وإيران وإسرائيل ولبنان.
حزب الله: الباب مغلق أم موارب؟
أوضح التناقضات يتعلق بإمكان التفاوض مع حزب الله. براك قال إن طرفين أساسيين غائبان عن معادلة التفاوض اللبنانية ـ الإسرائيلية: حزب الله وإيران. وبعدما فُهم كلامه كدعوة لإشراكهما، عاد وأوضح أن الولايات المتحدة «لا تتفاوض مع حزب الله»، وأنه لم يكن يقترح طاولة جديدة بل يشرح صعوبة معالجة سلاح الحزب بينما يأتي تمويله وتسليحه من إيران.
ثم جاء ميشال عيسى ليقول في بيروت إن الولايات المتحدة يمكن أن تتفاوض مع حزب الله «إذا كان لديه شيء ليقدمه».
هنا لا داعي لتجميل المسألة: يوجد تناقض لفظي. براك يقول إن أميركا لا تتفاوض مع الحزب، وعيسى يترك الباب مفتوحاً أمام تفاوض مشروط.
لكن هل يعني ذلك وجود سياستين أميركيتين؟ ليس بالضرورة. فقد يكون براك يرفض الاعتراف بحزب الله كشريك رسمي على طاولة سياسية، بينما يترك عيسى مجالاً لاتصال أو تفاوض مباشر أو غير مباشر إذا أصبح لدى الحزب عرض جدي يتعلق بالسلاح أو بالترتيبات الأمنية.
عيسى يرى لبنان… وبراك يرى الإقليم
وهنا يظهر العامل الذي ربما يفسر جانباً كبيراً من الاختلاف.
ميشال عيسى سفير في لبنان. ملفه المباشر هو الدولة اللبنانية، الجيش، حزب الله، الجنوب، إسرائيل وحصرية السلاح. لذلك تبدو معادلته أبسط وأكثر حدة: لماذا نطلب من إسرائيل الانسحاب بينما لا نطلب من حزب الله تسليم سلاحه؟ وقد ربط بالفعل عدم الوصول إلى اتفاق لوقف الهجمات الإسرائيلية بعدم تسليم الحزب سلاحه.
أما براك فموقعه مختلف جذرياً. هو سفير واشنطن في تركيا، وأكد وزير الخارجية ماركو روبيو استمرار دوره القيادي في سوريا والعراق، ثم عُهد إليه رسمياً بدور المبعوث الرئاسي الخاص للبلدين. أي أنه لا يدير ملفاً واحداً بل مجموعة ملفات متشابكة.
والدليل العملي أن براك يعمل حالياً على إنشاء آلية أميركية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا بعد الغارة الإسرائيلية الأخيرة على قاعدة أبو الظهور، محذراً من أن سوء التقدير كان يمكن أن يقود إلى رد تركي وتصعيد أخطر.
لذلك عندما ينظر براك إلى سلاح حزب الله، لا يرى البندقية الموجودة جنوب الليطاني فقط. يرى خلفها التمويل الإيراني، وسوريا الجديدة، والعراق، والعلاقة التركية ـ السورية، والتوتر التركي ـ الإسرائيلي، ومستقبل النفوذ الإيراني، وشكل التوازن الإقليمي بعد سقوط نظام الأسد.
يمكن اختصار الفرق بعبارة واحدة:
عيسى يرى لبنان ملفاً؛ براك يرى لبنان جزءاً من صفقة إقليمية.
من يقدم الخطوة الأولى؟
يظهر الاختلاف أيضاً في ترتيب الحل.
خطاب عيسى يقوم على الضغط: حزب الله يجب أن يسلم سلاحه، ومن غير المنطقي مطالبة إسرائيل بالتراجع بينما لا يقدم الحزب شيئاً.
أما براك فيميل إلى طرح أسئلة أكبر: ماذا عن إيران؟ ماذا عن تمويل حزب الله؟ ماذا يحدث في الجنوب إذا توقف التمويل الإيراني؟ وكيف يمكن حل المشكلة من دون التعامل مع الأطراف التي تملك قدرة فعلية على تعطيل الحل؟
وهنا يصبح الاختلاف أقرب إلى اختلاف بين تنفيذ تسوية محلية وصناعة تسوية إقليمية.
