الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

بييرباتيستا بيتسابالا في بافيا: كاردينال يحمل قلق الأرض المقدسة على كتفيه

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

ليس سهلاً أن تكون بطريرك القدس للاتين وكاردينالاً في زمن كهذا. وليس سهلاً أن تكون راعياً لأرضٍ تتقاطع فوقها الحرب والدين والسياسة والتاريخ، فيما يُطلب منك أن تبقى صوتاً للمحبة والسلام وسط ضجيج السلاح.

هذا بعض ما شعرت به وأنا أستمع إلى الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا في بافيا.

بيتسابالا، الإيطالي المولود عام 1965 والفرنسيسكاني الذي أمضى قسماً كبيراً من حياته في الأرض المقدسة، يعرف القدس وإسرائيل وفلسطين ليس من الخرائط والتقارير، بل من سنوات طويلة عاشها بين ناسها وكنائسها وتناقضاتها. ومنذ عام 2020 هو بطريرك القدس للاتين، ثم جعله البابا فرنسيس كاردينالاً عام 2023. ولذلك، عندما يتحدث عن الأرض المقدسة، لا يتحدث مراقباً لها من بعيد؛ إنه راعٍ يعيش أزماتها من الداخل.

قلق الراعي

وجدت أمامي كاردينالاً عميقاً، يتكلم قليلاً، لكن كلماته تحتاج أحياناً إلى قراءة ما بينها بقدر ما تحتاج إلى سماعها.

موقعه اليوم بالغ الصعوبة. فهو يتحرك في واقع تتقاطع فيه سياسات دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وحماس، وسلطة فلسطينية شديدة الضعف، وحرب تركت غزة أمام كارثة إنسانية هائلة.

ولم يعد همه فقط حماية الوجود المسيحي في الأرض المقدسة، وهو وجود تاريخي أصبح أكثر هشاشة، بل وجد نفسه، كراعٍ، يحمل أيضاً النتائج الإنسانية لحرب لم يستشره أحد فيها. عليه أن يهتم بالكنائس والمسيحيين، وفي الوقت نفسه بالمهجّرين والجائعين والمنكوبين، لأن الراعي الصالح لا يسأل الإنسان المتألم عن هويته قبل أن يمد إليه يده.

وهنا تكمن صعوبة بيتسابالا وقوته معاً: كيف تقول الحقيقة دون أن تغلق أبواب الحوار؟ وكيف تدافع عن الإنسان من دون أن تتحول إلى طرف سياسي؟ وكيف تتحدث عن الفلسطيني والإسرائيلي، عن الضحية والخوف والحرب والسلام، فيما كل كلمة يمكن أن تُقرأ سياسياً قبل أن تُفهم إنسانياً؟

لهذا، عندما يثق بك رجل في موقعه ويتحدث أمامك بصراحة، تصبح الثقة مسؤولية. وعندما تتفهم حساسية موقعه وتقدّر الدور الذي يقوم به وتريد الحفاظ على قدرته على القيام بهذا الدور، تمارس بنفسك رقابة أخلاقية على ما تكتب. ليست كل حقيقة سمعتها ملكاً لك لتنشرها، وليست كل كلمة قيلت في مجلس خاص مادة صحفية.

بافيا تستقبل راعي القدس

وكانت بافيا حاضرة لاستقباله.

هذه المدينة اللومباردية العريقة، مدينة الكنائس والجامعة والتاريخ، خرجت برسمييها ورجال دينها وكنيستها وأهلها للترحيب به، للصلاة معه، ولتقول له بطريقة بسيطة إن الحمل الذي يحمله في القدس لا يحمله وحده.

وكان وراء هذه الدعوة أيضاً أسقف بافيا، المونسنيور Corrado Sanguineti، الذي أراد أن يكون الكاردينال بيتسابالا بين أبناء أبرشيته في هذه المناسبة. وقد شعرت من حديثه وموقفه أنه يعتبر مساندة بيتسابالا وما يقوم به في الأرض المقدسة التزاماً كنسياً وإنسانياً، لا مجرد واجب بروتوكولي أو مجاملة بين رجال الكنيسة.

ولبافيا علاقة خاصة جداً بالقديس أغسطينوس، أحد أعظم آباء الكنيسة والفكر المسيحي الغربي، إذ تحتضن كنيسة San Pietro in Ciel d’Oro رفاته. أغسطينوس، صاحب الاعترافات ومدينة الله، جعل من البحث عن الحقيقة رحلة إلى أعماق الإنسان، وربط السلام بترتيب المحبة، ورأى أن قلب الإنسان يبقى قلقاً حتى يجد راحته في الله.

