أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
في التاسع عشر من آب 2017، أطلق الجيش اللبناني عملية «فجر الجرود» لتحرير جرود رأس بعلبك والقاع من تنظيم داعش. وبعد ثمانية أيام فقط، كان التنظيم قد انكفأ إلى مساحة ضيقة، وكانت الوحدات اللبنانية تستعد للهجوم الأخير. لكن ما حصل في الساعات الأخيرة بقي واحداً من أكثر فصول تلك المعركة إثارة للأسئلة: أُوقف إطلاق النار، دخلت المفاوضات على الخط، كُشف عن مصير العسكريين اللبنانيين المخطوفين، ثم خرج مئات من عناصر داعش وعائلاتهم بالحافلات، برعاية اتفاق رتّبه حزب الله والجيش السوري، باتجاه شرق سوريا.
بهذا المعنى، فإن ذكرى 28 آب ليست ذكرى انطلاق «فجر الجرود» كما يُقال أحياناً، بل ذكرى اليوم الذي ظهرت فيه إحدى أكبر مفارقاتها: الجيش اللبناني كان يربح المعركة، فيما كان إرهابيو داعش يغادرون بحافلات نحو سوريا بدلاً من أن يقعوا في الأسر أو يُجبروا على استسلام غير مشروط.
من عرسال إلى داعش والنصرة
القصة لم تبدأ في آب 2017. ففي 2 آب 2014 انفجرت معركة عرسال بعد توقيف عماد جمعة. ووفق الرواية الرسمية للجيش اللبناني، هاجمت مجموعات مسلحة مراكز الجيش وفصيلة لقوى الأمن، وسقط للجيش 24 شهيداً و86 جريحاً، بينما اختُطف 21 عسكرياً من الجيش و15 عنصراً من قوى الأمن الداخلي. وقتل بعض المختطفين لاحقاً، فيما بقي مصير آخرين مجهولاً لسنوات.
كانت الجرود حينها تضم خليطاً من التنظيمات المسلحة، وفي مقدمتها «جبهة النصرة» وتنظيم داعش، إلى جانب مجموعات سورية أخرى. ومع الوقت تحولت المنطقة الحدودية الوعرة إلى مساحة عمليات وممرات ومراكز عسكرية ولوجستية، وانطلقت منها اعتداءات على الجيش وبلدات البقاع الشمالي.
في تموز 2017 حصل الفصل الأول من تنظيف الجرود. حزب الله، بمشاركة الجيش السوري من الجانب السوري، خاض معركة ضد جبهة النصرة في جرود عرسال والقلمون، وانتهت بتسوية أُخرج بموجبها مسلحو النصرة وعائلاتهم في حافلات باتجاه إدلب.
بعدها بقي داعش.
وفي 19 آب جاء دور الجيش اللبناني.
الجيش يبدأ «فجر الجرود»
المهمة التي حددتها قيادة الجيش كانت صريحة: مهاجمة داعش، تدمير مواقعه، تحرير الأرض اللبنانية والوصول إلى الحدود.
في اليوم الأول وحده، أعلن الجيش تحرير نحو 30 كيلومتراً مربعاً، وقتل نحو عشرين عنصراً من داعش، ودمّر أحد عشر مركزاً تضمنت مغاور وأنفاقاً وخنادق وتحصينات. وكان الجيش يتقدم تحت غطاء المدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ والطائرات، فيما تحدثت بياناته عن انهيار وفرار في صفوف التنظيم.
وفي اليوم التالي وصل مجموع ما حرره الجيش إلى نحو 80 كيلومتراً مربعاً من أصل حوالى 120 كيلومتراً مربعاً كانت تمثل بقعة العمليات. لكن الثمن لم يكن رمزياً. في 20 آب وحده استشهد ثلاثة عسكريين بانفجار لغم أرضي وأصيب آخرون.