وماذا عن إسرائيل؟
الاختلاف يظهر هنا أيضاً. عيسى يستخدم في لبنان خطاباً يربط استمرار الضغط الإسرائيلي باستمرار سلاح حزب الله. أما براك، في سوريا، فلم يتردد في انتقاد تحركات إسرائيلية عندما رأى أنها قد تهدد التوازن مع تركيا. وقد حذر أخيراً من خطورة الضربة الإسرائيلية على أبو الظهور لأنها جرت من دون إخطار تركيا وكان يمكن أن تؤدي إلى سوء تقدير عسكري خطير.
ليس بالضرورة أن يكون أحدهما مؤيداً لإسرائيل والآخر معارضاً لها. كل منهما ينظر إلى إسرائيل من زاوية الملف الذي يديره.
بالنسبة إلى عيسى، إسرائيل جزء من معادلة حزب الله ـ لبنان. وبالنسبة إلى براك، إسرائيل أحد أطراف توازن إقليمي حساس يضم أيضاً تركيا وسوريا.
بالون اختبار؟
تبقى فرضية أخرى لا يمكن تجاهلها: رمي الأفكار واختبار ردود الفعل.
براك يقول إن إيران وحزب الله غائبان عن الطاولة. تقوم ضجة. تأتي الاعتراضات من لبنان وإسرائيل وغيرها. ثم يوضح: لم أدعُ إلى التفاوض مع حزب الله، بل كنت أصف المشكلة.
وبعد أيام يأتي السفير الأميركي في بيروت ليقول إن التفاوض مع الحزب ممكن إذا كان لديه شيء يقدمه.
من دون وثائق داخلية أميركية لا يمكن الجزم بأن هذا «بالون اختبار» مخطط له. لكن التسلسل يجعل الفرضية مشروعة: تُطرح الفكرة بأقصى مداها، تُقاس ردود الفعل، ثم يعاد إنتاجها بصيغة أكثر قابلية للتفاوض.
أم Good Cop وBad Cop؟
يمكن أيضاً قراءة المشهد كتوزيع أدوار.
عيسى يرفع كلفة الرفض: السلاح يجب أن يسلم، والضغط لن يتوقف من دون خطوات من حزب الله.
براك يبحث عن مكونات الصفقة: إيران، حزب الله، إسرائيل، سوريا، تركيا، التمويل والترتيبات الأمنية.
أي أن أحدهما يمسك بالعصا، بينما يبحث الآخر عن الباب الذي يمكن الخروج منه.
لكنني لا أعتقد أن علينا الذهاب سريعاً إلى استنتاج أن كل جملة محسوبة ضمن لعبة Good Cop/Bad Cop. فبراك تحديداً معروف بأسلوب غير تقليدي، وقد اضطر أخيراً إلى توضيح ليس فقط كلامه عن حزب الله وإيران، بل أيضاً تصريحاته عن الجولان بعدما بدت متناقضة مع سياسة ترامب الرسمية.
تناقض تكتيكي لا استراتيجي
عند إزالة الضجيج الإعلامي، لا يظهر حتى الآن خلاف جوهري بين الرجلين حول الهدف الأميركي النهائي: واشنطن تريد حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، إنهاء الوضع العسكري المستقل لحزب الله، تقليص النفوذ الإيراني، الوصول إلى ترتيبات أمنية تسمح بمعالجة الاحتلال والانسحاب الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه منع انفجار صراعات جديدة، خصوصاً بين إسرائيل وتركيا في سوريا.
لذلك قد يكون السؤال الخطأ: من يمثل سياسة واشنطن، براك أم عيسى؟
والسؤال الأدق: على أي مستوى يتحدث كل منهما؟
عيسى يتحدث من داخل الحلقة اللبنانية. براك يتحرك بين حلقات إقليمية مترابطة.
وهنا يصبح التناقض أقل غرابة. بل ربما تريد واشنطن أن يسمع حزب الله الرسالتين معاً:
من بيروت: استمرار السلاح يعني استمرار الضغط.
ومن المستوى الإقليمي: إذا أصبح لدى الحزب وإيران ما يمكن تقديمه ضمن تسوية أكبر، فهناك مساحة للبحث عن مخرج.
وهذه ليست بالضرورة سياستين أميركيتين. قد تكون سياسة واحدة بأداتين: ضغط محلي شديد، ومساومة إقليمية أوسع.
ويبقى الاحتمال الثالث قائماً: أن واشنطن نفسها لم تحسم بعد كل تفاصيل الصفقة، وأن براك، بحكم دوره الإقليمي الواسع، يختبر حدود الممكن قبل أن تتحول الأفكار إلى سياسة رسمية. وهذا تحديداً ما يجعل تصريحاته المقبلة، وردود الخارجية الأميركية عليها، أهم من التصريحات نفسها.



