الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

من الجنرال إلى المستشار: كيف يصبح «القتيل» مستشاراً لـ«القاتل»؟ وأين عفرين وكوباني؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم يكن تعيين مظلوم عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية السورية خبراً عادياً، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد انتقال وظيفي لقائد عسكري سابق. فالرئيس أحمد الشرع أصدر المرسوم رقم 164 لعام 2026 بتعيين مصطفى خليل عبدي، المعروف بمظلوم عبدي، مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية، بعد يومين فقط من إعلان عبدي انتهاء مهمة «قوات سوريا الديمقراطية» وحلها كقوة عسكرية مستقلة واندماجها في مؤسسات الدولة السورية.[1]

المفارقة هنا أكبر من لقب «مستشار».

فالرجل الذي كان حتى الأمس القريب قائداً لقوة عسكرية تسيطر على مساحات واسعة من سوريا، وتمتلك السلاح والمؤسسات والإدارة والنفوذ على الأرض، أصبح اليوم مستشاراً لدى الرئيس السوري.

وهنا يجوز طرح السؤال القاسي، بالمعنى السياسي والمجازي لا بوصفه اتهاماً جنائياً: كيف يصبح «القتيل» مستشاراً لـ«القاتل»؟

ليس المقصود شخص مظلوم عبدي وحده، بل آلاف القتلى الذين سقطوا خلال سنوات الحرب، والكرد الذين قاتلوا دفاعاً عن مناطقهم، والمقاتلين والمقاتلات الذين سقطوا في كوباني وفي الحرب ضد «داعش»، وكل التضحيات التي استند إليها المشروع السياسي والعسكري الذي مثّلته «قسد».

فإذا انتهت تلك المسيرة بحل القوة العسكرية، وإنهاء بنيتها المستقلة ودمج مؤسساتها في الدولة، ثم انتقال قائدها إلى قصر الرئاسة مستشاراً، فمن حق الناس أن تسأل: ماذا حصل الذين قاتلوا باسمه وباسم مشروعه في المقابل؟

ماذا يعني أن يصبح مظلوم «مستشاراً»؟

كلمة «مستشار» كبيرة سياسياً وصغيرة دستورياً إذا لم تقترن بصلاحيات واضحة.

فالمرسوم المنشور بتعيين مظلوم عبدي يحدد صفته مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية، لكنه لا يبين في نصه المنشور حقيبته الاستشارية ولا صلاحيات تنفيذية محددة له.[1]

وهذا فارق أساسي.

مظلوم عبدي الجنرال كان يمتلك قوة عسكرية وسلطة على الأرض وشريكاً تفاوضياً لا تستطيع دمشق تجاهله. أما مظلوم عبدي المستشار فقوته ستتحدد بمقدار تأثيره الحقيقي في الرئيس والقرار السياسي، لا باللقب المكتوب على باب مكتبه.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل انتقل مظلوم عبدي من قيادة قوة إلى المشاركة في صناعة القرار، أم انتقل من امتلاك القوة إلى تقديم المشورة لمن يمتلك القرار؟

والفرق بين الاثنين هائل.

ولكن أين الكرد؟

الأخطر أن يجري تقديم تعيين مظلوم عبدي وكأنه تعيين للكرد أنفسهم في السلطة.

الكرد السوريون ليسوا مظلوم عبدي، وليسوا «قسد» وحدها، و«قسد» نفسها لم تكن تنظيماً كردياً خالصاً. كما أن الساحة السياسية الكردية السورية تضم أحزاباً وتيارات وشخصيات لها تاريخ يعود إلى ما قبل تأسيس «قسد» وظهور مظلوم عبدي كقائد معروف دولياً.

لذلك يجب أن يكون السؤال: أين التمثيل السياسي الكردي المتعدد؟ أين الأحزاب الكردية الأخرى؟ أين المجلس الوطني الكردي؟ وأين الشخصيات المستقلة؟

فالقضية الكردية لا يمكن اختصارها بمقعد مستشار في قصر الرئاسة، ولا يجوز استبدال حقوق جماعية ودستورية بمناصب فردية مهما كانت أسماء أصحابها كبيرة.

وحتى تعيين سيبان حمو في موقع عسكري لا يحسم هذه المسألة؛ فالرجل مرتبط تاريخياً بالمنظومة العسكرية لـ«قسد» وYPG، وليس ممثلاً للتعددية السياسية الكردية السورية. وبالتالي يبقى السؤال عن مشاركة الكرد كقوة سياسية واجتماعية قائمة بذاتها مشروعاً.

