أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود
في الأزمات العسكرية الممتدة، لا تقتصر الحروب على دوي القذائف وحركة الآليات على الأرض، بل تمتد لتشمل حرب المصطلحات وتوجيه الوعي العام. وتبرز قضية ما يُعرف اليوم بالخط الأصفر في الجنوب اللبناني كنموذج صارخ لكيفية تحول الترتيبات الأمنية أحادية الجانب إلى واقع مفروض، تتلقفه وسائل الإعلام وتبسطه في أذهان الرأي العام دون تمحيص لخلفياته وأبعاده القانونية والسياسية.
تعود بداية التباس المفاهيم لدى المتابع إلى خلط شائع بين الخط الأزرق الدولي والخط الأصفر الأمني الحديث. فالخط الأزرق هو خط انسحاب وضعت نقاطه الأمم المتحدة عام ألفين للتحقق من خروج القوات الإسرائيلية، واستند في جوهره إلى حدود عام ثلاثة وعشرين لاتفاقية بوليه كامب وإلى الهدنة المقرة عام تسعة وأربعين. ورغم تحفظ الدولة اللبنانية على عدة نقاط فيه، إلا أنه بقي مرجعية ترعاها القرارات الدولية وتنتشر على طوله قوات حفظ السلام. أما ما يُعرف اليوم بالخط الأصفر، فهو ليس إلا حزاماً أمنياً فرضه الاحتلال الإسرائيلي بإرادته المنفردة داخل العمق اللبناني جنوب نهر الليطاني، ليقتطع عشرات القرى والبلدات دون أي سند قانوني أو اعتراف دولي.
إن خطورة هذا التطور لا تكمن فقط في التواجد العسكري المباشر وتفكيك البنية التحتية لإحداث منطقة عازلة خالية من السكان، بل تكمن في المسار الذي يسلكه هذا الخط ليتحول إلى أمر واقع تثبته الأيام وتغيرات الميدان. فتفريغ الأرض وتغيير معالمها يجعل عودة الأهالي مسألة فائقة الخطورة، مما يعزز هذا الفاصل الجغرافي كحدود أمنية مستجدة يُراد استثمارها مستقبلاً كأوراق ضغط وتفاوض.
واللافت والأكثر غرابة في هذا المشهد هو الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام، المقروءة منها والمرئية. فعندما ينقل مراسل ميداني خبر تقدم القوات الإسرائيلية نحو قرية معينة مثل بلدة حاريص، نراه يصادق دون قصد على شرعية الخط من خلال وصف هذا التقدم بأنه خرق للخط الأصفر. هذا التوصيف الإعلامي المجتزأ يمنح الخط الأصفر هالة من الترسيم الضمني أو الخط الأحمر الذي لا يجوز تتعداه القوات المهاجمة، بينما يتغاضى عن الحقيقة الأساسية.
إن الإشكالية الكبرى في هذا الخطاب الإعلامي تكمن في أنه ينزع صفة الاحتلال والانتهاك عن كل ما يقع خلف هذا الخط الأصفر. فعندما يصبح الخرق مقترناً فقط بتجاوز هذا الخط نحو عمق جديد، يتحول الوجود العسكري للاحتلال في القرى الواقعة قبله في الذهنية العامة إلى حالة طبيعية أو أمر مقبول ومسلم به. إن أي تواجد لأي قدم عسكرية غريبة داخل أراضي الحدود الوطنية هو خرق صريح للسيادة وللقرارات الدولية، بغض النظر عن المسافة أو التسميات الأمنية المستحدثة.
في النهاية، يبدو أن المعركة في الجنوب اللبناني ليست معركة تثبيت مواقع عسكرية فحسب، بل هي معركة مصطلحات وتثبيت مفاهيم. إن الاستسلام للغة الأمر الواقع والتعاطي مع الخطوط الأمنية المستحدثة كمرجعيات لقياس الخروقات يُسهم عملياً في تسليم السيطرة وتثبيت مناطق النفوذ. والتاريخ يثبت دائماً أن خطوط السيطرة الميدانية القائمة على القوة المباشرة تظل خطوطاً هشّة ومؤقتة تفتقر لأي شرعية، ما لم يُسهم الإعلام والوعي الجمعي في إعطائها شرعية لا تستحقها.