وبحصيلة العملية، قدّم الجيش اللبناني سبعة شهداء هم: المعاون وليد فريج، الرقيب أول باسم موسى، الرقيب عباس جعفر، الرقيب عارف ديب، العريف إيلي فريجه، العريف عثمان الشديد، والجندي ياسر حيدر أحمد.
هؤلاء مهمون جداً في قراءة ما حصل لاحقاً. فالحديث عن «تسوية» مع داعش لا يجوز أن يحجب حقيقة أن جنوداً لبنانيين كانوا يخوضون معركة فعلية، يسقطون فيها قتلى وجرحى، بينما كان الجيش يحقق تقدماً ميدانياً سريعاً.
المرحلة الرابعة… الهجوم الذي لم يقع
في 23 آب أصدرت قيادة الجيش بياناً شديد الوضوح أعلنت فيه أنها تعيد التموضع استعداداً للمرحلة الرابعة من «فجر الجرود»، وشددت على أنه لا يوجد وقف لإطلاق النار وأن العمليات ستستمر حتى دحر المجموعات الإرهابية نهائياً.
والرواية العسكرية المنشورة لاحقاً أكثر دلالة: كان مقرراً تنفيذ الهجوم الأخير صباح 27 آب.
لكن قبل حوالى ساعتين من موعده توقف إطلاق النار.
الجيش أعلن عند الساعة السابعة صباح 27 آب وقف النار «إفساحاً للمجال أمام المرحلة الأخيرة للمفاوضات المتعلقة بمصير العسكريين المختطفين».
هنا تبدأ الأسئلة.
ليس لأن الجيش فشل. العكس تماماً. فوثائق الجيش نفسه تصف انهيار داعش وسرعة اندحاره، وتقول إن التنظيم كان قد حُشر في آخر مساحة متبقية له.
ولذلك يصبح السؤال مشروعاً:
إذا كان داعش محاصراً، والجيش مستعداً لشن الهجوم الأخير، فلماذا لم تنتهِ العملية باستسلام عناصر التنظيم للجيش اللبناني؟
ومن قرر أن معرفة مصير العسكريين المخطوفين يجب أن تقترن بتسوية تؤدي عملياً إلى خروج المسلحين؟
الشهداء المخطوفون: الحقيقة المؤلمة
كان مصير العسكريين المخطوفين منذ 2014 أحد أكبر الجروح المفتوحة في لبنان.
عندما توقفت المعركة، بدأت المعلومات تظهر بسرعة. وفي 27 آب أعلن الجيش العثور في وادي الدب في جرود عرسال على رفات ثمانية أشخاص، نُقلت إلى المستشفى العسكري لإجراء فحوص الحمض النووي.
ثم عُثر لاحقاً على رفات إضافية.
وأكدت النتائج الحقيقة التي كان اللبنانيون يخشونها: العسكريون المخطوفون كانوا قد قُتلوا.
وهنا ظهر سؤال آخر أكثر حساسية: متى عرفت الدولة اللبنانية فعلاً أنهم ماتوا؟
ففي الساعات نفسها التي أُعلن فيها وقف النار، نقلت رويترز عن مسؤول أمني لبناني كبير أن العسكريين المحتجزين لدى داعش منذ 2014 كانوا «على الأرجح شبه المؤكد» قد قُتلوا.
كما ظهرت آنذاك روايات صحافية تتحدث عن أن أجهزة أمنية كانت لديها منذ أشهر إفادات ومعلومات قوية عن مقتلهم.
يجب أن نكون دقيقين هنا: امتلاك معلومات استخبارية أو إفادات موقوفين لا يساوي امتلاك الدليل القطعي. قد تكون الدولة قد اشتبهت بقوة بمقتلهم لكنها لم تكن تملك الجثامين أو فحوص DNA اللازمة لإبلاغ العائلات رسمياً.
لكن السؤال لا يسقط:
من كان يعرف؟ ومتى عرف؟ وبأي درجة من اليقين؟ وهل كانت معرفة مكان الجثامين هي فعلاً الورقة الأخيرة التي استخدمها داعش للحصول على ممر للخروج؟
هذه مسألة تستحق، حتى بعد سنوات، جواباً موثقاً لا روايات سياسية متناقضة.