وأين عفرين؟

هنا نصل إلى السؤال الأصعب.

أين عفرين من كل هذه الصفقة؟

نص اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقع بين دمشق و«قسد» تحدث عن العمل للوصول إلى تفاهمات تخص العودة الآمنة والكريمة لأهالي عفرين والشيخ مقصود إلى مناطقهم.[2]

وهذه الصياغة مهمة للغاية.

إنها لا تقول إن ملف عفرين حُلّ، ولا إن جميع المهجرين عادوا، ولا تضع في النص المنشور حلاً تفصيلياً ونهائياً لقضايا الممتلكات والأراضي والإدارة المحلية.

فإذا أصبح مظلوم عبدي مستشاراً للرئيس السوري، يصبح السؤال الموجه إليه مباشراً:

متى يعود جميع مهجري عفرين؟

ومن يضمن أمنهم؟

وماذا عن بيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم؟

وكيف ستدار عفرين مستقبلاً؟

وهل سيكون لأهلها القرار في إدارة مدينتهم ومناطقهم؟

هذه ليست أسئلة تفصيلية. عفرين اختبار حقيقي لمعنى أي تسوية كردية مع دمشق. لأن قيمة المنصب الذي حصل عليه مظلوم عبدي لا تقاس بقرب مكتبه من مكتب الرئيس، بل بقدرته على تحويل ذلك القرب إلى حقوق وضمانات للناس الذين يفترض أنه فاوض باسم قضيتهم.

وكوباني… ماذا بقي من رمزها؟

ثم هناك كوباني.

كوباني ليست مدينة عادية في تاريخ «قسد» والحركة الكردية السورية الحديثة. إنها المدينة التي أصبحت رمزاً عالمياً لمقاومة «داعش»، وشكلت معركتها نقطة تحول في علاقة المقاتلين الكرد بالتحالف الدولي، وأسهمت في صناعة الصورة الدولية التي استفاد منها مظلوم عبدي لاحقاً.

لذلك يجب أن نسأل اليوم:

ماذا بقي لكوباني من خصوصيتها السياسية والأمنية والإدارية بعد حل «قسد»؟

ترتيبات الدمج أبقت قوة مرتبطة بمنطقة عين العرب/كوباني ضمن الهيكل العسكري الجديد، فيما انتقلت العملية العسكرية والأمنية الأوسع إلى إطار الدولة السورية ومؤسساتها.[3]

وهنا تظهر المفارقة:

القائد الذي صنعت كوباني جزءاً كبيراً من شرعيته الدولية أصبح مستشاراً في دمشق، بينما القوة التي نشأت من تجربة كوباني وما بعدها لم تعد موجودة كقوة عسكرية مستقلة.

فهل حصلت كوباني في المقابل على ضمانات كافية لإدارتها المحلية وخصوصيتها وحقوق سكانها؟

هذا ما يجب أن تجيب عنه المرحلة المقبلة.

ماذا أخذ الكرد وماذا أعطوا؟

لا يجوز أيضاً القول إن الكرد لم يحصلوا على شيء.

هناك اعتراف رسمي بأن السوريين الكرد جزء أصيل من الشعب السوري، وهناك مكاسب تتعلق بالهوية الثقافية واللغوية، ومعالجة قضية مكتومي القيد، وفتح الباب أمام التعليم باللغة الكردية. وقد تحدث مظلوم عبدي نفسه بعد حل «قسد» عن موقف رئاسي منفتح تجاه التعليم بالكردية وعن العمل على تطبيقه.[4]

هذه خطوات مهمة.

لكن السياسة لا تقاس بما أُخذ فقط، بل بما أُخذ مقارنة بما أُعطي.

وفي الجهة الأخرى من الميزان نجد حل «قسد» كقوة عسكرية مستقلة، ودمج قواتها في الجيش والأمن، وعودة مؤسسات الإدارة إلى مؤسسات الدولة، وانتقال المعابر والمنشآت والموارد الاستراتيجية إلى سلطة الدولة ضمن مسار الاتفاق.[3]

إنها تنازلات ضخمة.