ولذلك لم يكن الحديث عن أغسطينوس في بافيا مجرد استعادة لشخصية من القرن الرابع والخامس.

شرح الكاردينال مغزى الروح الأغسطينية، ومنها انتقل إلى الإنسان وإلى رسالة الكنيسة. كانت الدعوة واضحة في جوهرها: أن تكون الكنيسة كنيسة الإنسان، على مثال يسوع المسيح؛ كنيسة لا تنغلق على ذاتها، بل تذهب إلى الإنسان في خوفه وألمه وأسئلته.

وربما هنا يلتقي أغسطينوس ببيتسابالا أكثر مما يبدو للوهلة الأولى: كلاهما يعرف معنى القلب القَلِق. لكن القلق هنا ليس خوفاً يشلّ الإنسان، بل مسؤولية تدفعه إلى البحث عن السلام.

حملٌ تقع تحته الجبال

على كتفي هذا الرجل حمل كبير قد تقع تحته الجبال.

ومع ذلك، تشعر عندما تستمع إليه بأن الصلاة بالنسبة إليه ليست هروباً من السياسة والواقع، بل القوة التي تسمح له بالدخول إليهما من دون أن يبتلعهما.

يتقدم بهدوء وثقة، مؤمناً بربه، وكأنه يعرف في داخله أن الرب لن يتركه وحيداً مهما ازدادت الطريق قسوة.

وفي العشاء، اجتمع سياسيون ورسميون ورجال دين من بافيا. وهناك حضر الشرق الأوسط بكل ثقله إلى الطاولة.

تحدث بيتسابالا عن فلسطين وإسرائيل وعن العلاقة الصعبة بينهما، وعن المحبة والسلام في أرض يبدو أحياناً أن كليهما أصبح فيها من أصعب الأشياء.

المجالس بالأمانات.

قال الكثير عن فلسطين وأهلها، فهو في النهاية راعي تلك الأرض وناسها، لا زائر عابر إليها. كان قلقاً. وهذا ما أستطيع قوله اليوم.

أما الباقي، فربما يأتي يوم يمكنني أن أقوله.

ختامها مسك… وفطور لم يؤكل

وكان ختام الزيارة بالنسبة إليّ جلسة صباحية كان يفترض أن تكون حول مائدة الفطور، لكنها تحولت سريعاً إلى جولة سياسية وفكرية طويلة.

وأعترف أنني، بكثرة الأسئلة، كدت أحرم نيافة الكاردينال بيتسابالا من فطوره!

دارت الطاولة من فلسطين إلى لبنان؛ ومن لبنان ورئيسه وحزب الله إلى سوريا؛ ثم إلى إيران والعراق، والإسلام السياسي، ومستقبل الوجود المسيحي في الشرق.

سألت، واستمع، وأجاب.

قال ما قال.

وبعض ما قاله يصلح للكتابة، وبعضه الآخر مكانه الأمانة.

خرجت من اللقاء وأنا أكثر اقتناعاً بأن رجال الدين الحقيقيين لا يعيشون خارج السياسة، لكنهم يحاولون ألا يصبحوا أسرى لها. بيتسابالا لا يملك جيشاً ولا دولة، ولا يستطيع أن يوقف حرباً بقرار، لكنه يملك شيئاً يصبح نادراً جداً في زمن الحروب: إمكانية أن يبقى باباً مفتوحاً عندما يريد الجميع إغلاق الأبواب.

لهذا بدا لي قلقه مفهوماً.

فهو يقف في واحدة من أصعب نقاط العالم، بين شعوب خائفة، ودم كثير، وسياسيين، ودول، ومصالح متعارضة، ويحاول أن يحمي ما تبقى من مساحة للمحبة والسلام والحوار.

غادرت بافيا وفي ذهني صورة واحدة:

كاردينال يحمل على كتفيه قلق الأرض المقدسة، وحين يصبح الحمل أثقل من قدرة الإنسان، يرفعه قليلاً بالصلاة… ثم يواصل السير

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

من الأشرفية وزحلة إلى النبطية: حين لا يتوقف السلاح إلا عندما تصبح كلفته أكبر من قدرته على فرض أجندته

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أمام مشاهد الدمار المتسع في الجنوب اللبناني، ومع انتقال...

السلطة قادرة(إن أرادت) وقف هدايا حزب الله للعدو: تدمير كل منطقة النبطية وإلحاقها بجنوب الليطاني!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالحكل المسؤولية عما يجري الآن من إستكمال تدمير منطقة النبطية...