التنسيق الذي نُفي… والتزامن الذي حصل
من أكثر المسائل حساسية في «فجر الجرود» موضوع التنسيق بين الجيش اللبناني من جهة، وحزب الله والجيش السوري من جهة ثانية.
الرواية الرسمية للجيش اللبناني كانت واضحة: لا تنسيق عسكرياً مع حزب الله ولا مع الجيش السوري.
وهذا التفصيل ليس صغيراً. الجيش اللبناني مؤسسة الدولة، ويتلقى مساعدات عسكرية واسعة من الولايات المتحدة، فيما كان حزب الله مصنفاً أميركياً منظمة إرهابية. ومن الناحية السيادية أيضاً، كان إظهار الجيش كقوة مستقلة تتلقى أوامرها من الدولة مسألة أساسية.
لكن على الأرض حدث أمر يستحق التوقف أمامه.
في الوقت الذي بدأ فيه الجيش اللبناني هجومه من الأراضي اللبنانية في 19 آب، كان الجيش السوري وحزب الله يشنان عمليتهما ضد داعش من الجانب السوري في القلمون الغربي.
أي إن التنظيم تعرض في الوقت نفسه تقريباً إلى ضغط من الجانبين.
بل إن حسن نصرالله كان قد تحدث مسبقاً عن المعركة باعتبار أن الجيش اللبناني سيقاتل من الجهة اللبنانية، فيما يتولى حزب الله والجيش السوري الضغط من الجهة السورية.
هل يثبت ذلك وجود غرفة عمليات مشتركة؟
لا.
ولا تتوافر أدلة موثوقة تسمح بالجزم أن قيادة الجيش اللبناني كانت تتلقى أوامر أو تنسق عملياتها التكتيكية مع حزب الله والجيش السوري.
لكن القول إنه لم تكن هناك أية معرفة متبادلة أو استفادة عملياتية من تحرك الطرف الآخر يبقى أيضاً موضوعاً مشروعاً للنقاش. فمن الواضح أن داعش كان يُضغط عليه في توقيت متقارب من جهتي الحدود.
لذلك ينبغي الفصل بين عبارتين:
عدم وجود تنسيق عسكري مباشر مثبت شيء.
ووجود تزامن ميداني واستفادة من تطويق العدو على جانبي الحدود شيء آخر.
والخلط بينهما هو الذي سمح لكل طرف لاحقاً بأن يبني روايته السياسية الخاصة عن المعركة.
من أبرم صفقة داعش؟
هذه النقطة يجب ألا تضيع بين الروايات.
لا توجد أمامنا أدلة موثوقة تقول إن قيادة الجيش اللبناني أبرمت اتفاق نقل عناصر داعش إلى شرق سوريا.
الصفقة التي سمحت بالإجلاء ارتبطت بحزب الله والجيش السوري.
ورويترز وصفت الاتفاق لاحقاً بوضوح باعتباره اتفاقاً رتبه حزب الله اللبناني والجيش السوري لنقل مقاتلي داعش من جيبهم على الحدود اللبنانية السورية إلى مناطق يسيطر عليها التنظيم في شرق سوريا.
وهذا فارق أساسي.
الجيش اللبناني أوقف إطلاق النار لمعرفة مصير العسكريين.
أما تحويل عناصر داعش إلى حافلات ومنحهم ممراً داخل سوريا باتجاه مناطق التنظيم، فكان جزءاً من الاتفاق الذي رعاه حزب الله والنظام السوري.
وهنا يصبح الحديث عن حماية المسلحين وإخراجهم قائماً على واقعة ملموسة، لا مجرد موقف سياسي.
308 من مسلحي داعش… مع أسلحتهم الفردية
في 28 آب تحركت القافلة.
وبحسب الأرقام التي أعلنها حسن نصرالله نفسه ونقلتها رويترز، ضمت عملية النقل 308 من مقاتلي داعش و331 مدنياً، وكان المقاتلون يحتفظون بأسلحتهم الفردية.