ولذلك يصبح السؤال:

هل تساوي المكاسب السياسية والدستورية التي حصل عليها الكرد حتى الآن حجم القوة العسكرية والإدارية والسياسية التي تخلوا عنها؟

هذا هو النقاش الذي يجب أن يبدأ، بعيداً عن الاحتفال بالأسماء والمناصب.

هل استوعبت دمشق القضية أم استوعبت قائدها؟

ربما يكون ما جرى نموذجاً كلاسيكياً في إدارة النزاعات: بدلاً من القضاء على الخصم، يجري استيعاب قيادته داخل النظام الجديد.

مظلوم عبدي لم يدخل السجن ولم يخرج إلى المنفى ولم يتحول إلى قائد معارضة مسلحة. دخل قصر الرئاسة.

ومن وجهة نظر الدولة السورية، هذه نتيجة سياسية كبيرة: القوة العسكرية المستقلة حُلّت، مؤسسات الدولة تعود إلى شمال شرقي البلاد، وقائد القوة السابقة أصبح جزءاً من المنظومة السياسية الجديدة.

لكن ماذا عن الطرف الآخر؟

هنا سيكون مظلوم عبدي أمام أصعب امتحان في مسيرته.

إذا استطاع من موقعه الجديد أن يساهم في ضمان عودة أهالي عفرين، وحماية خصوصية كوباني، وتثبيت اللغة والحقوق الكردية دستورياً، وضمان إدارة محلية حقيقية، وفتح الدولة أمام مختلف القوى السياسية الكردية وليس أمام جماعته وحدها، فقد يستطيع القول إنه استبدل البندقية بالسياسة وحوّل المكاسب العسكرية إلى حقوق دائمة.

أما إذا انتهت العملية إلى حل «قسد»، وإنهاء الإدارة المستقلة، وتسليم السلاح والمؤسسات والمعابر والموارد، مقابل حقوق ثقافية وبعض المناصب الفردية، فإن التاريخ سيطرح سؤالاً مختلفاً تماماً.

عندها لن يكون السؤال:

كيف أصبح مظلوم عبدي مستشاراً للرئيس؟

بل:

ماذا بقي للكرد عندما أصبح مظلوم عبدي مستشاراً؟

وأين عفرين؟

وأين كوباني؟

وأين التمثيل السياسي الكردي؟

وأين الضمانات الدستورية التي لا يستطيع رئيس أو حكومة مقبلة التراجع عنها؟

وأخيراً، ذلك السؤال الأكثر إزعاجاً:

هل دخل الكرد إلى الدولة السورية الجديدة، أم دخل مظلوم عبدي وحده إلى القصر؟

Note

[1] وكالة الأنباء السورية – سانا، «الرئيس الشرع يصدر مرسوماً بتعيين مظلوم عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية»، 27–28 آب/أغسطس 2026، المرسوم رقم 164 لعام 2026.

[2] وكالة الأنباء السورية – سانا، نص اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، 18 كانون الثاني/يناير 2026، ولا سيما البند المتعلق بالعمل للوصول إلى تفاهمات بشأن العودة الآمنة والكريمة لأهالي عفرين والشيخ مقصود. وانظر أيضاً: الذاكرة السورية، النص المؤرشف للاتفاق.

[3] وكالة الأنباء السورية – سانا، «17 شهراً من الاتفاق إلى الاندماج.. كيف انتهى مسار قسد داخل الدولة السورية؟»، 27 آب/أغسطس 2026؛ وانظر أيضاً تلفزيون سوريا، التغطية المتعلقة بحل «قسد» والاندماج الكامل في مؤسسات الدولة وترتيبات الألوية العسكرية، آب/أغسطس 2026.

[4] وكالة الأنباء السورية – سانا، «قسد تندمج في مؤسسات الدولة.. ومظلوم عبدي يؤكد: المرحلة الجديدة عنوانها السلام»، 25 آب/أغسطس 2026، ويتضمن تصريحات عبدي حول التعليم باللغة الكردية والانتقال من العمل العسكري إلى مرحلة الاندماج في الدولة

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

حادث مأساوي في سنندج وعبد الله مهتدي يعزّي الضحايا

أخباركم - أخبارنا كتب عبد الله مهتدي، سكرتير حزب كومله الكردستاني، عبر صفحته على...

تركيا في قلب إعادة تشكيل الشرق الأوسط: بين إيران وإسرائيل وروسيا والغرب ومستقبل الكرد والعرب

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد لم تعد تركيا مجرد دولة إقليمية تتحرك على هامش صراعات...