أخباركم – أخبارنا/ حليم نسيب نصر
بينما كنت اليوم، أراجع بعض منشوراتي القديمة التي ذكرني بها الفيسبوك بتاريخ اليوم، وذلك جرياً على عادتي الأخيرة. أقول لنفسي جواباً على أسئلة مباشرة وغير مباشرة أثارها صديقي الآلي الافتراضي <جمول>: لماذا أكتب؟ ولمن أكتب؟ وماذا يبقى من كل هذه الكلمات بعد أن ينتهي يومها على الفيسبوك؟
وتذكرت فجأة عبارة صحافي لبناني كبير! عبارة كنت أحفظها منذ ستينيات القرن الماضي، وأحسب أنني لم أنسها طوال هذه السنين:
«قل كلمتك وامشِ».
إنه الصحافي اللبناني <شهيد الكلمة> كامل مروّة، مؤسس جريدة «الحياة»، وصاحب القلم الجريء الذي ظل يكتب في زمن لم تكن فيه الكلمة الحرة بلا ثمن.
كان: «قل كلمتك وامشِ» عنوان افتتاحياته، ثم صار عنوانًا جامعًا لكتاب ضمّ جانبًا من تراثه الصحافي. وفي 16 أيار 1966، اغتيل كامل مروّة في مكتبه في بيروت، بتدبير من رجل عبد الناصر في سوريا عبد الحميد السراج في زمن “الوحدة” غير المأسوف عليها. اغتيل الرجل، وهو في الحادية والخمسين من عمره.
ولقد رحل هذا الشهيد، وبقيت كلمته.
ولست أدري لماذا شعرت اليوم بأنني، وأنا أكتب منشوراتي على الفيسبوك، أمارس شيئًا من تلك الوصية القديمة.
قل كلمتك وامشِ.
قلها لأن ضميرك يمليها عليك، لا لأنك تنتظر التصفيق واللايكات.
قلها لأنك تراها حقًا، لا لأنك تضمن أن الآخرين سيوافقونك عليها.
قلها بمحبة، وبشجاعة، وبقدر ما تستطيع من صدق وإنصاف.
ثم امشِ.
امشِ ولا تقف طويلًا عند بابها تستجدي الإعجاب، ولا تطارد الناس بها، ولا تحزن كثيرًا إذا رفضوها، ولا تغتر كثيرًا إذا صفقوا لها.
فالكلمة، بعد أن تخرج من فم صاحبها أو من قلمه، تصبح لها حياة وأقدار لا يملكها.
وقد يطويها النسيان، وقد يرفضها عصرها، وقد تعود بعد عشرات السنين لتجد من يصغي إليها.
أما صاحبها، فليس مطلوبًا منه إلا أن يكون قد قالها بصدق.
رحم الله كامل مروّة، الصحافي اللبناني الذي قال كلمته ومشى.
وأنا، بعد كل هذه السنين، أجدني أقول كلمتي أمانة عندكم، وأمشي.