هذا ليس تفصيلاً.
نحن لا نتحدث عن نساء وأطفال فقط، ولا عن مدنيين عالقين في منطقة قتال. نحن نتحدث عن أكثر من ثلاثمئة مقاتل في تنظيم إرهابي كانوا قبل أيام يقاتلون الجيش اللبناني وحزب الله والجيش السوري، ثم حصلوا على طريق خروج باتجاه منطقة أخرى يوجد فيها التنظيم.
وفي المقابل، كان الاتفاق يشمل أيضاً تسليم داعش أسيراً من حزب الله وجثامين لعناصر من الحزب ومقاتل إيراني قتلوا في سوريا.
أي أن التسوية لم تكن مجرد ملف لبناني يتعلق بالعسكريين المخطوفين، بل كانت تشمل أيضاً ملفات تخص حزب الله وقتلاه وأسراه في سوريا.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
هل أُوقفت النهاية العسكرية لمعركة داعش على الحدود اللبنانية بسبب مصلحة لبنانية حصراً، أم أن الصفقة جمعت في لحظة واحدة مصالح الدولة اللبنانية وحزب الله والنظام السوري؟
هل كانت حماية للإرهابيين؟
إذا كان المقصود بـ«الحماية» أن حزب الله والجيش السوري قاتلا دفاعاً عن داعش، فلا دليل على ذلك؛ فهما كانا بالفعل يخوضان معارك ضده.
أما إذا كان المقصود أنهما أمّنا لعناصر داعش بعد استسلامهم طريق خروج آمناً من الحصار باتجاه شرق سوريا، ورافق الجيش السوري القافلة، وبقيت حافلات منها لاحقاً في مناطق النظام وفي رعاية حزب الله والحكومة السورية، فهذا أمر موثق.
رويترز ذكرت أن القافلة تحركت تحت مرافقة عسكرية سورية، وأن حزب الله والجيش السوري منحا عناصر التنظيم ممراً آمناً بعد استسلام جيبهم الحدودي.
وعندما تعثرت القافلة لاحقاً، قال حزب الله نفسه إن ست حافلات كانت لا تزال موجودة داخل أراضٍ تسيطر عليها الحكومة السورية وتحت رعاية حزب الله والحكومة السورية.
لهذا يمكن القول سياسياً إن الحزب والنظام السوري حميا عملية إخراج عناصر داعش من منطقة كان يمكن أن تنتهي فيها تجربتهم العسكرية بالأسر أو القضاء عليهم.
وهذا مختلف عن الادعاء بأنهما كانا حليفين لداعش أو أنهما لم يقاتلاه، وهو ادعاء لا تثبته هذه الواقعة وحدها.
الأميركيون قالوا: لا
أقوى دليل على الطبيعة الاستثنائية للصفقة جاء من التحالف الدولي ضد داعش.
فبعد انطلاق القافلة نحو شرق سوريا تدخل التحالف بقيادة الولايات المتحدة عسكرياً لمنع وصولها إلى مناطق داعش قرب الحدود العراقية.
في 30 آب أعلن التحالف أنه نفّذ ضربات لقطع الطريق أمام القافلة، فضرب الطريق وجسراً ومركبات تابعة لداعش كانت تحاول الوصول إليها.
كانت الرسالة الأميركية بسيطة: لا يمكن أن تقاتل داعش في مكان ثم تنقل مئات من مقاتليه إلى مكان آخر يستطيعون فيه العودة إلى القتال.
وبالفعل بقيت أجزاء من القافلة عالقة في الصحراء، ما أثار مواجهة إعلامية وسياسية بين حزب الله والتحالف الدولي.
وهنا يظهر التناقض بأوضح صورة:
الحزب والنظام السوري اعتبرا إخراج المسلحين تسوية مقبولة لإنهاء معركة الحدود، بينما اعتبر التحالف الدولي السماح لهم بالالتحاق بداعش في الشرق السوري أمراً يجب منعه عسكرياً.
