الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
31.3 C
Beirut

مش قاري… ولا مش قاريك يا بك؟ جنبلاط يصرّ على مخاطبة زمن انتهى!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

كتب وليد جنبلاط رداً على السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى: «يبدو أن السفير عيسى، وسط أنشطته الثقافية والسياسية المتنوعة، لم يتمكن من قراءة تعليقاتي على الورقة المسماة بالإطار الثلاثي التي أرفضها والتي يجب استبدالها باتفاقية الهدنة التي استشهدت بها الطائف و1701».

لكن السؤال الذي يفرض نفسه على البيك هو: مش قاري… ولا مش قاريك يا بك؟

المشكلة قد لا تكون أن السفير الأميركي لم يقرأ موقف جنبلاط، بل أنه قرأه جيداً ولم يعد يتعامل معه باعتباره قادراً على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. فجنبلاط يصرّ على قراءة اللحظة الحالية بأدوات مرحلة سياسية وأمنية مختلفة جذرياً: اتفاقية الهدنة لعام 1949، واتفاق الطائف، والقرار 1701. وهي جميعها مراجع أساسية في تاريخ لبنان القانوني والسياسي، لكن السؤال ليس عن قيمتها التاريخية، بل عن قدرتها وحدها على إدارة واقع إقليمي تبدّل بصورة عميقة.

حتى رئيس الحكومة نواف سلام، الذي تفهّم هواجس جنبلاط وتمسكه باتفاقية الهدنة، قال بوضوح إن ما بقي صالحاً منها هو المبادئ التي قامت عليها، أما تفاصيلها العسكرية والميدانية فتعود إلى مرحلة تاريخية مختلفة وتحتاج إلى تحديث كي تصبح قابلة للتطبيق اليوم.[1]

هنا جوهر الخلاف. جنبلاط يتصرف وكأن المطلوب اختيار المرجعية الأفضل من أرشيف الدولة اللبنانية، فيما الأميركي يتعامل مع ميزان قوى جديد يجري إنتاج قواعده الآن.

فالمنطقة التي وُلد فيها القرار 1701 عام 2006 ليست المنطقة نفسها اليوم. لبنان نفسه تغيّر، وموقع حزب الله تبدّل، وإيران مرت بتحولات وحرب ومفاوضات جديدة، وسوريا لم تعد سوريا بشار الأسد، كما أن العلاقة بين واشنطن وإسرائيل والملفات اللبنانية والإيرانية والسورية أصبحت أكثر تداخلاً. وفي لبنان نفسه انتقلت الأمور خلال 2026 إلى مفاوضات لبنانية–إسرائيلية مباشرة على مستوى الوفود الحكومية في واشنطن برعاية أميركية، في سابقة سياسية لا يمكن التعامل معها وكأن شيئاً لم يتغير.[2]

ولذلك فإن الإصرار على العودة ببساطة إلى هدنة 1949 يبدو أقرب إلى محاولة الاحتماء بالماضي من مواجهة الحاضر.

هذا لا يعني أن «الإطار الثلاثي» مقدس أو أنه بالضرورة أفضل للبنان، ولا أن من حق واشنطن أو إسرائيل فرض ترتيبات تنتقص من السيادة اللبنانية. بالعكس، من حق جنبلاط وغيره الاعتراض والمطالبة بضمانات وانسحاب إسرائيلي كامل وسيادة لبنانية كاملة. لكن الاعتراض الفعّال يبدأ من الاعتراف بأن قواعد اللعبة نفسها تغيرت، ثم التفاوض على تحسين الشروط الجديدة، لا الاكتفاء بالمطالبة بالعودة إلى قواعد عمرها عقود.

والمفارقة أن جنبلاط نفسه كان، تاريخياً، من أكثر السياسيين اللبنانيين قدرة على التقاط تبدلات موازين القوى، والانتقال من مرحلة إلى أخرى عندما يشعر بأن الرياح تغيرت. لذلك يبدو موقفه الحالي أكثر إثارة للاستغراب: الرجل الذي بنى جانباً كبيراً من تجربته السياسية على قراءة المتغيرات، يصر هذه المرة على تثبيت عقارب الساعة.

أما ميشال عيسى، فقد اختصر المسألة بعبارة لبنانية قاسية عندما قال عن موقف جنبلاط: «يوم بدو ويوم ما بدو»، معلناً أنه سيتواصل معه قريباً.[3] وهي عبارة لا تحمل فقط انتقاداً لموقف سياسي، بل تعكس أيضاً تغيراً في طريقة مخاطبة الدبلوماسية الأميركية للزعامات اللبنانية التقليدية.

من هنا ربما أخطأ جنبلاط في تشخيص المشكلة. القضية ليست أن السفير لم يقرأ تغريدته أو ملاحظاته. قد يكون قرأها، لكنه يقرأ معها خريطة أخرى: موازين القوى، التحولات السورية، وضع إيران، مستقبل سلاح حزب الله، المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، والدور الأميركي الجديد في ترتيب المنطقة.

يا بك، عيسى على الأرجح قاري… لكن يبدو أنه لم يعد يقرأ لبنان من الكتاب نفسه الذي تقرأ منه.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

Notes

  1. رئاسة مجلس الوزراء اللبنانية: مقابلة الرئيس نواف سلام حول اتفاقية الهدنة، حيث اعتبر أن مبادئها تبقى أساسية، لكن تفاصيلها الميدانية والعسكرية تعود إلى مرحلة تاريخية مختلفة وتحتاج إلى تحديث.
  2. L’Orient-Le Jour / L’Orient Today، أيار 2026: تغطية المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية المباشرة في واشنطن برعاية أميركية، ومواقف السلطات اللبنانية منها.
  3. النشرة، 27 آب 2026؛ الأخبار، 27 آب 2026: نقل تصريح السفير الأميركي ميشال عيسى عن وليد جنبلاط: «يوم بدو ويوم ما بدو».
  4. النهار، 27 آب 2026: نقل موقف وليد جنبلاط الرافض لـ«الإطار الثلاثي» ومطالبته باستبداله باتفاقية الهدنة، مع استناده إلى الطائف والقرار 1701.
  5. رئاسة الجمهورية اللبنانية: موقف سابق لوليد جنبلاط اعتبر فيه أن التفاوض مشروع إذا قام على أسس معروفة، مع تمسكه باتفاقية الهدنة والطائف والقرارات الدولية.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

نداء النبطية الثاني: أرسلوا الجيش فوراً إلى النبطية .. أنقذوا عاصمة جبل عامل وحاضرته التاريخية

أخباركم - أخبارنا دعوة إلى التوقيع سيُصار إلى نشر هذا النداء مرفقاً بأسماء الموقّعين اليوم...

نداء من النائب فراس حمدان لإنقاذ النبطية .. بعد علي الطاهر هل تكون عاصمة جبل عامل وإقليم التفاح التاليين؟

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد وجّه النائب فراس حمدان نداءً عاجلاً إلى الجيش اللبناني ورئاسة...

عيترون التي يبكيها رفاقنا: حين يُمحى الحجر ويبقى تاريخ المقاومة

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد يتداول رفاق يساريون وشيوعيون منذ أيام مقطعاً مصوراً من عيترون....