لماذا لم يُسلموا للجيش اللبناني؟
هذا هو السؤال الذي لا ينبغي أن يضيع.
مئات المقاتلين كانوا محاصرين.
الجيش اللبناني كان قد حرر معظم أرضه.
المرحلة الأخيرة كانت جاهزة.
داعش كان يتراجع.
ثم فجأة تحولت نهاية المعركة من الحسم العسكري إلى المفاوضات والحافلات.
لماذا لم يشترط أن يسلم الموجودون على الجانب اللبناني أنفسهم للجيش؟
لماذا لم يتم التحقيق معهم حول الجرائم التي ارتكبت في لبنان؟
ماذا كانوا يعرفون عن عمليات عرسال، وقتل العسكريين، والاعتداءات على الجيش والبلدات اللبنانية؟
هل كان بينهم أشخاص متورطون بصورة مباشرة في قتل العسكريين اللبنانيين؟
ومن قرر أن خروجهم من الجبهة أكثر أهمية من توقيفهم ومحاكمتهم؟
هذه ليست اتهامات بل أسئلة ترتبط بحق الدولة وحقوق عائلات الشهداء.
وبين «النصرة» و«داعش»… الحافلات نفسها
قبل أسابيع فقط من صفقة داعش كانت جبهة النصرة قد خرجت هي الأخرى من الجرود بحافلات باتجاه إدلب بعد اتفاق مع حزب الله.
ثم جاءت صفقة ثانية مع داعش.
الخصمان الجهاديان المختلفان خرجا بالطريقة نفسها تقريباً: الحافلات، التفاوض، وتغيير ساحة القتال بدلاً من إنهاء وجود المقاتلين بالاعتقال أو الاستسلام الكامل.
طبعاً توجد سوابق كثيرة في الحرب السورية لاتفاقات إجلاء مقاتلين من مناطق محاصرة، ولم يكن حزب الله والنظام السوري الطرفين الوحيدين اللذين استخدما هذا الأسلوب.
لكن لبنان ليس مجرد ساحة من ساحات الحرب السورية.
هؤلاء كانوا مسلحين ارتبط وجودهم بأحداث أريقت فيها دماء عسكريين لبنانيين، ولذلك كان من الطبيعي أن يسأل اللبناني: لماذا لم يصل هؤلاء إلى القضاء اللبناني؟
معركتان على «النصر»
بعد انتهاء «فجر الجرود» لم تكن هناك معركة واحدة على الذاكرة.
كان هناك انتصار عسكري حقيقي للجيش اللبناني.
وثائق الجيش لا تترك مجالاً كبيراً للشك بذلك. وحداته تقدمت، حررت الأرض، قتلت عناصر من داعش، دمرت مواقعهم، وقدمت سبعة شهداء وعدداً من الجرحى.
ولهذا سيكون ظلماً للجيش والشهداء أن يختصر أحد العملية بأنها «مسرحية».
لكن بالتوازي كانت هناك محاولة سياسية لوضع ما جرى ضمن سردية أكبر: الجيش اللبناني من جهة، وحزب الله والجيش السوري من الجهة الأخرى، جميعهم يقاتلون عدواً واحداً على جبهة واحدة.
وهنا كانت المشكلة.
لأن قبول هذه الرواية يعني عملياً تحويل حزب مسلح خارج المؤسسة العسكرية إلى شريك موازٍ للدولة في قرار الحرب والسلم وحماية الحدود.
بينما النتيجة الأهم التي أثبتها «فجر الجرود» كانت معاكسة تماماً: عندما اتُخذ القرار، استطاع الجيش اللبناني أن يخوض المعركة وأن يستعيد أرضه بنفسه.
من حمى من؟
لذلك يجب أن تُقرأ أحداث 27 و28 آب بعيداً من الاحتفالات والشعارات.
الجيش اللبناني انتصر عسكرياً.
داعش انهار.
سبعة جنود لبنانيين استشهدوا خلال «فجر الجرود».
وقبلهم كانت مأساة عرسال قد كلفت الجيش عشرات الشهداء والجرحى والمخطوفين، وانتهى ملف عشرة من العسكريين المفقودين إلى تأكيد استشهادهم.
لكن في اللحظة التي اقترب فيها الجيش من الهجوم الأخير، دخلت المفاوضات.
كُشف عن مواقع الرفات.
وتولى حزب الله والجيش السوري تنفيذ اتفاق منح أكثر من ثلاثمئة عنصر من داعش وعائلاتهم ممراً للخروج إلى سوريا، وكان المقاتلون يحملون أسلحتهم الفردية.
ثم تولت قوة عسكرية سورية مرافقة القافلة.
وعندما حاولت الوصول إلى مناطق التنظيم في الشرق، تدخل التحالف الدولي لمنعها.
لهذا فإن السؤال لا يتعلق بإعادة كتابة انتصار الجيش، بل بما حصل بعد أن صنع الجيش شروط الانتصار.
من اتخذ القرار بأن تكون النهاية صفقة؟
من أعطى حزب الله عملياً موقع المفاوض الذي يتصرف بمصير المقاتلين؟
لماذا أُخرج إرهابيون كان يمكن أسرهم؟
لماذا شملت الصفقة ملفات أسرى وجثامين لحزب الله ومقاتل إيراني، إلى جانب قضية العسكريين اللبنانيين؟
ما حدود التنسيق الفعلي بين الجبهتين اللبنانية والسورية رغم النفي الرسمي؟
ومتى كانت الدولة قد عرفت أن العسكريين المخطوفين استشهدوا؟
فجر الجرود يحتاج إلى رواية كاملة
في ذكرى تلك المعركة، ليست المشكلة في الاحتفال بانتصار الجيش. يجب الاحتفال به.
المشكلة أن يتحول الانتصار العسكري إلى ستار يُمنع خلفه طرح الأسئلة السياسية.
شهداء الجيش لا يحتاجون إلى أسطورة. ما فعلوه كان كافياً.
كانوا يقاتلون تنظيماً إرهابياً حقيقياً على أرض لبنانية، ونجحوا في سحق الجزء الأكبر من بنيته وانتزاع الأرض منه.
لكن الوفاء لهم يفرض السؤال أيضاً عمن منع المعركة من بلوغ نهايتها الطبيعية، وعن الصفقة التي نقلت المقاتلين بالحافلات، وعن حزب الله والنظام السوري اللذين أمّنا عملية الإجلاء، وعن دولة وجدت نفسها في الساعات الأخيرة من انتصار جيشها أمام قرار لا تزال حدوده ومسؤولياته السياسية تستحق الكشف.
ففي 28 آب 2017 لم يكن المشهد مجرد حافلات تغادر الجرود.
كان السؤال الأكبر يسير معها:
كيف انتهى أكثر من ثلاثمئة إرهابي خارج الأسر، بعدما دفع الجيش اللبناني دماء جنوده ليضعهم على حافة الهزيمة؟
Note
- الجيش اللبناني، مديرية التوجيه، «تطورات العمليات العسكرية في جرود رأس بعلبك والقاع والفاكهة»، 19 آب 2017؛ ويحدد البيان طبيعة الهجوم، المناطق المحررة وخسائر داعش والجيش.
- الجيش اللبناني، مديرية التوجيه، بيان 20 آب 2017 حول اليوم الثاني من «فجر الجرود»؛ وفيه بلوغ المساحة المحررة نحو 80 كلم² واستشهاد ثلاثة عسكريين بانفجار لغم.
- الجيش اللبناني، «إعادة تمركز وانتشار»، 23 آب 2017؛ أعلن الاستعداد للمرحلة الرابعة وشدد يومها على عدم وجود وقف لإطلاق النار.
- مجلة الجيش اللبناني، ملف «قيادة الجبهة: هذه المعركة ستدخل تاريخ الجيش اللبناني»؛ وتذكر الرواية العسكرية أن الهجوم الأخير كان مقرراً صباح 27 آب قبل أن يوقف إطلاق النار قبل نحو ساعتين.
- الجيش اللبناني، بيان «قيادة الجيش تعلن عن وقف لإطلاق النار»، 27 آب 2017؛ حدد السبب بإفساح المجال أمام المرحلة الأخيرة للمفاوضات المتعلقة بمصير العسكريين المخطوفين.
- الجيش اللبناني، «بيان حول العسكريين المخطوفين»، 27 آب 2017؛ الإعلان عن العثور على ثمانية رفات في وادي الدب ونقلها لفحوص DNA.
- الجيش اللبناني، السجل التاريخي؛ عملية «فجر الجرود» بدأت في 19 آب واستمرت حتى 27 آب 2017، وانتهت بتحرير جرود رأس بعلبك والقاع.
- الجيش اللبناني، سجل الشهداء 1991–2019؛ يحدد عدد شهداء «فجر الجرود» بسبعة عسكريين.
- مجلة الجيش اللبناني، «تكريم الوحدات المشاركة في المعركة»، تشرين الأول 2017؛ أسماء شهداء «فجر الجرود» والجرحى الذين كرّمهم قائد الجيش.
- الجيش اللبناني، «طريق الشهادة من المالكية إلى فجر الجرود»؛ عن أحداث عرسال في 2 آب 2014 وسقوط 24 شهيداً و86 جريحاً وخطف 21 من الجيش و15 من قوى الأمن.
- Reuters، 27 آب 2017، حول وقف إطلاق النار والمفاوضات مع داعش، ونقلها عن مسؤول أمني لبناني أن العسكريين المحتجزين منذ 2014 كانوا على الأرجح قد قتلوا.
- Reuters، 28 آب 2017، «Islamic State leaves Syria-Lebanon border zone»؛ نقلت أن القافلة ضمت، وفق حسن نصرالله، 308 مقاتلين و331 مدنياً، وأن المقاتلين كانوا يحملون أسلحتهم الفردية، وأن الصفقة شملت أسيراً وجثامين لحزب الله ومقاتلاً إيرانياً.
- Reuters، 29 آب 2017، حول انتقال مقاتلي داعش وعائلاتهم بالحافلات والمركبات الطبية من منطقة الحدود تحت مرافقة عسكرية سورية باتجاه شرق سوريا.
- Reuters، 30 آب 2017، حول ضربات التحالف الدولي الهادفة إلى منع قافلة داعش من الوصول إلى مناطق التنظيم في شرق سوريا، ووصفها للاتفاق بأنه رتّبه حزب الله اللبناني والجيش السوري.
- Reuters، 31 آب 2017، حول منح الجيش السوري وحزب الله ممراً آمناً لنحو 300 مقاتل ونحو 300 مدني بعد استسلام جيب داعش الحدودي، وتدخل التحالف لمنع وصولهم إلى مناطق التنظيم.
- Reuters، 2 أيلول 2017، حول بقاء ست حافلات من القافلة في أراضٍ خاضعة للحكومة السورية وفي رعاية حزب الله والحكومة السورية بعد تعطيل وصولها شرقاً.
- الجيش اللبناني، «أمر اليوم لمناسبة انتهاء عملية فجر الجرود وانتصار الجيش على الإرهاب»، 30 آب 2017؛ وصف النتيجة بأنها انتصار حاسم للجيش وتحرير الأرض، مع التأكيد على النهاية المؤلمة للعسكريين المخطوفين.
أبقيت عمداً الفارق بين الواقعة المثبتة بأن حزب الله والجيش السوري أمّنا خروج داعش وبين الاتهام الأبعد بأنهما كانا يحميان التنظيم أثناء القتال، لأن الأولى موثقة بقوة بينما الثانية تحتاج دليلاً آخر. بهذه الصيغة تستطيع توجيه نقد سياسي حاد من دون إعطاء خصم المقال فرصة لإسقاطه بسبب ادعاء غير مثبت.



